الدكتور باسم فليفل: التحقيق التاريخي يحمي الذاكرة ويُحيي التراث المنسي
أجر اللقاء: نبيل شحاده
نواصل اللقاء مع الباحث والدكتور باسم فليفل، وفي هذا الجزء يؤكد أهمية أعمال التحقيق التاريخي في حماية الذاكرة الجماعية للأمة وصون مصادرها الأولية من التلف والضياع. ويركز على دور المحقق في إعادة قراءة التاريخ بموضوعية علمية بحتة تبتعد عن القوالب الجاهزة أو التلفيق السياسي، مع إضاءة تجارب ميدانية في تحقيق مذكرات شخصيات عاصرت أواخر العصر العثماني، فضلاً عن تقييم واقع البحث العلمي في العالم العربي والتحديات التي تواجهه في الحفاظ على الهوية الرقمية التاريخية.
السؤال الأول: من خلال تجربتكم في إخراج نصوص منسية للضوء (مثل مذكرات بديعة مصابني، سيرة أبي العلاء المعري، وكتاب سيرة مؤرخ بيروت المحروسة الدكتور حسان حلاق)، كيف تسهم أعمال التحقيق هذه في حماية الذاكرة الجماعية؟ وما هي أبرز الإيجابيات التي تقدمها لإعادة قراءة التاريخ بموضوعية علمية؟
جواب: أعمال التحقيق تسهم بحماية الذاكرة الجماعية لأنها تعيد للمصادر التاريخية مكانتها بوصفها أساساً لفهم الماضي وتدوينه، خاصة الوثائق، والمخطوطات، والسجلات، والصحف، والمراسلات، والشهادات التي ممكن أن تكون عرضة للتلف أو الضياع أو النسيان.
التحقيق طبعا لا يقتصر على نشر النصوص القديمة، بل يعمل على تمحيصها، ومقارنتها، وضبطها، وتوثيق مصادرها بما يضمن انتقالها للأجيال اللاحقة بصورة أقرب إلى أصلها وأكثر دقة وموثوقية.
أما من ناحية إعادة قراءة التاريخ بموضوعية علمية، فأبرز ما تقدمه أعمال التحقيق هو أنها تتيح للباحث العودة للمصادر الأولية بدل الاكتفاء بالروايات المتداولة أو القراءات اللاحقة.
كذلك هي تكشف أحياناً عن معلومات أو وجهات نظر غابت عن الدراسات السابقة، وتساعد بتصحيح الأخطاء التي تراكمت عبر النقل والتكرار، وتساعد أيضا على التمييز بين الوقائع التاريخية والتفسيرات التي أُسقطت عليها بمراحل لاحقة.
طبعاً الشاهد على الحدث ليس مثل الشخص الذي يأتي بعد عدة سنوات لدراسة هذا الحدث وتفسيره بما يصح أن نطلق عليه فلسفة التاريخ. وبالتالي نستطيع أن نقول إن التحقيق العلمي لا يهدف لإعادة كتابة التاريخ وفق رؤية مسبقة، وإنما لتحرير المادة التاريخية من الأخطاء والتحريفات ووضعها بسياقها الزمني والسياسي والاجتماعي الصحيح.
وهذه العملية تتيح قراءة أكثر توازنًا للتاريخ، لأنها تقوم على تعدد المصادر ومقارنتها ونقدها، مع الاعتراف بأن الموضوعية التاريخية لا تعني غياب وجهة نظر الباحث، وإنما تعني إخضاع هذه الوجهة للمنهج العلمي والأدلة المتاحة.
بحالة مذكرات بديعة مصابني، أنا السبب الذي دفعني للخوض بهذا الأمر، وكانت أول تجربة، كون هذه المرأة عاشت قسمًا من حياتها بالعصر العثماني، فكانت شاهدة على أمور كثيرة نحن نقرأ عنها بالكتب الأكاديمية.
وأنا شخصياً، على الصعيد الشخصي، أنا لست ممن يُحب الروايات، وليس عندي ميول لقراءة الروايات. الشكل الأدبي الذي أنا أحبه هو المذكرات. المذكرات هي كتب تاريخ، ولكن تاريخ يرويه للشاهد، وأنا محب جداً لقراءة مذكرات الأشخاص الذين عاصروا أواخر العصر العثماني بالذات.
فمن هذا المنطلق هذا أنا دخلت بتحقيق مذكرات بديعة مصابني، وكما ذكرت سابقاً هي كشفت العديد من الأمور التي خَبرتها وعاشرتها أو عاصرتها. طبعاً مع الأخذ بعين الاعتبار أن الباحث قد يُميِّز متى كاتب المذكرات يبالغ ومتى يفسر أموراً وفقاً لوجهة نظره، أو وفقاً لرؤيته الحضارية والثقافية الخاصة وحتى الدينية والطائفية.
فهذا كله، عندما نشتغل على تحقيق المذكرات، يساعد القارئ العادي أو الباحث -ربما غير المتعمق أو غير المتخصص- بأن يكون عنده نظرة شاملة للموضوع.
بحالة كتاب الدكتور حسان حلاق، الموضوع كان نوعاً ما أسهل، مش سهل مطلقاً، لأن الأشخاص الذين عاصروه وعاصروا الأحداث التي هو خبرها وعارفها، معظمهم ما زالوا موجودين، فكانت الاستفادة منهم ممكنة. ومع ذلك، كان لا بد من تحليل بعض آراء الدكتور حلاق وأفكاره وفقاً للسياق الزمني الذي هو عاش فيه، وكذلك وفقاً لتوجهاته الفكرية والدينية والايديولوجية.
وبالنسبة لمن اتهم الدكتور حلاق بأنه طائفي ومتحيّز للمسلمين السنّة ولبيروت في كتاباته التأريخية، فهذا أمر طبيعي أن يكون لدى حلاق تحيز لبيروت، ولديه ميول لأهل السنة. فهل يوجد مؤرخ في الدنيا ليس ابن بيئته التي وُلد فيها، أو ليس نتاج ثقافته؟ حتى الأوروبيون وحتى في يومنا هذا ما زالوا يفسرون الإسلام وتاريخه بحسب رؤيتهم.
الظروف التاريخية التي مرّت سابقاً، هي التي دفعت الدكتور حسان حلاق وأقرانه للدفاع عن تاريخ بيروت وعن تاريخ أهل السنّة فيها. والتعصب لهذا التاريخ موجود لأن بالمقابل يوجد طرف آخر يريد إلغاء كل هذا.
والدكتور حلاق لم ينكر في حياته الجزء المسيحي أو الدرزي من تاريخ بيروت بكل كتاباته، وخير دليل هو موسوعة العائلات البيروتية التي ذكر فيها الجميع ممن هو من أصل بيروتي قح. ثم إن بيروت أغلب سكانها من المسلمين السنّة والقسم الأقل هم من المسيحيين، وحسان حلاق لم ينكر هذا الأمر وكتب عنهم جميعاً. والدكتور عبد الرؤوف سنو وهو صديق للدكتور حسان وأن اختلف معه ببعض الأمور وبقي الاحترام والتقدير المتبادل، قال لي بالحرف "أنت قل كلمتك وامش. أنت لا تستطيع أن تساير الجمهور كما يريد سواء لاتقاء الفتنة أو غير ذلك". لذلك فالمنهجية العلمية الصحيحة تقتضي كتابة التاريخ بموضوعية تامة وذكر الوقائع كما حدثت دون مواربة أو تلطيف للأجواء، بغض النظر عما إذا كانت ستزعج أي طرف أم لا.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook