خالد البوبو يكشف خفايا قضية الموقوفين الإسلاميين والمحكمة العسكرية واستبعاد الأسير من العفو
أجرى اللقاء: نبيل شحاده
يظل ملف "الموقوفين الإسلاميين" في لبنان، وعلى رأسهم قضية الشيخ أحمد الأسير، واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في الذاكرة السياسية والقضائية، إذ يرزح منذ سنوات تحت وطأة التجميد والتعطيل وسط غياب معايير المحاكمة العادلة ووجود اعتبارات طائفية وسياسية تحكم أروقة القضاء. هذا الجمود التاريخي القائم أعاد فتح جروح الملف مع ترقب الشارع وأهالي الموقوفين لأحدث مسارات قوانين العفو العام، والتي اصطدمت مؤخراً بقرار المجلس الدستوري تجميد مفعول القانون إثر الطعن المقدم به؛ ليبقى ملف الأسير وسواه رهينة مناورات الترحيل والتسويات الناقصة. لاستيضاح خفايا هذا الصندوق الأسود وربط جذوره القضائية المستمرة بآخر التطورات التشريعية، لنا هذا اللقاء الحواري المعمق مع الناشط والمتابع الدؤوب للملف، الأستاذ خالد البوبو.
1- تمتد قضية الموقوفين الإسلاميين منذ عام 2000 وحتى يومنا هذا؛ فهل يُعقل أن تعجز الدولة اللبنانية طوال هذه السنوات عن إنجاز محاكمات عادلة ومحاسبة المرتكب حقاً وإطلاق سراح البريء، لا سيما أن معظم هؤلاء قد قضوا خلف القضبان مدداً تفوق أقصى العقوبات القانونية المفترضة لِما يُنسب إليهم؟
جواب: مشكلة الدولة اللبنانية مع ملف الإسلاميين هي مشكلة سياسية، وربما مالية لأنها تقبض أموالاً على كل واحد "إرهابي" في حال اعتقاله وسجنه. ولذلك اعتقد أنه ليس عندها عجز قضائي أو أي نوع آخر.. هي عندها قرار بذلك.
ولكن منذ سنة 2019 وإلى اليوم، حصل عجز واضح بسبب الأوضاع المادية، والقضاة من جهتهم توقفوا عن الحضور إلى أعمالهم. ولكن في ملفات سياسية معينة مثل ملف عبرا، وملف الشيخ أحمد الأسير، القرار هو عدم إقفال هذه الملفات وعدم حلها والانتهاء منها، لأنه بحال التحقيق الجدي فيها وظهور الحقيقة، فهناك ضباط وزعماء وسياسيون سيُجرّون إلى القضاء؛ يعني سيُتهمون بأنهم أخفوا الحقيقة وسنشهد كثيراً من الفضائح. لهذا نعم هو ليس قراراً بمعنى التقصير القضائي فقط."
2- أصدرت حكومة الرئيس تمام سلام عام 2014 قراراً رسمياً يقضي بإلغاء "وثائق الاتصال" ولوائح الإخضاع باعتبارها تدابير غير دستورية ولا تستند إلى إشارة قضائية واضحة، وهي وثائق ساهمت إلى حد كبير في زجّ أعداد هائلة من الشبان في السجون بناءً عليها. هل نُفّذ هذا القرار فعلياً على أرض الواقع، أم أن الأجهزة الأمنية ما زالت تعتمد هذه الوثائق سراً للتحكم برقاب الناس وملاحقة أبناء مناطق معينة خارج أروقة القضاء؟
جواب: قرار إلغاء "وثائق الاتصال" لم يُنفذ، أو يمكننا القول إنه يُنفّذ على القطعة؛ هناك ضباط التزموا ونفذوا القرار، وآخرون لم يلتزموا. وكذلك هناك أجهزة أمنية ساعدت وأخرى تقاعست. حسب الواقع والمنطقة والوضع، وللأسف الأجهزة الأمنية والمؤسسات في لبنان كلٌ منها أصبح دولة مستقلة ولها قرارها الخاص. هذا هو الواقع.
3- تتصاعد باستمرار الاتهامات الموجهة إلى المحكمة العسكرية في لبنان بتحولها إلى أداة استهداف وتصفية سياسية لخصوم أطراف نافذة، ولا سيما المعارضين لسياسات حزب الله، وسط تساؤلات مشروعة عن سبب الإصرار على إبقاء هذا القضاء "صندوقاً أسود" بمعزل عن المعايير الطبيعية للتقاضي. من هي الجهات التي تتمسك بصلاحيات هذه المحكمة واستمرار تبعيتها، ومن يملك فعلياً القدرة والصلاحية الدستورية اليوم لإصلاح هذا الهيكل القضائي المأزوم؟
جواب: المحكمة العسكرية تم صناعتها من فكرة موجودة في لبنان وهي "حلف الأقليات". حلف الأقليات هو نتاج تفكير جزء من المسيحيين وجزء من الدروز وجزء من الشيعة وجزء أيضا من السنّة ومن العلويين رأوا ضرورة التحالف والتعاون والعمل ضد أي أكثرية موجودة بالمنطقة وهم أغلبهم السنّة العرب.
وبالتالي، كل من لا يتعاون معهم يحاولون إخضاعه وإذا رفض يُقتل، والهدف هو دائماً إخضاع الأكثرية، وهم صراحة نجحوا في مكان ما.
المحكمة العسكرية، وكثير من المؤسسات اللبنانية تم صناعتها من قبل هؤلاء الأقلويين، ومن قبل ضباط لبنانيين كانوا يتدربون عند النظام السوري. وأذكّر هنا أن حافظ الأسد، كان الراعي الأساسي لحلف الأقليات، وتطورت الفكرة لاحقاً من بعده واستمرت. وهذا الحلف له مدارس في لبنان، وأشهرهم "المدرسة العونية السياسية". مكونات هذا الحلف يرفضون تغيير المحكمة العسكرية أو حتى تعديل أدائها، وهم أيضاً في الوقت نفسه يشكلون "الدولة العميقة".
4- طالما ربط المراقبون لسنوات ملف الشيخ أحمد الأسير وأحداث عبرا بضغط النفوذ والتقاطعات المباشرة مع النظام السوري السابق وأجهزته. اليوم، وبعد سقوط منظومة الأسد وقيام واقع سياسي جديد في دمشق، لماذا لم تتغير هذه المعادلات في لبنان، ومن هي الجهات المحلية التي ما زالت تتمسك بذات السياسات والخطوط الحمراء وكأن شيئاً لم يتغير؟
جواب: سقط النظام السوري في سوريا، ولكنه لم يسقط ولم تسقط مفاعيله حتى الآن في لبنان. حتى السنّة في لبنان يبدو أنهم لم يقتنعوا بعد بسقوط نظام بشار الأسد. والشعب في حالة يأس، ولا يريد أن يستيقظ من سباته ويخرج من أسر الماضي. وسنّة لبنان لا يريدون أن يستفيدوا من الواقع الجديد ويتحركوا لما فيه مصلحتهم.
البعض عَمِل قيمة للطائفة السنية في لبنان أكثر مما هي حقيقتها في البلد؛ هناك ضعف وهوان، وجبن، وخوف وأكثر من ذلك. لذلك ترى أن تأثير السنّة في لبنان مازال ضعيفاً وخجولاً. يعني أمام الهيمنة الكبيرة التي كان يملكها نظام الأسد على بعض الأفرقاء في البلد؛ كان يجب أن نرى تغييراً قوياً جداً، ولكن لم يتغيّر شيء. وأيضاً الذي يرسم الخطوط الحمراء الآن هي الدولة العميقة التي تمثل حلف الأقليات، الذي ما زال يحكم سيطرته على البلد. يعني رئيس الحكومة يعطي أوامر فلا تنفذها أجهزة الدولة ولا المؤسسات ولا الأجهزة الأمنية. في الحصيلة، هناك موروثات من نظام الأسد ما زالت موجودة ولا يمكن إلغاؤها بسهولة.
5- غابت أو أُجهضت كل فرص الوصول إلى محاكمة عادلة ونزيهة للشيخ أحمد الأسير ومن معه، وكيف تعمدت المنظومة القضائية والأمنية تجاهل مستندات وأدلة جوهرية لو جرى اعتمادها لكانت كفيلة بإنهاء الملف وإظهار الحقائق الكاملة منذ سنوات طويلة بدلاً من إبقائه رهينة الأحكام المعلبة؟
جواب: في محاكمات الشيخ أحمد الأسير بالمحكمة العسكرية قُدّمت كثير من الأدلة والفيديوهات والصور، ولكنهم أشاعوا من خلال أحد القضاة بأن القرص المضغوط "السي دي" الذي يحتوي على كل ذلك قد اختفى. وآخر قال إن الوقائع الموجودة بالفيديو غير مؤكدة. كما أن المحكمة أصدرت حكماً مؤبداً على الشيخ الأسير بسبب تسجيل صوتي غير موجود عن نية الشيخ تأسيس خلايا نائمة، وأنه سينفذ أقواله. تخيّل إلى أين وصلنا. حكم مؤبد بناءً على دليل غير موجود!
بالمقابل نرى ميشال سماحة المحكوم بوجود أدلة بالصوت والصورة وضُبط وينقل المتفجرات، وحصلت الاعتداءات على مسجدي التقوى والسلام كأكبر دليل، ورغم ذلك حُكم فقط خمس سنوات، ثم رُفعت إلى اثنتي عشرة سنة وخرج ربما قبل انتهائها. فانظر إلى أين وصل وضع البلد؟ كما أننا طلبنا شهوداً بالمحكمة، وتم الادعاء على ثمانين شخصاً من حزب الله، فلم يأت أحدٌ منهم. كما لم يُستدع أي شخص من مدينة صيدا للإدلاء بشهادته، إن كان من النواب أو الوزراء، ومنهم بهية الحريري وكانت وزيرة، والنائب أسامة سعد، وهو اخ الزعيم الصيداوي مصطفى سعد وابن الزعيم الصيداوي الكبير معروف سعد، والنائب الدكتور عبد الرحمن البزري كان رئيس بلدية سابق وهو ابن الزعيم الصيداوي الدكتور نزيه البزري، وفي عندنا فؤاد السنيورة وكان وقتها وزيرا ورئيس حكومة. كلهم كانوا موجودين، وكلهم شهود على ما حصل قبل المعركة وأثنائها وبعدها، ولكن لم يُستدعوا للشهادة. المحكمة العسكرية لا تأخذ بأقوال الشهود، ومنذ اثني عشرة سنة إلى اليوم، ما زال الشيخ أحمد الأسير بالتمييز، وإلى الآن لم يصدر الحكم عليه. فقط تأجيل بعد آخر، لأنهم إذا فتحوا التحقيق مجدداً سيضطرون إلى استدعاء الطرف الآخر الذي هو الجيش اللبناني، والطرف الثالث هو الحزب، وكذلك حركة أمل التي شارك مسلحوها بأعمال القصف من تلة مار الياس. وليد جنبلاط نفسه قال إنه اتصل بوفيق صفا وقال له: اسحب مقاتلي حزب الله من عبرا. هناك كثير من التفاصيل التي لم تأخذ المحكمة بها، ولم يُستدع شخص واحد لطرح الأسئلة عليه.
6- بعيداً عن التفاصيل التقنية، ماذا يُمثّل الشيخ أحمد الأسير فعلياً في المعادلة والتركيبة اللبنانية؟ ومن هي الجهات التي تخشى حقاً من وجوده أو حتى من مجرد فتح ملفه على ساحة العمل السياسي العام، لدرجة جعلت استبعاده شرطاً غير مكتوب في أي تسوية تشريعية؟
جواب: الشيخ أحمد الأسير يمثل كل الأصوات الحرة وكل حر وشريف بالبلد، ويرفض هيمنة السلاح على البلد، ويرفض وجود السلاح في يد الأحزاب والتيارات، ويرفض هيمنة السلاح على القرارات اللبنانية، ويريد أن يكون السلاح فقط في يد الدولة وفي يد الجيش اللبناني. تلك هي المطالب والمواقف التي كان يُعلنها الشيخ أحمد الأسير قبل سجنه.
هو رفض وجود حزب مسلح يقتل ويسفك دماء الشعب السوري. وبسبب هذه المواقف وغيرها، حصلت أحداث عبرا.
أما الجهات التي تخشى وجود الشيخ الأسير وحضوره على الساحة، فهي الجهات التي كانت تؤيد النظام الأمني السوري الإيراني المشترك في البلد، وتؤيد حلف التعاون بين السلاح والفساد، أحزاب الفساد والهيمنة، التي لا تريد أن تتغير التركيبة، وتريد أن تبقى الأمور على حالها.. وهم من يرفضون إطلاق سراح الشيخ الأسير.
7- بعيداً عن جدران الزنزانة وشروط المنظومة الحالية، هل تعتقد أن الشيخ أحمد الأسير -حال قدر له الخروج يوماً بعفو أو بانتهاء مدة قانونية- سيكون له أي دور أو حضور فاعل في معادلات السياسة اللبنانية المستقبلية، أم أن مرحلته أُغلقت نهائياً ومُنع من العودة إلى المشهد العام؟
جواب: أنا أبتعد عن الإجابة على هذا السؤال، وهذا نتركه مع الأيام وسنرى ماذا يقرر. ولكن الجو العام الإعلامي والسياسي بالبلد يظهر قوة تأثير الشيخ أحمد الأسير وهو في السجن، لاسيما في الأيام التي سبقت العفو العام،
الشيخ الأسير بتسجيل صوتي واحد دفع مجلس النواب لإنهاء موضوع قانون العفو، فما بالك بكثير من المواضيع. ونحن حالياً لا نتحرك إلا بملف العفو، فما بالك إذا صرنا نتحرك في ملفات أخرى؟
8- على وقع إقرار قانون العفو، ونشره، ثم مسارعة المجلس الدستوري إلى تجميد مفعوله إثر الطعن؛ هل ترون أن إقرار القانون بشكله المعيب كان "سيناريو مدروساً" مصمماً أصلاً ليُبنى عليه طعن يتعمّد تعطيله وإجهاض أي تسوية شاملة، وما هي مصلحة القوى السياسية من خلف هذا الفصل المتبادل بين البرلمان والمجلس الدستوري في ظل استمرار استبعاد الشيخ أحمد الأسير حصراً؟
جواب: "نحن نعتبر أن قانون العفو ظالم بالأساس. هو عفو لم يعف عن الإسلاميين، وهم ابتكروا صيغة تخفيض لأن العفو لا يشملهم. التخفيض في العادة هو لإنسان بقي في السجن سنين. تصوّر أنه يوجد في القانون بند لشخص بقي في السجن مدة اثنتي عشرة سنة دون محاكمة، فقالوا لنحل مشكلته بتخفيض عدد السنوات. ورغم ذلك رفضوا القانون وطعنوا من خلال العونيين الحاقدين العنصريين.
هنا أريد أن أقول إننا لا نعرف إذا دُسّ في القانون شيئٌ ليصح الطعن فيه. وهذا أمر سنتركه للمجلس الدستوري الذي سيقرر إذا كان سيمر القانون أو يلغيه أو ستُعدّل بعض البنود.
بالنسبة لطعن العونيين بالقانون فهو موضوع سياسي وشعبوي، لأن التيار الوطني الحر انتهى، ولم يعد لديه شيء يتحدث عنه بالبلد. كان تياراً جارفاً، ونال مقاعد كثيرة في المجلس، والآن سقط التيار، وأصبح حزب "القوات اللبنانية" في المقدمة بالمقابل.
9- ما هي رؤيتكم للحل الجذري والشامل لإنهاء هذه المأساة المستمرة منذ عقود، وما هو السيناريو الواقعي المتبقي لإغلاق ملف الموقوفين الإسلاميين وكل من يرزح في السجون اللبنانية بلا محاكمات عادلة؟
جواب: فليُطبق القانون، لأنه إذا طبقنا المادة 108، أو أي مادة أخرى في القانون اللبناني، فالإسلاميون كانوا ليخرجوا من عشر سنوات وليس الآن. لأنه طالما أنت أوقفت شخصا دون محاكمة ودون قضية فهذا يعني أن التوقيف سياسي، وأن الحكم ظالم وحاقد، ويجب أن يُخلى سبيلهم جميعاً وقبل اليوم بكثير، ويُقفل هذا الملف. والحل أني يصبح لدينا قضاء حقيقي وعادل بالبلد، أن يصبح لدينا نزاهة. لا يجوز بقاء أي سجين، لا قادر تقدّم له طعام ولا طبابة، ولا محاكمة، ولا أن تضعه في سجن طبيعي مثل دول العالم. السجون التي في لبنان لا تصلح حتى للحيوانات. يعني هذه الدولة ماذا تريد في نهاية الأمر؟
أخلوا سبيل هؤلاء الموقوفين، وإذا القضاء اللبناني غير قادر على القيام بدوره، نخصص القضاء، أو نستقدم قضاء من الخارج، إذا صحّ التعبير. هذا الموضوع يحتاج لحل عاجل لأنه من غير الممكن أن يستمر الوضع بهذه الحالة الكارثية، وأن يبقى البلد دون قضاء.
ما نريد قوله إن الموضوع غير متوقف فقط على الإسلاميين. البلد كله يعاني من القضاء وضعفه وقلة المحاكمات. القاضي يأتي مرة واحدة كل خمسة عشر يوماً، ويكون بانتظاره نحو عدة آلاف قضية. فتصور كيف سيعمل ويؤدي واجباته، وفوق ذلك المعاشات متدنية! يعني كيف يعيش هذا البلد فيما القانون والقضاء لا يطال إلا الضعفاء؟ لقد أصبحنا في مكان خطير.
ولذلك نرى أن الحل هو تطبيق عفو عام يشمل الجميع ويخرجوا من السجون، والعمل الجدي والسريع لحل أزمة القضاء، لأننا لا نريد أن نعود بعد عشر سنوات ونرى المشكلة نفسها تتكرر، والناس يتكدسون في السجون دون محاكم.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook