المجاعة في جبل لبنان: بين التفسير الطائفي والقراءة التاريخية

المجاعة في جبل لبنان: بين التفسير الطائفي والقراءة التاريخية

 

نبيل شحاده - شهدت مناطق واسعة من المشرق العربي، خلال الحرب العالمية الأولى، واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث، تمثّلت في المجاعة التي ضربت جبل لبنان ومحيطه بين عامي 1915 و1918. هذه المأساة ترسخت في الذاكرة اللبنانية كحدث مفصلي ترك آثاراً عميقة في المجتمع والديموغرافيا والوعي السياسي اللاحق، إضافة إلى أثر كبير في قراءة تاريخ لبنان.

غير أن استعادة هذه الكارثة لا تخلو، في بعض الخطابات، من ميل إلى تصويرها كأنها كانت سياسة مفتعلة ومخططاً منظماً استهدف مناطق جبل لبنان تحديداً، والمسيحيين فيه خصوصاً. وهذه قراءة تحتاج إلى مراجعة هادئة، لا لأنها تنفي حجم المأساة أو تقلّل من فظاعتها، بل لأنها تفصل بين الألم التاريخي المشروع وبين التفسير السياسي أو الطائفي.

وقبل الدخول في أسباب المجاعة، ينبغي القول إن القراءة السليمة للمجاعة تقول إن ما جرى لم يكن نتيجة سبب واحد، ولا قرار واحد، ولا سياسة أحادية موجّهة ضد جماعة بعينها، بل كان نتيجة تقاطع عوامل متعددة، تفاعلت معاً في زمن الحرب، ومنها، الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي والجراد وسوء الإدارة والاحتكار، وأنتجت كلها في النهاية كارثة واسعة النطاق، وليست إبادة موثقة بالمعنى المنهجي الدقيق. هذه العوامل لم تُصب المسيحيين وحدهم، بل امتدت آثارها إلى ولاية سورية وحلب وولاية بيروت الممتدة من اللاذقية الى شمال يافا، ومناطق أخرى من السلطنة العثمانية. كارثة أصابت المسلمين والمسيحيين، والمدن والقرى، والمدنيين والعسكريين.
 

أولاً: الحرب العالمية الأولى وتحول الغذاء إلى أداة ضغط

بدأت الأزمة في سياق الحرب العالمية الأولى، وهي حرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش، بل كانت حرب استنزاف شاملة طالت الاقتصاد والغذاء والنقل والتجارة. ومع دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية وبلغاريا، تحولت بلاد الشام إلى ساحة خلفية للجبهة العسكرية، وأصبحت الأولوية للإمداد العسكري ومتطلبات الحرب لا لحاجات السكان المدنيين.

في مثل هذا السياق، لم يعد الغذاء سلعة عادية، بل صار جزءاً من إدارة الحرب. فالجيوش تحتاج إلى القمح والدواب والسكك الحديدية والموانئ، والدولة العثمانية كانت تعاني أصلاً من ضعف إداري واقتصادي ومن ضغط عسكري على جبهات متعددة. لذلك انكشفت المناطق المدنية أمام النقص والغلاء، خصوصاً المناطق التي لم تكن مكتفية ذاتياً غذائياً، مثل جبل لبنان وبيروت، حيث كان الاقتصاد قائماً على التجارة والحرير والتحويلات والاعتماد على الأسواق الخارجية.

 

ثانياً: الحصار البحري للحلفاء وقطع طرق الإمداد

فرض الحلفاء، ولا سيما بريطانيا وفرنسا، حصاراً بحرياً على السواحل الشرقية للبحر المتوسط بهدف إضعاف الدولة العثمانية وخنق اقتصادها ومنع وصول الإمدادات إليها. وقد أصاب هذا الحصار موانئ بلاد الشام، بما فيها بيروت وطرابلس ويافا ومناطق الساحل، وأدى إلى قطع حركة الاستيراد والتجارة بشكل كبير.

كان جبل لبنان يعتمد على استيراد قسم كبير من حاجاته الغذائية، لأن اقتصاده الزراعي لم يكن موجهاً أساساً لإنتاج الحبوب، بل لصناعة الحرير وزراعة التوت المرتبطة بها. ومع إغلاق البحر، تراجع وصول القمح والمواد الأساسية، وتحوّل نقص الغذاء إلى أزمة بنيوية. ولذلك لا يمكن فهم المجاعة من دون وضعها في سياق الحصار البحري، الذي كان عاملاً مباشراً في عزل المنطقة عن مصادر التموين.

 

ثالثاً: القيود الداخلية وسياسات جمال باشا

إلى جانب الحصار الخارجي، اتخذت السلطات العثمانية، ولا سيما قيادة الجيش الرابع بقيادة جمال باشا، إجراءات أمنية وعسكرية أثّرت في حركة الغذاء بين الداخل والساحل والجبل. وقد ارتبطت هذه الإجراءات بمخاوف الحرب، وبالخشية من التواصل مع القوى الحليفة، خصوصاً في ظل وجود تيارات محلية كانت تراهن على فرنسا أو بريطانيا أو تنظر إليهما بوصفهما قوة خلاص من الحكم العثماني.

أغلقت بعض المعابر، وقيّدت حركة السلع، وجرى التعامل مع الغذاء بوصفه مادة استراتيجية تخضع للاعتبارات العسكرية. هذه السياسة لم تكن بالضرورة خطة إبادة، لكنها كانت شديدة القسوة وساهمت عملياً في خنق جبل لبنان ومحيطه. وهنا يكمن الفرق المهم بين القول بوجود "سياسة كارثية" أو "إهمال قاسٍ" وبين القول بوجود "خطة إبادة ممنهجة". فالأولى تثبتها الوقائع، أما الثانية فتحتاج إلى دليل مباشر على النية والتنظيم والاستهداف، وهو ما لا يجزم به عدد من الباحثين.

وقد رفض المؤرخ يوسف معوّض، في سياق نقاشات أكاديمية عن المجاعة في ندوة في جامعة القديس يوسف ببيروت في عام 2015 الحديث عن إبادة، مشيراً إلى أن توصيف ما جرى بالإبادة يحتاج إلى حذر شديد، لأن الدليل على وجود نية منهجية ومنظّمة لإبادة سكان جبل لبنان ليس مثبتاً بصورة قاطعة.

 

رابعاً: انهيار اقتصاد الحرير وفقدان مصادر الدخل

كان جبل لبنان عشية الحرب منطقة منفتحة اقتصادياً على أوروبا، وخصوصاً عبر صناعة الحرير التي كانت عصب الاقتصاد المحلي، إذ ارتبطت بها زراعة التوت، وتربية دود القز، والعمل النسائي، والتجارة مع الأسواق الأوروبية، ولا سيما فرنسا.

عندما اندلعت الحرب وأُغلقت طرق التجارة، انهارت هذه الدورة الاقتصادية دفعة واحدة. لم يعد الحرير يجد طريقه إلى الأسواق، ولم يعد السكان قادرين على تحويل إنتاجهم إلى دخل نقدي يشترون به القمح والطحين. وبذلك انتقلت الأزمة من مجرد نقص في الغذاء إلى انهيار في القدرة على شراء الغذاء، وهذه نقطة جوهرية تعبّر عن المجاعة، فهي لا تحدث فقط عندما ينعدم الطعام، بل عندما يعجز الناس عن الوصول إليه أو دفع ثمنه. وهذا ما حصل فعلياً. فبيروت، بوصفها مدينة تجارية وميناءً، تضررت من الحصار وتوقف التجارة، وتدفق إليها الوافدون والجائعون للنجاة، فعانت من ارتفاع الأسعار، ومن اضطراب علاقة المدينة بمحيطها الزراعي. أما الجبل فكانت مشكلته أكبر بسبب اعتماده على صناعة الحرير والمال والتحويلات والتجارة، وكان أقل قدرة على الاكتفاء من الحبوب.

 

خامساً: اجتياح الجراد سنة 1915

في عام 1915، جاءت كارثة الجراد لتضرب ما تبقى من قدرة زراعية محلية. فقد اجتاحت أسراب الجراد مناطق واسعة من بلاد الشام، وأتلفت المحاصيل والأشجار والنباتات، في وقت كانت فيه المنطقة أصلاً تحت ضغط الحرب والحصار ونقص الإمدادات.

أهمية موضوع الجراد لا تكمن فقط في أنه أتلف المحاصيل، بل لأنه جاء في لحظة كانت فيها الأسواق مضطربة، والمخزون الغذائي محدوداً، والقدرة على التعويض والانتاج شبه معدومة. لذلك تحوّل من كارثة طبيعية إلى عامل ضاعف تداعيات ونتائج المجاعة.

وهنا يكتسب قول المؤرخ يوسف الحكيم دلالته حين اعتبر أن "مجرد ظهور الجراد إبان الحرب كان نذيراً للبنانيين بخطر المجاعة". فالمجتمع كان يعرف أن خسارة المحصول في زمن السلم مشكلة، أما خسارته في زمن الحصار والحرب فهي طريق مفتوح إلى الجوع.

 

سادساً: الاحتكار وفساد السوق وجشع بعض التجار

لا تكتمل صورة المجاعة من دون النظر إلى سلوك السوق. ففي أوقات الأزمات، لا يؤدي نقص الغذاء وحده إلى المجاعة، بل يؤدي الاحتكار والمضاربة ورفع الأسعار إلى منع الفقراء من الحصول على ما تبقى من الغذاء.

وقد أشارت شهادات وتقارير معاصرة إلى دور بعض التجار والمحتكرين في مضاعفة معاناة الناس. في مثل هذه الظروف، يصبح الطعام موجوداً أحياناً، لكنه خارج قدرة الناس الشرائية. وهذا ما يجعل المجاعة ظاهرة اقتصادية واجتماعية، لا ظاهرة زراعية فقط.

ويُروى عن يوسف الحكيم قوله إن التجار "هبّوا" لمواجهة المجاعة ولكن بعقلية الاحتكار والربح، لا بعقلية الإنقاذ ومساعدة الناس، فيقول: "فهب لمواجهتها التجار، وشمّر عن ساعد الجد كل محتكر لا تقف أطماعه في الربح عند حد". كما تذكر بعض التقارير الألمانية في بيروت وقائع عن تجار رفعوا الأسعار بصورة كبيرة، حتى عندما كانت المواد مخصصة لإغاثة الجائعين. هذه الوقائع، إن أُخذت في سياقها، تكشف أن جزءاً من الكارثة كان نتيجة انهيار الأخلاق الاقتصادية في زمن الحرب.

 

سابعاً: ضعف المساعدات وخلل توزيعها

سهّلت الدولة العثمانية وصول مساعدات إلى جبل لبنان من المغتربين وجهات إغاثية، بعضها عبر جزيرة أرواد، كما تحركت شبكات لبنانية وسورية في المهجر للمساعدة، غير أن هذه المساعدات لم تكن كافية لمواجهة حجم الكارثة، وتوزيعها لم يكن دائماً منظماً أو عادلاً وشابه الكثير من الخلل والفوضى والفساد.

المجاعة كانت أوسع وأكبر من قدرة المبادرات المحلية والخارجية، والمشكلة لم تكن فقط  في قرية أو قضاء يمكن إنقاذه بقافلة المواد الغذائية، بل في بنية كاملة وعلى مساحة جغرافية واسعة، انهارت فيها التجارة والنقل والقدرة الشرائية والإدارة العامة. كما أن الطرق كانت مراقبة أو مقطوعة أو غير آمنة، والسلطات كانت تتدخل في حركة المواد وتقنينها، والأسعار كانت تحلّق بسرعة ويعجز الأهالي عن شرائها. لذلك لم تحقق المساعدات إلا جزءا يسيراً في تخفيف بعض المعاناة وفي أماكن محدودة، بينما بقيت مناطق واسعة خارج أي حساب ومعونة.

 

ثامناً: بيروت والجوار

من الأخطاء الشائعة حصر المجاعة في جبل لبنان وحده. صحيح أن جبل لبنان كان من أكثر المناطق تضرراً، ومثّل مركز المأساة وذاكرتها، لكن بيروت أيضاً عانت من الجوع وندرة الغذاء والغلاء، وعاشت أزمة اجتماعية واقتصادية خانقة، وتحولت إلى مساحة تجمع بين سكانها الأصليين والنازحين من الجبل بحثاً عن الخبز والعمل والإغاثة.

كذلك امتدت المجاعة إلى مناطق سورية أخرى. وفي دمشق، يصف الشيخ علي الطنطاوي مشهد الناس وهول الجوع بقوله: "كان الناس يقفون أرتالا يطلبون الخبز بالذهب، فلا يجدونه". وفي حلب، تشير تقديرات تاريخية إلى أن عدد الوفيات بسبب الجوع وصل إلى ثمانين ألف شخصا. كما تحدثت شهادات قنصلية عن معاناة طرابلس وضواحيها ومنها قول نائب القنصل الألماني "هوفمان" إن الألاف من سكان المدينة وضواحيها ماتوا جوعا.

. هذا الاتساع الجغرافي يضعف فرضية الاستهداف الحصري لجبل لبنان أو المسيحيين وحدهم، ويدعم قراءة المجاعة باعتبارها كارثة إقليمية كبرى، وإن اختلفت حدتها من منطقة إلى أخرى.

 

تاسعاً: إشكالية الأرقام والذاكرة السياسية

تتفاوت تقديرات الضحايا بين مصدر وآخر، ويُذكر كثيراً رقم مئتي ألف ضحية في جبل لبنان، بينما تذهب روايات أخرى إلى أرقام أعلى. غير أن التعامل العلمي مع هذه الأرقام يقتضي الحذر، لأن الإحصاء في زمن الحرب كان ضعيفاً، ولأن جزءاً من الأرقام دخل لاحقاً في خطاب سياسي مرتبط بدعم فكرة تأسيس لبنان الكبير، وبمحاولة إثبات حجم المعاناة لدى فئة محددة من اللبنانيين أمام القوى المنتصرة بعد الحرب.

هذا التقييم للأرقام، لا يعني التقليل من حجم الكارثة، بل يعني أن الباحث مطالبٌ بالتمييز بين الذاكرة والوثيقة، وبين الشهادة والخطاب السياسي، وبين الرقم بوصفه احتمالا وتقديراً، والرقم بوصفه حقيقة نهائية. فالمجاعة ثابتة، واتساعها ثابت أيضاً، وفظاعتها ثابتة ولكنها شملت الكثيرين وليس فئة واحدة فقط؛ أما تحويلها إلى رواية إبادة ممنهجة ضد جماعة واحدة، فهو أمر يحتاج إلى دليل أقوى مما تعمل الذاكرة الطائفية والخطاب السياسي اللاحق على الترويج له.

 

الخاتمة: بين حفظ الذاكرة ومنع توظيفها

إن المجاعة الكبرى في جبل لبنان وبلاد الشام كانت كارثة إنسانية هائلة، ولا يجوز بأي حال التقليل من فظاعتها أو من آلامها التي أصابت الكثيرين من مختلف المناطق والطوائف وماتوا جوعاً فيها. لكنها، في الوقت نفسه، لا يجب أن تكون ملفاً يُستخدم لرشق الآخرين والمسّ بارتباطاتهم التاريخية، ولا أن تكون أيضا أداة لمظلومية جديدة تنضم إلى سلسلة المظالم المشبوهة لمكوّنات الكيان اللبناني، ومسارات التهافت والتقاتل على الصلاحيات والمكاسب.

لقد تقاطعت الحرب العالمية الأولى، والحصار البحري، وسياسات الإدارة العثمانية، وانهيار اقتصاد الحرير، واجتياح الجراد، والاحتكار، وضعف الإغاثة، واضطراب النقل والأسواق، لتنتج مجاعة واسعة النطاق. وهذه القراءة لا تبرّئ أحداً من المسؤولية، لكنها تمنع اختزال المسؤولية في سردية واحدة غير مكتملة.

فالإنصاف التاريخي لا يكون بنفي المعاناة، ولا بتقديس رواية واحدة عنها، بل بفهم الكارثة في سياقها الكامل. والذاكرة حين تُقرأ بعلم وهدوء تصبح جسراً للفهم، أما حين تُستدعى انتقائياً فإنها تتحول إلى أداة جديدة للانقسام.