المنطقة في حلقة مفرغة بظل إدارة الفوضى وأوهام السلام

المنطقة في حلقة مفرغة بظل إدارة الفوضى وأوهام السلام

 

نبيل شحاده - أن تصل إلى مرحلة الغثيان الكامل من متابعة تطورات الأحداث في لبنان والمنطقة، فهذا أمر طبيعي ولا غبار عليه. فالقارئ للمشهد اليوم يدرك سريعاً أن ما يجري ليس تسلسلاً منطقياً أو عقلانياً لأزمات تشتد لتبلغ ذروتها ثم تنفرج نحو حلول جذرية، بل هو صراع في دائرة مغلقة بلا نهاية، وأزمات بمعظمها باتت تبدو وكأنها مصممة ومختلقة لتستمر، وتتغذى على صراعات وتوازنات إقليمية ومصالح ضيقة، لتهدر معها كل فرصة حقيقية لتحقيق الأمن، والاستقرار، والحياة الهانئة لسكان هذه البقعة الجغرافية البائسة.

وما نشهده اليوم من تحركات واتفاقات أو مساعٍ للتهدئة هنا وهناك، ليس في الواقع سوى "إدارة للفوضى" وتنفيس مؤقت وتكتيكي للاحتقان المفتعل، وبعيد عن مسار السلام الإقليمي الشامل.
 

في لبنان، لا صوت يعلو فوق الضجيج والفوضى المنظمة التي تسد أي أفق لمستقبل طال انتظاره. البلد يعيش حالة غير مسبوقة من التهالك، حيث تُستنسخ الأزمات وتتطور دون أدنى أفق للمعالجة.

وفي الجنوب، تتجلى أعقد صور الاستعصاء؛ فإسرائيل ترفض الانسحاب أو تقديم أي تنازلات أمنية، وتفرض شروطاً تدرك سلفاً استحالة تطبيقها في ظل دولة لبنانية ضعيفة وسلطة مشتتة الاتجاهات، وعلى رأسها مطلب نزع سلاح حزب الله. وهو سلاح يرفض الحزب مجرد النقاش حوله، نظراً لارتباطه الوثيق بعقائد غيبية وموروثات دينية تخرجه كلياً من دائرة التفاوض السياسي، وترتفع إلى مستوى غير قابل للمساومة، بل ليكون خارج إطار الوعي والإدراك البشري.

هذا التناقض الوجودي يخلق لعبة نتائجها محسومة ومقيّدة بعوامل لا تتغير، حيث يعتبر كل طرف أن أي تنازل هو تهديد لبقائه رغم علمه بعدم وجود خيارات أخرى. في ظل هذه المعادلة، تصبح أي ترتيبات ومناطق تجريبية مجرد تجميد مؤقت لإطلاق النار، وابتعاداً مقلقاً عن أي سلام مستدام.

 

وبالانتقال إلى المشهد الإيراني، نجد أن القوى في الداخل ليست على قلب رجل واحد، والتضارب في المواقف أصبح من الثوابت السياسية هناك. تنازلات وتسويات ثم تصريحات عالية السقف وتهديدات مخيفة، حتى يبدو وكأن الخيار المفضل لجميع هذه القوى هو إبقاء الحال على وضعه، والاستمرار في خنادق الجدل الأيديولوجي والمواقف الخشبية التي لن تعود على إيران وشعبها سوى بالمزيد من العزلة والأزمات.

 

                               

إيران عُرفت منذ انتصار ثورة الخميني في عام 1979، باتباع صارم للبراغماتية، التي تحولت مع مرور الوقت وشدة الالتزام بها إلى خيار استراتيجي للدولة دون أفق أو هدف واضح. والنتيجة بقاء المنطقة رهينة لسياسة "حافة الهاوية"، وتبقى التهدئة بالنسبة لهذه القوى مجرد التقاط للأنفاس وترتيب للأوراق، وليست تغييراً في جوهر المشروع أو تخلياً عن أدوات المواجهة.

 

في العراق، حيث تفاقم الفساد وخرج عن السيطرة، وتجذّر بعمق في كل جانب تقريباً من جوانب المجتمع والطبقة السياسية وأعاق تقدم البلاد وتنميتها منذ عقود، حتى أصبح المشهد أكثر تعقيداً وعصيّاً على محاولات الإصلاح. حتى الآن، لا يبدو أن مواجهة الفساد المستشري فعلية ونموذجية – ونأمل أن نكون مخطئين-. ما يحدث على أرض الواقع، وكما يلاحظ المراقبون، يترافق مع نشاطات إعلامية واستعراضات "فولكلورية" تدغدغ عقول عامة المواطنين، وتفتقر إلى العمق القانوني والقضائي الصارم.

هذه المحاولات، التي قد تنال شعبية واسعة وتأييداً من مواطنين أرهقهم القهر والفقر والذل اليومي، غالباً ما تُستخدم كأداة ضغط سياسي لا أكثر، ويعتقد بعض المراقبين أن الهدف الحقيقي والعميق لها قد لا يكون تفكيك منظومة الفساد، بل ربما إعادة التفاوض على توزيع الحصص والنسب بطريقة مختلفة بين أقطاب الطبقة السياسية الحاكمة نفسها والقوى المؤثرة. وطالما أن "نظام المحاصصة" هو الحاكم الفعلي لهيكل الدولة، فإن أي حديث عن إصلاح جذري يبقى مجرد تخدير موضعي لمرض مزمن، بينما المطلوب هو التحقيق في الأسباب الجذرية للفساد وإقرار إصلاحات فعّالة وتنفيذية وصارمة.

 

هذه الجولة السريعة تكشف أن التفاؤل المفرط للبعض بما يجري في المنطقة من حراك دبلوماسي وإجراءات توهم بالحزم، هو مجرد قراءة سطحية تتجاهل الجذور البنيوية لصراعات وأزمات المنطقة. المشكلة تكمن دائماً في طبيعة الأنظمة والمستويات السياسية والجهات الفاعلة التي تأكّد أن شرعية بقائها مُستمدّة من استمرار وتفاقم الأزمات لا من حلها. المنطقة - كما يبدو- لا تسير نحو سلام شامل، بل ما يجري هو إعادة تدوير لصراعاتها ومناطق نفوذها ضمن حلقة مفرغة وبلا أفق منظور.