حزب الله يدفع في لبنان ثمن حماية طهران وكرمانشاه
نستراك - تحت وطأة أزمة بنيوية عميقة ومواجهة مفتوحة ومستمرة مع الولايات المتحدة، تتخبط طهران في مسار معقد من الخروقات المتواصلة لمذكرات التفاهم والاتفاقيات التي لطالما سعت لضبط إيقاع الصراع، ما يضع النظام الإيراني أمام ضغوط اقتصادية وعسكرية خانقة. هذا الانسداد الاستراتيجي والتوتر المتصاعد مع واشنطن والمجتمع الدولي، يدفع القيادة الإيرانية بشكل محموم إلى تفعيل أوراق ضغطها الخارجية واستخدام الساحات البديلة كخطوط دفاع استباقية. فالاستراتيجية الإيرانية في ذروة أزماتها تعتمد أساساً على تصدير التوتر وإبعاد شبح المواجهة المباشرة عن حدودها الجغرافية، جاعلة من عواصم المنطقة مجرد متاريس متقدمة تُحرق في سبيل تعزيز الموقف التفاوضي الإيراني أو حماية الداخل من أي ارتدادات عسكرية.
في قلب هذه الاستراتيجية المأزومة، وفي لحظة مكاشفة أسقطت كل أدبيات الدبلوماسية والشعارات المعتادة، جاءت تصريحات عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، علي رضا سليمي، لتعيد تعريف المشهد اللبناني بوضوح فج. فبإعلانه الصريح أن قتال "حزب الله" في بيروت هو ما يمنع اضطرار طهران لمواجهة الجنود الإسرائيليين في شوارعها وفي كرمانشاه، جرّد المسؤول الإيراني الحزب من أي صفة وطنية لبنانية. هذا الاعتراف الرسمي يحسم الجدل البنيوي حول طبيعة الحزب، ليؤكد أنه لا يعدو كونه فرقة عسكرية متقدمة، تندمج عضوياً وعقائدياً في هيكلية الحرس الثوري الإيراني، وتأتمر بأوامره، وتعمل حصراً كدرع واقٍ للأمن القومي الإيراني، مختزلةً جغرافيا لبنان وشعبه في مصطلح "العمق الاستراتيجي" الذي يوظف لحماية المركز الإيراني.
إن هذا التموضع الوظيفي للحزب، والذي يرهن لبنان لصراع أميركي-إيراني لا أفق له، يُكبّد الدولة اللبنانية أثماناً وجودية تتجاوز مفهوم الخسائر السياسية العابرة. أولى هذه الكوارث تتجلى في المصادرة الكاملة للسيادة الوطنية واختطاف قرار السلم والحرب؛ إذ باتت الدولة بمؤسساتها الدستورية وجيشها مجرد شاهد عاجز على زج البلاد في أتون معارك تُقرر توقيتاتها وحجمها في غرف عمليات الحرس الثوري، خدمة لملفات التفاوض الإيرانية. هذا الارتهان لمحور خارجي مزّق شبكة علاقات لبنان العربية والدولية، وفرض عليه عزلة سياسية ودبلوماسية خانقة، شكلت المسمار الأخير في نعش اقتصاده المنهار، وحرمته من أي مظلة إنقاذ مالي أو استثماري.
ولعل المأساة الأكبر تتجسد في الكلفة الإنسانية والمجتمعية التي يتحملها الشعب اللبناني بجميع مكوناته، وفي طليعتهم بيئة الحزب التي تُستنزف كدروع بشرية ووقود دائم لحرب استنزاف تُخاض نيابة عن دولة أخرى. وتُترجم هذه الاستراتيجية على الأرض بدمار هائل في البنى التحتية والممتلكات، وموجات نزوح وتهجير قسري تمزق النسيج المجتمعي وتخلق أزمات إنسانية تضغط على دولة فاشلة اقتصادياً. وما يزيد المشهد خطورة، هو أن فرض هذه الأجندة الانتحارية بقوة السلاح يضرب في صميم صيغة التعايش المشترك، ويعمق الانقسامات الطائفية والوطنية، ليجد اللبنانيون أنفسهم يدفعون ضريبة الدم والدمار، لا دفاعاً عن وطنهم، بل لضمان ألا تصل النيران إلى حدود دولة تبعد عنهم آلاف الكيلومترات، في تجلٍّ واضح لكيفية تحول الأوطان إلى مجرد أوراق تفاوض محترقة في صراعات الكبار.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook