نهاية ميليشيات الفوضى وعودة الدولة ومنطق السيادة
نبيل أحمد شحاده - لم تُولد الميليشيات المسلّحة في الشرق الأوسط فجأة، ولا ظهرت كانحرافٍ عابرٍ عن مسار الدولة، بل نمت وتطورت في ظلِ مرحلةٍ مضطربة عصفت بها الأزمات والحروب والانقلابات، وشهدت تعقّد الصراع العربي الإسرائيلي وتداعياته، وغياب رؤية عربية موحّدة لإدارة هذا الصراع، أو تخصيص أدواته وحدود الاشتباك فيه.
ففي أواخر الستينيات وبدايات السبعينيات، شهدت دول مثل الأردن ولبنان تحوّلات أمنية عميقة مع تمدّد التنظيمات الفلسطينية المسلحة، ورافقها تأسيس أجنحة مسلحة لأحزاب قائمة وكيانات سياسية محلّية تجرأت على حمل السلاح، متماهية مع الخطاب الفلسطيني، ومستغلّة مشاعر الناس حول المقاومة والتحرير، ما أدى إلى فرضِ وقائعٍ ميدانيةٍ تجاوزت سلطة المؤسسات الشرعية وأدخلت هذه الدول في أزمات داخلية حادة. في الأردن، حسمت الدولة أمرها مبكرًا، وأغلقت البابَ أمام الفلتان الأمني والعسكري، وفرضت سلطة القانون واحتكار السلاح، ما أنهى هذه الظاهرة ومنع تحوّلها إلى واقع دائم يهدد كيان الدولة واستقرارها.
أمّا في لبنان، فقد سلكت المشكلة المسار المعاكس، إذ أدى انفلات السلاح وتعدد القوى المسلحة إلى انهيار السيادة مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وما تبعها من انقسام واسع في المجتمع، ونشوء "كانتونات" ومحميات ومناطق نفوذ، وتحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الداخلية والإقليمية، واستمر هذا الواقع بأشكال مختلفة حتى بعد انتهاء الحرب رسميًا.
في العراق، ظهرت الميليشيات في مرحلة مبكرة من خلال تنظيمات شيعية معارضة عملت خارج الحدود وتعاونت مع إيران، ثم شهدت البلاد، بعد سقوط نظام صدام حسين في عام 2003، انفجارًا واسعًا في عدد الميليشيات المسلحة، التي بلغ عددها العشرات، وغالبيتها ممولة من إيران ومدعومة بشكل مباشر من الحرس الثوري الإيراني، ما أضعف الدولة وأدخلها في حالة مزمنة من الازدواجية بين السلطة الرسمية والقوة المسلحة غير النظامية.
أمّا في سوريا، فقد عرفت ظاهرة الميليشيات في مراحل متفرقة، سواء عبر تشكيلات موالية للنظام أو معارضة له سراً، وبرز ذلك في ثمانينيات القرن الماضي، ولا سيما خلال أحداث حماة، ثم توسعت الظاهرة بصورة غير مسبوقة بعد اندلاع الثورة الشعبية عام 2011 ضد نظام بشار الأسد، فظهرت عشرات الميليشيات المؤيدة والمعارضة، وشاركت في القتال والعنف الدائر على امتداد الجغرافيا السورية، ما عمّق الانقسام وكرّس تفكك السيطرة المركزية للدولة.
وفي اليمن، ظاهرة الميليشيات أخذت مسارًا أكثر خطورة، حين أقدم الحوثيون، المدعومون مباشرة من إيران، على الانقلاب على الدولة، والسيطرةِ على مؤسساتها بقوة السلاح، وفرضوا سلطة أمر واقع في العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد. لم تكن هذه الحركة معزولة عن سياقها الإقليمي، بل شكّلت جزءًا من استراتيجية أوسع لمحاصرة المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، عبر استخدام اليمن كساحة ضغط وتهديد أمني مباشر، تجلّى في استهداف منشآت حيوية لشركة أرامكو في السعودية، وتنفيذ هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة طالت دولة الإمارات العربية المتحدة، ومحاولات استهداف مدينة مكة المكرمة، بما تحمله من رمزية دينية ومكانة خاصة لدى المسلمين. هذه الميليشيا أدخلت اليمن في حرب طويلة دمّرت بنيته واقتصاده وعطلت خطط التنمية فيه، ومزّقت نسيجه الاجتماعي، وفتحت الباب أمام مشاريع موازية، أبرزها الحراك الجنوبي الذي سعى إلى فرض أمر واقع تقسيمي في جنوب البلاد. غير أن تدخل التحالف العربي حال دون نجاح هذا المسار، ومنع انزلاق اليمن إلى تفكك نهائي، في محاولة لإعادة الاعتبار للدولة ومنع تكريس الميليشيات والكيانات المسلحة كبدائل دائمة عن السلطة الشرعية.
هذه النماذج، أخرجت حصرية السلاح تدريجيًا من يد السلطة المركزية، لتشاركها فيه جماعات منظّمة قدّمت نفسها في أحيان كثيرة كبديل عن الدولة، أو كوسيلة لتصحيح فشلها أو سدّ عجزها. ومع مرور الوقت، لم تكتفِ هذه الجماعات بفكرة ملء الفراغ، بل تجاوزت ضرورات الأدوات الظرفية، وسعت إلى حماية نفسها وتأمين وجودها من خلال إعادة رسم موازين القوة، وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، ولو أدت إلى سلسلة طويلة من العنف وعدم الاستقرار. وما جمع منطق الميليشيات المسلحة في سياقات مختلفة ودوافع متعددة وجغرافيات متباعدة، أنها استفادت من ضعف الدولة، وقوة السلاح، وقدّمت العقيدة والانتماء للحزب او التنظيم، والولاء للمموّل الخارجي في كثير من الأحيان على المصلحة الوطنية والأهداف المعلنة التي لا علاقة لها بالواقع والممارسة.
وإذا كانت الدول لا تتساهل أبداً في موضوع القوة، ولا تسمح بظهور ميليشيات مسلحة، فإن الحالة اللبنانية تبقى المثال الأوضح والأكثر فداحة على تحوّل الميليشيا إلى قوة تتجاوز الدولة، وتختطف قرارها السيادي. ففي لبنان، لم يقتصر الأمر على وجود سلاح خارج إطار المؤسسات الشرعية، بل وتحت شعارات تتبدل حسب الظروف والمعطيات الإقليمية، تطوّر تدريجيًا إلى احتكار فعلي لقراري الحرب والسلم، وفرض معادلات سياسية وأمنية تتجاهلُ منطق الدولة ولا تعطي بالاً لمؤسساتها الدستورية، وأكثر من ذلك، تعمل وبالقوة والترهيب على محاولة إخضاع الطوائف والتيارات السياسية ومحاصرتها. ومع ضعف الدولة وتآكل سلطتها الذي انعكس سلبياً على كل مفاصل البلد، بات السلاح غير الشرعي هو العامل الرئيسي في رسم الخيارات الكبرى، من الأمن إلى السياسة والعلاقات الخارجية، ومن الاستقرار الداخلي إلى الانخراط في صراعات إقليمية تتجاوز قدرة البلاد على تحمّل نتائجها. من هنا، شكّل لبنان نموذجًا صارخًا لكيفية تحوّل الميليشيا من ذريعة ظرفية بدعوى مقاومة العدو، إلى سلطة دائمة. ومن خطاب حماية وتوازن رعب إلى أداة فرض وإملاء على الداخل.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت التوجهات تختلف على المستويين العربي والدولي، فالميليشيات لم تعد أمراً واقعاً يُمكن القبول به، أو التغاضي عن مساوئها واضرارها على الاستقرار الإقليمي، وتصاعد أيضاً اعتبارها كعوامل مباشرة في إضعاف سيادة الدول وتهديد الأمن وتعطيل مسارات التقدم الاقتصادي. هذا التحول ظهرَ في المواقف العربية الرسمية التي دعت إلى حصر السلاح بيد الدولة، وفي توافق دولي أوسع على أن استمرار الكيانات المسلحة خارج الشرعية لم يعد أمراً مقبولاً. وفي هذا السياق، برز الدور الأميركي بشكل خاص، حيث اتجهت واشنطن، ولا سيما خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، إلى سياسة أكثر صرامة تقوم على عدة مسارات، وبمنفذين مختلفين ومنها: تجفيف مصادر تمويل الميليشيات، وفرض عقوبات على قياداتها، واستهداف بنيتها العسكرية عند الاقتضاء، لإعادة ضبط ميزان الردع ومنع انفلات الساحات الهشّة.
هذا التحوّل، هو حصيلة عقود طويلة أثبتت أن الميليشيات المسلحة لم تكن في أي مرحلة عامل حماية أو توازن، بل شكّلت غالباً مدخلًا لانهيار الدولة، وتعطيل مؤسساتها، واستنزاف اقتصادها، وتفكيك نسيجها الاجتماعي. من هنا، يبدو أن المرحلة الراهنة تتجه نحو معادلة حاسمة تقوم على مفهوم الدولة الواحدة، والسلطة الواحدة، والقانون الواحد. معادلة وأن أخذت وقتاً في تحقيقها بسبب ظروف مختلفة في كل بلد، إلّا أنها خطوة تاريخية ومفصلية لا تراجع عنها، وسيُكتب -ربما- لهذا الشرق أن يخرج من نفقه الأسود، ومعاناته الصعبة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook