حلف الناتو على مفترق تاريخي ويفقد روحه ووظيفته
نستراك - الجدل حول مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لم يعد نقاشًا نظريًا محصورًا في الدراسات أو مراكز الأبحاث، بل بات سؤالًا سياسيًا ضاغطاً تفرضه مجموعة من المواقف والتصريحات، إضافة إلى إجراءات غير مسبوقة صادرة عن الولايات المتحدة، وهي الدولة التي شكّلت، منذ تأسيس الحلف عموده الفقري وضامنه الأول.
ومع تصاعد التوتر بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين على خلفية ملف جزيرة غرينلاند التي يبدو أن الرئيس دونالد ترامب يصرُّ على ضمها للولايات المتحدة، وربط الأمن والالتزامات بتهديدات جمركية واقتصادية مباشرة، يبرز سؤالٌ جوهري: هل أصبح الناتو على أبواب أزمة وجودية؟ وهل ترى واشنطن اليوم أن الحلف تحوّل من أداة قوة، إلى عبء يقيّدُ حركتها، ويحدُّ من طموحها في فرض نظام عالمي أحادي القرار؟
قام الناتو، في جوهره، على معادلة بسيطة تقوم على حفظ الأمن الأوروبي تحت القيادة الأميركية؛ فالولايات المتحدة وفّرت المظلة العسكرية والنووية الشاملة، بينما التزم الأوروبيون بالاصطفاف السياسي والاستراتيجي في مواجهة الاتحاد السوفياتي والدول التي كانت ضمن منظومته الاشتراكية. لكن هذه المعادلة، التي صمدت عقودًا، بدأت تتعرّض للتآكل تدريجيًا بعد انتهاء الحرب الباردة، ثم تسارعت وتيرة تآكلها مع التحولات الكبرى في ميزان القوى العالمي وصعود منافسين جدد كالصين، والمحاولة الجادة من روسيا للعودة كلاعبٍ صداميٍ على الساحة الدولية.
في هذا السياق، طرأ أمر جديد على الفكر الأميركي الذي لم يعد يهتم كثيراً بموضوع حماية أوروبا، بل أصبح هاجسه الكبير يندرج تحت سؤال يقول: "ما الذي نجنيه مقابل هذا الالتزام؟".
هذا التحوّل الفكري في واشنطن هو ليس نزوة عابرة قد تنتهي وتزول مع رحيل ترامب، بل هو مفتاح فهم السلوك الأمريكي الحالي والمستقبلي، من خلال الضغط المالي على الأصدقاء والحلفاء، أو في التلويح بإعادة تعريف الالتزامات، أو حتى في ربط ملفات سيادية أوروبية، كغرينلاند، بأدوات ضغط اقتصادية مباشرة.
وقضية غرينلاند ليست تفصيلًا جغرافيًا أو شهوة سياسية نزقة. فالجزيرة تمثل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الأمن، والطاقة، والممرات البحرية الجديدة، وحيث التنافس الأمريكي والصيني والروسي في أشدّ حالاته. غير أن خطورة الملف لا تكمن فقط في قيمته المعقدة بين الجغرافيا والسياسة، بل في الطريقة يجري التعامل بها في هذا الموضوع الشائك؛ ضغط علني اميركي على الدانمرك، وهي دولة عضو في حلف الناتو، وتهديد بفرض رسوم جمركية أشبه بالعقوبات على حلفاء، ما لم ينسجموا ويتعاطفوا مع الرغبة الأمريكية.
هنا، اهتزّت الثقة المتبادلة، وهي في الأساس أحد أعمدة الحلف وسند قوته. فالحلف لا يقوم فقط على نصوص مواد حول الدفاع المشترك، بل على افتراض أن أعضاء الحلف لا يستخدمون قواتهم الاقتصادية والسياسية لإكراه بعضهم للحصول على تنازلات أو تسويات مرفوضة. هكذا حال، يعني أن الحلف أصبح عرضة لشلل وظيفي خطير، حتى لو استمر شكليًا.
هل يمكن أن ينهار الناتو؟
من الناحية القانونية والمؤسسية، الناتو ليس على وشك الانهيار الفوري. فالمعاهدة ما زالت قائمة، والهياكل العسكرية والسياسية تعمل. لكن الأخطر من الانهيار القانوني هو أن يحصل تفكك عملي، أو تفقد معنى وظيفة الردع الجماعي في إطار واحد للتعاون والتنسيق.
كما يمكن القول أن السيناريو الأخطر هو في نشوء الخلافات بين أعضاء الحلف وتحوّلها إلى أزمات دون وجود آليات قانونية وعملية واضحة لمعالجتها. حلف الناتو لم يُصمَّم في الأصل للتعامل مع نزاع يكون أحد أطرافه الولايات المتحدة نفسها. ولا توجد فيه آلية صريحة لطرد عضو، ولا لإجبار "القائد" على الالتزام بقواعد الحلف إذا قرر تجاوزها.
هل أصبح الناتو عبئًا على الولايات المتحدة، وتريد التخلص منه؟
هذا السؤال بات مطروحًا بجدية داخل دوائر القرار في واشنطن، وكذلك في عواصم غربية كبيرة. واشنطن تعتقد أنها تتحمل الأعباء العسكرية والمالية الكبيرة، بينما تستفيد دول أوروبية عديدة من المظلة الأمنية دون المساهمة في النفقات الدفاعية المناسبة. ومع تحوّل بؤرة الصراع الاستراتيجي نحو آسيا والمحيط الهادئ، تبدو أوروبا، في الحسابات الأمريكية الحالية، ساحة مستقرة نسبيًا، ولا تستحق القدر الكبير من الاستثمار.
ولأن الناتو يفرض قيودًا متعددة مثل الالتزام بالإجماع، ومراعاة مصالح ثلاثين دولة وأكثر، واحترام القوانين الدولية والتحالفات، فهذه كلها تحدّ من قدرة الولايات المتحدة على التحرك السريع والحاسم وفق منطق القيادة المطلقة التي تفضلها لا سيما في ظل إدارة دونالد ترامب. ومن هنا بدأت تظهر الجاذبية في نموذج أحادي القرار، بلا التزامات ثابتة، ولا خطوط حمراء إلا تلك التي ترسمها واشنطن نفسها.
هل نحن سائرون نحو نظام عالمي أحادي؟
ما نشهده من تطورات و "مناكفات" قد لا يكون خطة مكتملة المعالم لإسقاط النظام الدولي الحالي، لكنه بلا شك دلالة واضحة على تحوّل عميق في السلوك الأمريكي، حيث تميل واشنطن أكثر إلى أسلوب إدارة القضايا العالمية بواسطة القوة والضغط، والاستفادة الآنية من القواعد حين تخدم المصلحة، وتجاوزها وتجاهلها حين تعرقلها.
المراقبون يرون أن الاستمرار في هذا السلوك سيقود إلى عالم أقل استقرارًا، ويوسّع دائرة التحالفات والعداوات وفق حسابات متقلبة وغير واضحة، أو كما أسماه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: "عالم بلا قواعد".
الاتحاد الأوروبي بين التبعية والمواجهة
أوروبا، في هذا الإطار، تجد نفسها أمام مشكلة تاريخية ستقض مضاجعها. فهي من جهة لا تملك حتى الآن قدرة دفاعية مستقلة تغنيها عن الولايات المتحدة، ومن جهة أخرى تدرك أن استمرار الارتهان الأمني يجعلها عرضة للضغط السياسي والاقتصادي. لذلك، يقدّر بعض المراقبين أن يتسارع النقاش حول الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، داخل إطار الناتو أو خارجه، وهو نقاش قد يطول ولكنه سيعيد رسم الخريطة الأمنية للقارة العجوز لعقود قادمة.
الصين وروسيا: المستفيدون الصامتون
يبقى أن نؤكد أن أي تصدّع داخل حلف الناتو سيصبّ مباشرة في مصلحة الصين وروسيا. فبكين ترى في ضعف الجبهة الغربية فرصة لتخفيف الضغط عنها في ملفات التجارة والتكنولوجيا والبحر الجنوبي. أما موسكو، فهي قد تستفيد بشكل مباشر من أي تراجع في مصداقية أو ضعف الردع الأطلسي، خصوصًا على تخوم أوروبا الشرقية.
في نهاية الأمر، الناتو اليوم ليس ميتًا، لكنه مريض، ومرضه ليس ميؤوسا منه. وأزمته ليست تقنية أو مالية فقط، بل فلسفية: هل هو تحالف شراكة أم أداة أمريكية؟، وإذا اختارت الولايات المتحدة التحرّر من قيوده لصالح حرية حركة مطلقة، فإن الحلف قد يستمر اسمًا، لكنه سيفقد روحه ووظيفته. أما إذا أدركت واشنطن أن قوتها الحقيقية تكمن في قيادة تحالف متماسك لا في فرض إرادة منفردة، فقد يكون الناتو، رغم كل شيء، قابلًا للتجدد في عالم يتغير بسرعة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook