باكستان: وساطة عابرة أم سعي إلى دور ونفوذ؟

باكستان: وساطة عابرة أم سعي إلى دور ونفوذ؟

 

 

نبيل شحاده - لماذا تنجح باكستان في لعب دور الوسيط بين الولايات المتحدة وإيران، بينما رأينا تعثّر محاولات قوى إقليمية أكثر حضوراً وتأثيراً مثل مصر وتركيا؟ ما الذي يجعل من باكستان مقبولة لدى طرفين متخاصمين وعنيدين، في وقت يُنظر فيه إلى وسطاء آخرين بحذر وريبة؟ الإجابة ترتبط بوزن إسلام أباد وقدرتها على إدارة شبكة شديدة التعقيد من المصالح والتوازنات، وعلى التحرك أيضاً في مساحة ضيقة دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة بلا أفق، أو انحياز يُعطّل طموحاتها السياسية والاقتصادية.

 

تقدمت باكستان في لحظة حرجة من الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأدواتها في المنطقة من جهة اخرى، لتلعب دوراً كبيراً يتجاوز وزنها التقليدي، من خلال وساطة نشطة اعتمدت على مجموعة من العوامل والمعطيات ويأتي في مقدمتها موقعها الجغرافي وتركيبتها الاستراتيجية.  فهي تشترك مع إيران بحدود طويلة تمتد لنحو 900 كيلومتر، ما يجعل أي تصعيد عسكري متفلّت بين واشنطن وطهران تهديداً مباشراً لأمنها الداخلي، في ظل ما تعانيه من اضطرابات أمنية في مناطق حساسة مثل بلوشستان، فضلاً عن التوتر الأخير الذي حصل مع أفغانستان. من هنا، تُصبح الوساطة التي بدأتها باكستان خياراً وقائياً لحماية الداخل قبل أن تكون مبادرة سياسية خارجية.

وهذه الخطوة لم تكن لتُقدم عليها إسلام آباد لولا توفّر غطاء إقليمي ودولي نسبي، ابتداءً من قدر من الثقة لدى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بسبب الدور المحوري الذي يلعبه الجيش الباكستاني في صياغة السياسة الخارجية للبلاد، ثم التواصل والتفاهمات الأخيرة مع المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر، ما منحها نوعاً من الشرعية السياسية، قبل أن يتعزز هذا المسار بدعم إضافي من الصين، التي ترى دائماً أن استقرار المنطقة ضرورة لحماية مصالحها الاستراتيجية. هذا الدعم الواسع استفادت منه باكستان لبناء مظلة تتيح لها التحرك بقوة في وساطة ناجحة مبدئياً، دون أن تبدو منفردة أو معزولة.

والهاجس الاقتصادي لا يبتعد عن هذا المسار الذي تقوم به باكستان التي تدرك أن أي اضطراب في منطقة الخليج العربي سيصيبها مباشرة، وهي التي تعتمد على تحويلات ملايين العمال في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، كما تعتمد على استيراد مواد الطاقة من المنطقة. ولذلك فإن استمرار الحرب سيؤدي حتماً إلى تراجع التحويلات، وارتفاع كلفة الطاقة، وإرباك في الاستقرار المالي.

ويتعزز هذا البعد في مستوى آخر، مع وجود أحد أهم رهانات باكستان المستقبلية، وهو مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي يربط إقليم شينجيانغ الصيني غرباً بميناء جوادر المطلّ على بحر العرب، ويشكل منفذاً بحرياً رئيسياً لأفغانستان ودول آسيا الوسطى غير الساحلية. هذا المشروع يقوم على استقرار طرق التجارة والطاقة، وأي توتر سياسي أو أمني سيقوّض جدواه، ويعطّل تحوّل باكستان إلى مركز نقل وتواصل إقليمي. ومن خلال هذا المشروع، تجتمع مصلحة باكستان مع مصلحة الصين في السعي بسرعة لوقف إطلاق النار، وتجنّب المزيد من التصعيد والدمار.

غير أن أحد أكثر العوامل عمقاً في تفسير الدور الباكستاني هو المنافسة الاستراتيجية مع الهند. فبينما تسعى نيودلهي إلى تثبيت نفسها كقوة عالمية صاعدة ، إذ أصبحت من أكبر اقتصادات العالم بناتج محلي إجمالي يقدر بحوالي 4.3 تريليون دولار، ونمو متسارع يصل إلى 7.4%، تجد باكستان نفسها بحاجة إلى جهود مضاعفة لإثبات حضورها عبر أدوات مختلفة. هنا تتحول الوساطة إلى وسيلة لإنتاج النفوذ السياسي، وإلى محاولة لموازنة الصعود الهندي عبر دور دبلوماسي يثبت أن إسلام آباد قادرة على التأثير في ملفات دولية معقّدة.

كما لا يمكن إغفال البعد المرتبط بالعالم الإسلامي، حيث تريد باكستان أن ترسّخ موقعها كدولة قادرة على لعب أدوار توفيقية، مستفيدة من علاقاتها مع أطراف متعددة، ومن قدرتها على التحرك الدقيق دون إثارة حساسيات حادة أو الانزلاق إلى مواقف منحازة.

 

انطلاقاً من هذه المعطيات، يبرز السؤال الحاسم: هل ستنجح هذه الوساطة؟
الإجابة الأقرب هي إنجاز جزئي حتى الآن. فقد نجحت باكستان في تأدية دور قناة اتصال فعالة، وإعطاء الديبلوماسية مساحة لا يُستهان بها، حيث نقلت الرسائل وقدمت الطروحات وخففت التصعيد، وحصلت على موافقة الطرفين الأميركي والإيراني على بدء التفاوض في إسلام أباد، وربما يظهر في الأيام القليلة القادمة نتيجة الاختبار الحقيقي لوساطة إسلام أباد وقدرتها على تحويل ذلك إلى "خارطة طريق" تقبل بها جميع الأطراف. كما إنها نجحت -مبدئياً- بالدفع بطريقة ما عبر الأميركيين الى موافقة إسرائيلية على بدء التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل. أما فرص النجاح الكاملة والنهائية فتبقى محدودة ولا يُمكن التكهن بها الآن نظراً لعمق الخلافات وطول أمدها، وتشابكها مع ملفات إقليمية ودولية أكبر.

خلاصة القول إن الوساطة الباكستانية ليست خطوة أحادية الهدف، بل هي عملية ذكية تستهدف عدة أبعاد، ومنها حماية الأمن، وصون الاقتصاد، وتأمين المشاريع الاستراتيجية، وإدارة التوازنات الدولية، ومنافسة الخصوم الإقليميين. وفي هذا الإطار، فإن نجاح باكستان لا يُقاس فقط بالنتائج النهائية لوساطتها، بل بقدرتها على تثبيت نفسها كلاعب مؤثر في معادلة إقليمية شديدة التعقيد.