الضرائب تُسقط الأقنعة: أعباء تتزايد ووعود تتلاشى

الضرائب تُسقط الأقنعة: أعباء تتزايد ووعود تتلاشى

 

نبيل شحاده- شكّلت قرارات الحكومة بزيادة ثلاثمئة ألف ليرة لبنانية (3.35 دولار أميركي) على البنزين ورفع ضريبة القيمة المضافة 1% لتصبح 12%، لحظة صادمة أعادت فتح جراح اللبنانيين التي لم تندمل أصلاً، وأيقظتهم مجدداً على واقع يبدو أنه يأبى أن يتغير، وهم الذين تحمّسوا كثيراً في بداية عهد الرئيس جوزاف عون، ورأوا فيه مرحلةً جديدة تشقّ طريقاً للإنقاذ، وتأتي بخطة واضحة تتصدى للأزمات والتحديات الداخلية والخارجية بأنواعها.

وقد جاءت قرارات الحكومة لتمويل الرواتب الإضافية لموظفي القطاع العام، لتقدم دليلاً إضافياً على عجز السلطة عن ابتكار حلول جذرية وحلول إصلاحية حقيقية. وبدل أن يشعر المواطن بأن الدولة تعمل من أجل تخفيف الأعباء، وجد نفسه أمام سياسات سهلة لا تجد حرجاً في أن تمدّ اليد إلى جيبه، وتزيد كلفة حياته اليومية وتضغط على قدرته الشرائية في وقت ما تزال فيه الرواتب متآكلة والخدمات الأساسية متدهورة.

من هنا ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي ما يُشبه موجة شعبية عفوية لمراجعة شاملة لحصيلة أكثر من عام على العهد الرئاسي الحالي وحكومته.  مراجعة أعادت طرح السؤال الجوهري حول ما تحقق فعليًا من الوعود التي رُفعت عند بداية العهد الذي لم يعد يصحّ اليوم وصفه بالجديد. المشهد العام كشف أن الأزمة المالية لا تزال على حالها من حيث غياب خطة متكاملة لاستعادة أموال المودعين أو إعادة هيكلة القطاع المصرفي بصورة شفافة وعادلة، وفي ظل تجميد شبه كلّي للإصلاحات الاقتصادية الشاملة التي طلبها صندوق النقد الدولي كمقدمة لحصول لبنان على دعم بقيمة ثلاث مليارات دولار. كما إن الاقتصاد بشكل عام، لم يدخل مسار التعافي الفعلي، بل ما زال يدور في حلقة الجمود والتضخم وارتفاع الأسعار.

 

وبالتوازي مع التعثر المالي، بقيت الخدمات الأساسية العنوان الأبرز للفشل الحكومي، إذ لم يلمس اللبناني تحسنًا يُعتدّ به في ملف الكهرباء الذي ما زال يعتمد فيه على المولدات الخاصة بكلفة مرتفعة، وأصبح يدفع فواتير "فلكية" لشركة كهرباء لا تزوده بالخدمة المطلوبة. وكذلك في ملف المياه حيث تستمر الانقطاعات، شتاءً كما في الصيف، ليصبح الاعتماد على الصهاريج الخاصة هو الحل الأمثل لسد النقص وهدر الأموال، وهذا مؤشر واضح على غياب أية خطط أو مشاريع إصلاحية طويلة الأمد.

أما على المستوى السيادي والأمني فلم يتحقق أي تحول نوعي في مسألة السلاح الخارج عن سلطة الدولة، باستثناء تصريحات عن تنفيذ وانتهاء مرحلة جنوب الليطاني "من دون عوائق داخلية" كما قالت مصادر مراقبة، تبعها تسلّم مجلس الوزراء تقريراً من قيادة الجيش عرضت فيه تنفيذِ خطة حصرِ السلاح في شمال الليطاني وربطها بمجموعة عوامل مثل التعقيدات السياسية والتداخل الديموغرافي، والمساحة الجغرافية، في وقت يأمل لبنان أن يؤمّن مزيداً من الإمكانات اللوجستية للجيش التي تساعده على تنفيذ مهامه، من خلال مؤتمر باريس في 5 اذار/ مارس المقبل، وستشارك فيه نحو 52 دولة ومنظمة دولية.

كما إن مسألة سحب سلاح المخيمات الفلسطينية لم تكن جدية بل تواجه صعوبات وتحديات شائكة، في ظل الحديث عن سلاحين، أحدهما يخضع لمنظمة التحرير وهو قابل للتسليم، أما الآخر فهو سلاح حركة حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما، وهو سلاح يرتبط بأجندة إقليمية ويرتبط ربما بقرار إيراني، وبالتالي " فإن التعامل معه هو مسؤولية الحكومة اللبنانية"، كما قال أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وفي المقلب الآخر، ما زالت الإشكالات الأمنية تحصل من وقت لآخر، ورُصدت مؤخراً داخل المخيّمات تحركات واسعة لمقاتلين من فصائل فلسطينية وبسلاحهم الخفيف والمتوسط.

أما في ملفات الفساد فيسهل القول إنه "لا جديد تحت الشمس"، وبقيت ملفات كبرى متوقفة أو متعثرة دون محاسبة حقيقية للمسؤولين عن كوارث مالية وإدارية. كما بقيت قضية انفجار مرفأ بيروت مثالًا صارخًا على تعثر العدالة وعدم قدرتها على الوصول إلى نتائج تثلج قلوب المصابين من هذه الكارثة، الأمر الذي عزّز لدى الرأي العام شعورًا بأن سياسة الإفلات من العقاب ما زالت أقوى من الدولة نفسها ومؤسسات الرقابة والقضاء.

وعلى مستوى العلاقات الخارجية، لم تُثمر الجهود الدبلوماسية حتى الآن عن مساعدات فورية وكبيرة تساهم في تخفيف الأزمات المالية والاقتصادية، ولم يجر ترجمة الاجتماعات والاتصالات إلى تفاهمات استراتيجية تدعم لبنان في معركته للتعافي، لا سيما وأن دولا غنيّة كانت واضحة في أن لبنان لن يحصل على أي أموال طالما أنه لم يحقق الإصلاحات الإدارية المطلوبة، وكذلك لم يسحب السلاح غير الشرعي ويثبّت هيبة وسيادة الدولة. ونتيجة لذلك بقيت العلاقات مع بعض الدول العربية متوترة أو في وضع غير مستقر، ما حدّ من تدفّق الدعم الخارجي الذي كان يمكن أن يكون عاملًا مهمًا في إعادة تنشيط الاقتصاد وتوازنه.

وهكذا تراكمت عناصر الإحباط الشعبي لتكوّن صورة عامة مفادها أن هذا العهد الذي بدأ على وقع وعود الإصلاح والاستقرار والمحاسبة لم ينجح حتى الآن في إحداث خرق ملموس في الملفات الأساسية، وأن القرارات الضريبية الأخيرة أعادت إلى الواجهة حصيلة عام كامل من التعثر، وتُرسّخ قناعة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن ما تحقق أقل بكثير من الحد الأدنى الذي كانوا يأملونه، وأن مسار الإصلاح والتعافي لا يزال مؤجلاً في انتظار إرادة سياسية أكثر حسمًا وقدرة على تحويل التعهدات إلى وقائع.