من يافطات بيروت إلى دروس التاريخ: متى نهزم "عقم الشعارات"؟

من يافطات بيروت إلى دروس التاريخ: متى نهزم "عقم الشعارات"؟

 

نبيل شحاده - انتشرت مؤخراً في بعض شوارع العاصمة اللبنانية بيروت يافطات تابعة لتنظيم ناصري، تستحضر من أرشيف التاريخ شعار قمة الخرطوم الشهير: "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف"، في إحياء لاءاتٍ أُطلقت في أواخر ستينيات القرن الماضي كاستجابة نفسية وسياسية للهزيمة النكراء في عام 1967، وكتحرك ظرفي ومؤقت لامتصاص صدمة الهزيمة ولملمة الكبرياء القومي. هذا المشهد، وبعيداً عن ضحالته وعقمه الفكري، يطرح تساؤلاً سياسياً جوهرياً: هل تُبنى الدول وتُستعاد الحقوق وتتقدم المجتمعات باجترار الشعارات العاطفية، أم بالعمل الجدي ولو رافقه بعض البراغماتية، وبناء القوة الحقيقية؟

إن القراءة المتأنية للتاريخ الحديث تُثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن التمسك الحرفي بالشعارات الرنانة دون امتلاك مشروع نهضوي حقيقي، يحول هذه الشعارات إلى "مخدر سياسي" يُعفي الأنظمة والأحزاب من مسؤولية البناء. ولفهم هذا العقم الاستراتيجي، لا بد من الخروج من دائرة التنظير والالتفات إلى أمثلة حية لدول وشعوب واجهت هزائم مريرة وساحقة، لكنها اختارت طريق "الممكنات" بدلاً من "اللاءات".

 

اليابان مثّلت النموذج الأسطوري في قلبِ الهزيمة إلى انتصار. في عام 1945، تعرضت اليابان لضربتين نوويتين في هيروشيما وناغازاكي، ووقّعت وثيقة الاستسلام غير المشروط على متن بارجة أميركية. هناك وفي لحظة تاريخية، تخلى الإمبراطور عن صفته "الإلهية" في مرسوم سُمي "إعلان الإنسانية"، مفضلاً بقاء الأمة ونهضتها على التمسك بالموروثات والشعارات السابقة.  لم تخرج اليابان لترفع شعارات "لا صلح ولا تفاوض"، بل ابتلعت كبرياءها الجريح، واعترفت بالواقع، وتراجعت إلى الداخل لتخطط وتعمل وتبني مشروعها الريادي.

انتصرت اليابان على استسلامها العسكري بنهضة صناعية وعلمية واسعة، وغزت العالم بسياراتها وتكنولوجيتها وأنظمتها المؤسساتية، وفرضت احترامها وريادتها العالمية، لا عبر البيانات الحماسية، ولا الشعارات الفارغة، بل عبر شركات كبرى ومراكز أبحاث جعلت العالم بأسره يحتاج إليها.

 

الحال ذاته ينطبق على ألمانيا، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة بالكامل ومقسّمة بين شرقية وغربية. لم تلعن ألمانيا التحالف الدولي الذي أسقطها، ولم ترفع يافطات الرفض والمواجهة المدمرة، بل انخرطت في بناء "التفوق الألماني" بصمت ودأب، لتتحول من ركام حرب إلى قاطرة اقتصادية لأوروبا، وواحدة من أكبر اقتصادات العالم اليوم. لقد أدرك الألمان واليابانيون أن السيادة الحقيقية ليست بالضرورة أن تتحقق بالقوة العسكرية، بل قد تبدأ وتتحقق من المصنع والجامعة والمختبر.

 

وبالعودة إلى بيروت حيث تعليق اليافطات مستمر لأحزاب متعددة تحمل شعارات بالية من القرن الماضي، يمثّل لبنان دليلاً صارخاً على فداحة الانفصال بين الشعار والتطبيق، والكلام والفعل. على مدى عقود، رفعت الأحزاب اللبنانية، بيمينها ويسارها، وألوانها الطائفية والسياسية أضخم الشعارات الإقليمية والداخلية: من الوحدة الإقليمية إلى المقاومة، إلى السيادة، مروراً بالإصلاح والحقوق وبناء الدولة الحديثة.

ولكن ما هي النتيجة الواقعية؟ لقد استخدمت هذه القوى السياسية شعاراتها كجواز مرور لدخول "جنة السلطة" وشاركت في الحكومات والمجالس النيابية مراراً وتكراراً، إلا أنها فشلت في تحقيق أي بند فعلي من مشاريعها. وفي ظل هذه الأحزاب والشعارات الكبرى، انتشر الفساد وعمّت المحسوبيات، وانهار الاقتصاد، وتآكلت مؤسسات الدولة، وعجزت السلطة عن تأمين أبسط مقومات العيش مثل المياه والكهرباء أو حتى إدارة النفايات.

هذا التناقض الفاضح في الصورة اللبنانية، يثبت أن الشعار، عندما لا يقترن بخطة تنفيذية ومؤسسات فاعلة وإرادة نزيهة للإنجاز، يصبح مجرد أداة للتعبئة الشعبية المجانية، ووسيلة لتخدير الجماهير وتبرير الفشل الداخلي.

إن استعادة الريادة وتحرير الأرض والإرادة وبناء الدول لا تتحقق بالهروب إلى الأمام عبر شعارات كُتبت قبل أكثر من نصف قرن، بل بعيش الواقع ومواجهة تحدياته بأدوات العصر.

 

في عالم اليوم، الوطنية الصادقة تُترجم إلى بناء اقتصاد إنتاجي مزدهر، ونظام تعليمي يخرّج المبدعين، وبنية تحتية قوية تخدم التطور والمستقبل. أما التفاوض والاعتراف والمناورات السياسية، فهي مجرد أدوات تكتيكية تستخدمها الدول القوية متى شاءت وحسب الظروف لخدمة مصالحها الاستراتيجية العليا، في حين أن البقاء أسرى ليافطات لم تنتج سوى المزيد من التراجع، فهو الاستسلام الحقيقي الذي يجب أن نرفضه جميعاً، اليوم.