روما تختبر “اتفاق الإطار”: جولة سادسة حاسمة بين لبنان وإسرائيل قبل زيارة عون لواشنطن

روما تختبر “اتفاق الإطار”: جولة سادسة حاسمة بين لبنان وإسرائيل قبل زيارة عون لواشنطن

 

زياد سامي عيتاني - تستضيف العاصمة الإيطالية روما،  الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، في محطة تُعدّ الأولى من نوعها لاختبار قابلية "اتفاق الإطار" الذي وُقّع في واشنطن أواخر حزيران الماضي للتطبيق الفعلي على الأرض، بعد خمس جولات سابقة من المفاوضات غير المباشرة التي جرت في العاصمة الأميركية منذ منتصف أبريل الماضي.

 

ثلاثية لا ثنائية

يقود الوفد اللبناني في هذه الجولة سفيرة لبنان في واشنطن ندى معوض والسفير سيمون كرم، في مواجهة سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، تحت رعاية أميركية مباشرة يمثلها رئيس لجنة التنسيق العسكرية الأميركية الجنرال جوزيف كليرفيلد إلى جانب قيادة القوات المركزية "سنتكوم". وقد حرص لبنان على الحصول على ضمانات بأن تكون المفاوضات ثلاثية وليست ثنائية، إذ وافق على المشاركة بعد حصوله على ضمانات أميركية بحضور واشنطن ورعايتها المباشرة للمباحثات. وبحسب مصادر إعلامية، سيترأس الوفد الإسرائيلي السفير لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، فيما سترأس الوفد اللبناني السفيرة لدى واشنطن ندى معوض، على أن تبدأ الجلسات صباحًا بالتوقيت المحلي.

 

العقدة المركزية: "المنطقتان التجريبيتان"

يشكل بند الانسحاب الإسرائيلي من "المنطقتين التجريبيتين" في جنوب لبنان العقدة الأساسية على طاولة البحث، إذ سبق الاتفاق على هذه الخطوة كآلية أولى لبسط سيادة الدولة. وقد اشترط لبنان، بحسب مصدر دبلوماسي لبناني، انسحاب إسرائيل من هاتين المنطقتين للمشاركة أصلًا في جولة التفاوض، وهو شرط لم يُحسم بعد رسميًا.

غير أن المؤشرات الميدانية لا تبعث على التفاؤل الكامل، إذ نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية عن مسؤولين أمنيين قولهم إنه لا توجد أوامر بعد لانسحاب القوات من مناطق تواجدها في لبنان، وأن تسليم المنطقتين التجريبيتين سيستغرق أسابيع حتى يصبح الجيش اللبناني جاهزًا، مشيرين إلى تقييم إسرائيلي بأن الجيش اللبناني غير قادر على تفكيك حزب الله. وشدد المسؤول ذاته على أن إسرائيل ستبقى في شريط أمني، وستدفع حزب الله بعيدًا عن البلدات الشمالية، وستنفذ عملية تطهير شاملة.

في المقابل، تشير مصادر رسمية لبنانية إلى تفاؤل حذر، إذ وجّهت الرئاسة اللبنانية الوفد المشارك إلى المطالبة بالبدء الفوري بانسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقتين، فيما تعوّل بيروت على أن اهتمام واشنطن الكبير بلبنان يمنحها القدرة على الضغط على إسرائيل لإزالة العقبات.

 

مضمون "اتفاق الإطار" وموقف حزب الله

يذكر أن الاتفاق الإطاري يتضمن بنودًا حساسة، أبرزها البدء في إجراءات نزع سلاح حزب الله وضمان انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية من الأراضي التي توغلت فيها في جنوب لبنان، على أن تنتشر وحدات الجيش اللبناني في المنطقتين التجريبيتين كخطوة أولى نحو بسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني. بيد أن هذا الاتفاق يواجه معارضة شديدة من حزب الله الذي يرفض بنوده جملة وتفصيلاً، خصوصًا ما يتعلق بسلاحه، فيما يرفض الحزب تسليم سلاحه أو التفاوض المباشر مع إسرائيل، ويعوّل على دعم حليفته إيران لوقف الحرب مع إسرائيل.

وفي جانبها، تؤكد أوساط إسرائيلية أن قواتها لن تنسحب من المنطقة الأمنية التي يصل عمقها إلى عشرة كيلومترات داخل الحدود اللبنانية إلا بعد نزع سلاح حزب الله، وهو ما يشكك محللون في قدرة الدولة اللبنانية على تحقيقه في المدى المنظور.

 

طابع تنفيذي وليس تفاوضيًا من الصفر

على عكس الجولات السابقة التي انعقدت في واشنطن على شكل مفاوضات غير مباشرة، توصف جولة روما بأنها ذات طابع تنظيمي وتنفيذي أكثر منه تفاوضيًا، إذ أوضح السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أن اجتماعات روما ذات طابع تنظيمي وتنفيذي لما ورد في صيغة الإطار، لا سيما لجهة تشكيل فرق عمل متخصصة تتولى تنفيذ ما اتُفق عليه في واشنطن من ترتيبات قد تحتاج إلى اختصاصيين قانونيين أو تقنيين. وينقل مصدر وزاري لبناني عن السفير عيسى توقعه حصول مفاجأة في نهاية الجولة بتحديد موعد أولي لبدء انتشار الجيش اللبناني في المنطقتين التجريبيتين، إضافة إلى ضغط أميركي متوقع للإسراع بتشكيل لجان لبنانية – إسرائيلية – أميركية لمواكبة الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وتثبيت الحدود الدولية استنادًا إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949.

وميدانيًا، يفيد مصدر عسكري لبناني بأن وفدًا من قيادة الجيش اللبناني يعقد اجتماعات متواصلة مع وفد عسكري أميركي لبحث آلية انتشار الجيش في المناطق التي سينسحب منها الجانب الإسرائيلي، مؤكدًا جهوزية الجيش اللبناني للانتشار فور أي انسحاب إسرائيلي، رغم أن تحديد المناطق التجريبية نفسها لم يُحسم بعد.

 

خلفية سياسية وضغوط متقاطعة

يأتي مسار روما في سياق سياسي داخلي لبناني منقسم، إذ يندفع الرئيسان جوزيف عون ونواف سلام نحو تثبيت الاتفاق تمهيدًا لزيارة عون المرتقبة إلى واشنطن، في مقابل معارضة علنية حادة تعتبر اتفاق الإطار باطلاً. وقد دافع الرئيس عون عن خياره بالتفاوض المباشر، مؤكدًا أن الانتقادات الموجهة لخيار التفاوض المباشر مع إسرائيل لا تستحق الرد، لأن لبنان دخل مفاوضات مباشرة مع إسرائيل أكثر من مرة منذ عام 1949، مشددًا على تمسكه بالسيادة اللبنانية في كل خطوة.

وتشكل جولة روما أيضًا تمهيدًا لمحطة دبلوماسية أكبر، هي اللقاء المرتقب بين الرئيسين عون وترامب في 21 الجاري في واشنطن، وسط توقعات لبنانية بأن يميل الجانب الأميركي إلى دعم مطالب إدخال تعديلات على اتفاق الإطار بالتوازي مع البدء بتطبيقه، بما يعزز موقف الدولة اللبنانية في مواجهة "الثنائي الشيعي".

من جانبها، دفعت أطراف دولية أخرى باتجاه دعم المسار، إذ حض وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، خلال زيارة إلى إسرائيل، السلطات اللبنانية على إظهار العزم في التصدي لنفوذ حزب الله العسكري وبسط سلطتها الكاملة لضمان عدم تعرض إسرائيل لأي مخاطر أمنية من الأراضي اللبنانية، واصفًا المفاوضات بأنها "خطوة تاريخية" جرى التقليل من شأنها في البداية، مع تأكيد دعم برلين والاتحاد الأوروبي لهذا المسار.

 

ماذا بعد؟

تشير تقديرات أمنية إسرائيلية، بحسب موقع "واللا"، إلى أنه رغم استمرار الخلافات بين الطرفين، فإن تنفيذ مذكرة التفاهم بين لبنان وإسرائيل قد يبدأ خلال نحو ثلاثة أسابيع، على أن يُعقد اجتماع لاحق في 17 تموز الجاري لحسم المسائل التكتيكية المتعلقة بالتنفيذ الميداني، تمهيدًا لبلوغ المفاوضات ذروتها مع زيارة الرئيس عون إلى واشنطن.

وبين هذه الضغوط المتقاطعة والشروط الميدانية المعقدة، تمثل ساعات جولة روما اختبارًا مفصليًا: فإما أن تفضي إلى خريطة طريق تنفيذية مستدامة لملف الجنوب اللبناني، أو تتحول إلى جولة جديدة من التعثر الفني الذي يعيد الملف إلى نقطة الصفر، في وقت لا يزال فيه التوتر الميداني على الحدود قائمًا وسط اتهامات متبادلة بين لبنان وإسرائيل بخرق الهدنة.