مأزق الجيش بين التعقيدات اللبنانية والمطالب الأميركية
نبيل أحمد شحاده- دخلت العلاقة بين الجيش اللبناني والولايات المتحدة مرحلة دقيقة وحسّاسة، بعد تصريحات أطلقها السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام وعبّر فيها بوضوح عن تصدّع الثقة بلبنان الرسمي، قائلاً: "أنهيت لقائي سريعا مع قائد الجيش اللبناني الذي رفض وصف حزب الله كمنظمة إرهابية. لقد سئمنا من الخطاب المزدوج. وطالما أن هذا الموقف موجود من القوات المسلحة اللبنانية، لا أعتقد أن لدينا شريكا موثوقا فيها".
كلمات غراهام لا تبدو عابرة أو انفعالية، بل هي حملت دلالات سياسية عميقة عكست مزاجًا متشددًا يتنامى داخل دوائر القرار الأميركية تجاه لبنان.
الجيش اللبناني ومنذ عقود طويلة كان أحد أعمدة العلاقة اللبنانية الأميركية، حيث استثمرت واشنطن سياسيًا وماليًا في دعم الجيش بصفته المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يُمكنها حفظ الاستقرار، ومنع الانزلاق إلى الفوضى، كما إنها تُشكل الهيكل الوطني المتكامل في بلد تمزقه السياسات الطائفية والمصالح الآنية. الدعم الأميركي كان دائماً مشروطًا وبصورة غير معلنة، بأن يبقى الجيش خارج التجاذبات، وبعيداً عن التماهي مع أية قوة سياسية داخلية، وأن يمثّل نواة مشروع الدولة الحقيقية والقادرة على بسط سيادتها وفرض حصرية السلاح.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأت تتكشف فجوة متزايدة بين هذه الرؤية الأميركية والواقع اللبناني، مع تضخم التغلغل الخطير لحزب الله داخل مؤسسات الدولة الأمنية، حيث أصبح ازدواج السلاح والقرار، أمراً طبيعياً ومكرّساً، وبات يُنظر إلى الجيش، في بعض الأوساط الأميركية، على أنه قوة مُقيّدة بمعايير غير واضحة، أكثر منه شريكًا قادرًا على الحسم ، لا سيما في مسألة نزع السلاح.
أتت زيارة العماد رودولف هيكل إلى واشنطن في هذا السياق المتوتر، بعد أن كانت زيارة سابقة قد أُلغيت على خلفية بيان أصدره الجيش بشأن التوتر الأمني على الحدود مع إسرائيل. وعليه، اعتبر العماد هيكل أن الزيارة الحالية قد تكون محاولة جدّية لإعادة ترميم العلاقة، واحتواء تداعيات ما حصل سابقاً. لكن ما ظهر حتى الآن، أنها ليست "صك براءة"، بل تأكدّ أن الهدف منها كان وضع قيادة الجيش اللبناني وجهاً لوجه مع صقور الكونغرس، لتوضيح الصورة، ووضع النقاط على الحروف فيما يخص "خطة حصر السلاح" التي أقرتها الحكومة اللبنانية في آب/ أغسطس 2025. المناخ السياسي الذي استقبل العماد رودولف هيكل، كان مختلفاً تمامًا؛ إدارةٌ أميركية أكثر تشددًا، وكونغرس يضغط ويطالب بالوضوح في المواقف، لا الاكتفاء بالخطاب الرمادي.
وفي العودة إلى كلام ليندسي غراهام، فهو ليس سيناتورًا عاديًا في واشنطن. إنه أحد صقور السياسة الأميركية وعضو بارز في لجنة القوات المسلحة، ويتمتع بعلاقات وثيقة مع المؤسسات العسكرية والأمنية، وهو معروف بتأثيره المباشر في ملفات كثيرة تتعلق بالمساعدات الخارجية وتحديد معايير تصنيف الحلفاء والخصوم. كما أن مواقفه غالبًا ما تعبّر عن تيار واسع داخل الحزب الجمهوري يرى أن "الضبابية" في مواقف بعض الحلفاء لم تعد مقبولة في لحظة تسعى فيها الولايات المتحدة إلى وضع تعريف جديد للاستقطاب الدولي.
من هنا، فإن تصريحات غراهام لا يُمكنُ قراءتها بوصفها رأيًا شخصيًا، بل كمؤشر إلى اتجاه سياسي صارم قد يُترجم لاحقًا بتشديد شروط الدعم، أو إعادة النظر في مستوى التعاون والدعم العسكري، وربما في مقاربة واشنطن كلها في العلاقة مع الدولة اللبنانية.
تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية منذ عام 1997، وتوسّعه لاحقاً ليشمل أذرع الحزب المالية، وشبكاته الدولية، وشخصيات قيادية مرتبطة به، ليس تفصيلاً صغيراً في السياسة الأميركية، بل هو ركيزة ثابتة في طريقة تعامل واشنطن مع الملف اللبناني. ولذلك فإن أي تردّد رسمي لبناني في توصيف الحزب، وخصوصًا من المؤسسة العسكرية، يُفسَّر في واشنطن كازدواجية غير مقبولة من طرف يستفيد من الدعم الأميركي، ويتعايش مع قوة مسلحة خارج إطار الدولة.
يبدو واضحًا الآن، أن الولايات المتحدة باتت تطالب الجيش اللبناني بمواقف أكثر حسمًا، لا بالمعنى التنفيذي المباشر، بل على مستوى الرؤية السياسية، والالتزام الصارم بمبدأ حصرية السلاح وسيادة الدولة. ويظهر أن المرحلة المقبلة لن تتقبّل الخطاب التوفيقي التقليدي، ولا الاكتفاء بمهادنة توازنات داخلية تتناقض وأسس السياسة الأميركية.
إن انعكاسات تصريح غراهام قد لا تظهر فورًا، لكنها تشكّلُ إنذارًا مبكرًا إلى لبنان؛ إما إعادة تعريف موقع ودور الجيش في الدولة اللبنانية، أو القبول بتراجع الثقة وربما توقّف الدعم، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على استقرار لبنان ودوره الإقليمي وأيضاً على الاحتضان والدعم المالي الذي تُظهره بعض الدول له. وفي الحالتين، فإن العلاقة بين بيروت وواشنطن لم تعد كما كانت، بل دخلت امتحانًا حقيقيًا وصعباً لا يحتمل التأجيل، والنجاح فيه يتطلّب إرادة سياسية واضحة، وحسماً واضحاً لا يترك مجالاً للإلتباس.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook