أتلانتيك تروي قصة انهيار النظام وسقوط الأسد
نستراك - سقوط بشار الأسد، أُسدل الستار على أحد أكثر الأنظمة العربية عنفًا وقمعاً ووحشية بحق شعبه. فبعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية عام 2011، التي بدأت احتجاجًا سلميًا وانتهت حربًا مدمّرة أعادت تشكيل الدولة والمجتمع معًا، شكّل السقوط مفاجأة للكثيرين، لكن في الحقيقة، لم يكن ذلك نتيجة هزيمة عسكرية تقليدية، بل ثمرة تراكم طويل من الاستنزاف والعزلة والانهيار الداخلي.
كيف تروي «أتلانتيك» قصة الانهيار؟
ما يميّز مقاربة "ذا أتلانتيك" لسقوط نظام الأسد أنها لا تتعامل معه كحدث مفاجئ، بل كنهاية منطقية وحتمية لمسار طويل من الفوضى والتآكل الداخلي. المجلة تكشف كيف انهار هذا النظام من داخله، حين فقد معناه حتى لدى أقرب دوائره والمقربين إليه.
تشير المجلة إلى أن لحظة فرار بشار الأسد من دمشق لم تكن ذروة معركة، بل إعلانًا صامتًا بأن النظام لم يعد يملك أدوات البقاء، ففر "القائد" بشكل إداري بارد، عكس فراغ السلطة قبل سقوطها الفعلي.
هذا النمط من السقوط، وفق تحليل أتلانتيك، يعلن بأن النظام كان قد فقد جوهره قبل أن يفقد عاصمته؛ لم يعد "دولة قمعية متماسكة"، بل شبكة مصالح مرهقة ومتعبة، تعتمد على حلفاء انشغلوا عنها، وجيش فقد كل قيمه ودوافعه وحتى وظيفته الأساسية.
أولت المجلة أهمية خاصة لتراجع الدورين الروسي والإيراني، وانشغالهما بملفات أثقل بالنسبة لهما؛ أوكرانيا بالنسبة لموسكو، والجبهات المفتوحة إقليميًا بالنسبة لطهران. هذا التراجع لم يكن انسحابًا كاملًا، لكنه كان كافيًا لكشف هشاشة النظام وعدم قدرته على الوقوف وحده.
وتلفت أتلانتيك إلى أن الأسد، الذي راهن طويلًا على أنه الوحيد لحلفائه لا يملكون بديلًا عنه، أخطأ في قراءة التحوّلات التي ضربت المنطقة؛ فالحليف حين تتغيّر أولوياته، لا يُسقطُ النظام، لكنه يتوقف عن إنقاذه ويتركه لمصيره. عند هذه النقطة، أصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر.
من أكثر النقاط قساوة في المقال تلك المتعلقة بسلوك بشار الأسد في سنواته الأخيرة. فحسب شهادات نقلتها المجلة عن مسؤولين ودبلوماسيين، لم يكن الرجل في حالة إنكار فقط، بل في حالة انفصال شبه كامل عن الواقع. رفض أو تجاهل عروض التسوية، ومحاولات فتح قنوات سياسية، وحتى مبادرات عربية لإعادة دمج سوريا مقابل تقليص النفوذ الإيراني.
هذه النقطة ساعدت على فهم شخص الأسد وكذلك فهم أكبر لطبيعة الأنظمة الوراثية المغلقة؛ الحاكم الذي بنى سلطته على القمع المطلق، يفقد القدرةَ على التنازل باعتباره علامة ضعف قاتلة. هكذا تحوّل الأسد من لاعب سياسي على الساحة الإقليمية، إلى عبء حتى على نظامه.
تلفت أتلانتيك إلى مشهد مهم. بعد فرار الأسد، لم يخرج أحد تقريبًا للدفاع عنه. لا مظاهرات موالية حقيقية، ولا خطاب تعبوي، ولا حتى محاولة للإنكار. ساد الصمت، وهو في التحليل السياسي، أخطر من الهتاف ضده، لأنه يدل على أن النظام لم يعد له أية رمزية في سوريا.
المجلة ألمحت إلى أن النظام السوري لم يسقط لأنه خسر الحرب فقط، بل لأنه خسر معنى وجوده. لم يعد يمثل دولةً ولا استقراراً، ولا حتى خيارًا أقل سوءًا. وهذه الثلاثية هي التي طالما استخدمها الأسد لتبرير بقائه على رأس النظام.
لا تعتبر أتلانتيك سقوط الأسد نهاية المأساة السورية، بل بداية مرحلة أكثر تعقيدًا. فغياب رأس النظام لا يعني تلقائيًا قيام دولة، بل يفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة: من يملأ الفراغ؟ كيف تُبنى الشرعية؟ وأي سوريا ستولد من هذا الركام الهائل لنتائج الحرب؟
هنا، يبدو المقال حذرًا في تعاطيه مع الساعات التي تلت "الهروب الكبير".. لا احتفالًا مفرطًا، ولا تشاؤمًا مطلقًا. بل قراءة واقعية رأت أن سقوط الأسد أزال العقبة الكبرى أمام أي حل.
ما تقوله اتلانتيك، ضمناً، هو أن نظام الأسد لم يسقط لأنه كان قويًا ثم بفعل الثورة ونشاطها هُزم، بل لأنه كان في الأصل كان ضعيفًا واستمرَ طويلًا بفضل الدعم الخارجي، وهو معروف من إيران وأدواتها، ومن روسيا أيضا. وحين تغيّر ميزان الاهتمام الدولي، ظهر الفراغ الذي كان مخفيًا بالقوة.
لذلك، ترى أتلانتيك ان سقوط الأسد لم يُشكّل لحظة استثنائية في تاريخ سوريا فقط، بل درسًا سياسيًا أوسع؛ الأنظمة التي تبني بقاءها على القمعِ وحده، قد تطيل عمرها، لكنها حين تسقط، تسقط بلا مقاومة، ودون أن يتأسف أحد عليها.
رابط المقال الأصلي من موقع أتلانتيك

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook