متى تُدرك الجزيرة العربية أهمية اليمن؟

متى تُدرك الجزيرة العربية أهمية اليمن؟

 

 

فاروق عيتاني - اليمن، الركن الجنوبي الغربي المنسي من الجزيرة العربية يُقدَّم  في الخطاب السياسي العربي المعاصر بوصفه دولة فاشلة، أو ساحة صراع، أو مشكلة أمنية مزمنة. لكن هذا التوصيف، على شيوعه، يخفي حقيقة أبسط وأعمق؛ اليمن لم يُفشل فقط، بل جرى تجاهله طويلًا بوصفه جغرافيا استراتيجية كان يمكن أن تغيّر موقع الجزيرة العربية كلّها لو أُحسن التعامل معها.

اليمن هو أصل العرب نسبًا وثقافة، لكنه لم يعرف في تاريخه الطويل وحدة سياسية جامعة بالمعنى الحديث. ظلّ منقسمًا بين شمال وجنوب، زيدية وشافعية، بكيل وحاشد، ساحل وجبل. هذا التعدد لم يكن بالضرورة عيبًا، بل كان قابلًا لأن يتحول إلى تنوّع منتج، لولا أن القوى الإقليمية تعاملت معه دائمًا كعبء يجب تحييده لا كفرصة يجب استثمارها.

الجغرافيا اليمنية ثابتة منذ آلاف السنين: جبال عصيّة في الداخل، وسواحل طويلة مفتوحة على بحر العرب والمحيط الهندي. قبل القرن العشرين، كانت هذه الجغرافيا تمنح اليمن حماية طبيعية وتفرض على الخارج حدودًا لتدخله. مع تطور الطيران والتكنولوجيا العسكرية، فقدت الجبال كثيرًا من مناعتها، وأصبحت السواحل أكثر عرضة للسيطرة، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى قيام دولة، بل إلى تفكيك أعمق للمجتمع. المشكلة لم تعد جغرافية بحتة، بل بنيوية. التركيبة القبلية، في ظل نظام دولي نفعي، تحوّلت إلى أداة تُستعمل لا إلى إطار يُبنى عليه. استُخدمت القبائل مرة لصالح الأميركي، ومرة ضده، ومرة لصالح الإقليم، دون أن يُسمح لها يومًا بأن تكون جزءًا من مشروع دولة حقيقي.

الأكثر دلالة هو غياب أي تفكير جدي لدى دول الجزيرة العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، في إعادة تعريف علاقتها باليمن جيوسياسيًا. لم يُدمج اليمن في مجلس التعاون الخليجي، ولم تُوسَّع تسمية المجلس لتشمله، وكأن اليمن كيان طارئ لا امتداد طبيعي للجزيرة. الأهم أن السعودية، حتى اليوم، لم تضع مشروعًا استراتيجيًا لإنشاء ممر سيادي أو مؤجَّر عبر حضرموت يربط جنوبها بالمحيط الهندي، بما يفتح لها أفقًا بحريًا واسعًا نحو أفريقيا والعالم، بدل بقائها محصورة بين خليج يسهل إقفاله وبحر أحمر قابل للخنق. اليمن لم يُترك خارج الحساب صدفة. قيام دولة يمنية تعرف قيمة جغرافيتها كان سيجعلها عقدة استراتيجية لا هامشًا تابعًا. وربما آن الأوان لطرح السؤال الحقيقي: متى تدرك الجزيرة العربية أن إهمال اليمن ليس ضمانة لأمنها، بل أحد أسباب هشاشته المستمرة.