سنة على سقوط الأسد: الشرق الجديد يولد في دمشق
كتب نبيل شحاده: في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، طُويت صفحة سوداء استمرت أكثر من نصف قرن من حكم عائلة الأسد. خلال ساعات وهجوم خاطف للمعارضة، انهار النظام وغادر بشار الأسد إلى منفاه الاختياري في موسكو، وانتهت مع ذلك، واحدة من أطول الديكتاتوريات الدموية في المشرق العربي، لتبدأ مرحلة جديدة مع الرئيس أحمد الشرع في مرحلة انتقالية تستمر خمس سنوات.
الحدث رغم أنه سوري بامتياز، إلا أن ارتداداته وصلت إلى كل خريطة الشرق الأوسط، واهتزت له عواصم ومدن من طهران إلى تل أبيب، ومن أنقرة إلى بيروت؛ لقد حمل سقوط نظام الأسد معانٍ مركّبة، أوضحت ثقل هذا النظام، وأهمية التخلص من ارثِ ارتكاباته في الداخل وخارج سوريا، وأذّنت بمستقبل جديد في المنطقة, ظهرت مُبشراته من دمشق الحرة.
سوريا الجديدة لم تتأخر في مواجهة التحدي الأكبرالذي يتثملُ في معالجةِ جراحِ المجتمع السوري، وهي سارعت إلى وضع مسار انتقالي للعدالة لكشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى، وفي نفس الوقت، تبذلُ جهوداً لإعادة بناء الثقة بين المكوّنات السورية، لضمان الاستقرار والمساواة.
سوريا الجديدة التي بدأت ملامحها تظهر منذ اليوم الأول للإنتصار، ما زالت في طور التخلص من كل معالم ورواسب الحقبة السابقة، وهي تعمل بقوة على تجديد نفسها وكسر العزلة التي كانت تحكمها، وتثبيت دورها على الخريطة كدولة فعلية تواكب الحاضر، وترسم لنفسها مسارات مستقبلية واعدة، سياسياً واقتصادياً، بالتعاون مع المجتمعين العربي والدولي وخاصة المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.
الانفتاح العربي تزامن أيضاً مع تحرك العواصم الأوروبية في إعادة صياغة مقاربتها تجاه دمشق، وفق قناعة بأن سوريا لم تعد ساحة صراع مفتوح، وهي استعادت موقعها الطبيعي داخل النظام العربي، من خلال شراكات سياسية واقتصادية وأمنية تكسر العزلة وتربطها بمحيطها التاريخي.
سقوط الأسد على المستوى الأقليمي، شكّل ضربة استراتيجية لمحور طهران. وبعدما كانت سوريا الممر الحيوي الذي يربط إيران بحزب الله وبعض الفصائل الفلسطينية الموالية لها، انتقلت إلى دور آخر، ونظام يحاول أن يوازن بين العرب والغرب، وتركيا وروسيا، دون الوقوع في فخ التبعية لمحور معيّن.
وإيران التي لم تُقدّر فعلياً في المرحلة الأولى حجم التغيير الذي حصل وثباته والحماية الدولية له، سعت إلى قلبِ المعادلةِ من خلال محاولات يائسة لإشعال سوريا، ولا سيما في المناطق ذات الأغلبية العلوية، ولكنها فشلت كلها، ليستتب الأمرُ للدولة السورية التي أثبتت حنكتها السياسية وفهمها لمجريات الأحداث، وقدراتها أيضاً في استيعاب التناقضات، واحتواء معارضيها "الجدد".
في الجنوب السوري، ظهر بوضوح أن اسرائيل التي اعتادت على التعامل السهل مع نظام آل الأسد، وهو نظام كان يُمكنها التنبؤ بسلوكه وخططه وتوجهاته، وامتلكت القدرة لضبط سلوكه، وجدت نفسها أمام واقع جديد ومُعقّد، تحتاج معه إلى الوقت لفهمه وبناء استراتيجية مختلفة للتعامل معه. كثّفت اسرائيل من عملياتها العسكرية ونفذت مئات الغارات التي استهدفت مواقع عسكرية ومخازن أسلحة اعتبرتها مهدِّدة لها ولوجودها، وتمدّدت في بعض المناطق، وأوجدت نقاطاً مراقبة عسكرية متقدمة. استفادت اسرائيل من فترة الفوضى الأولى، فخرقت الاتفاقت الدولية لتثبيت حضورها وضغوطها على النظام الجديد، ووجهت رسائل بأنها لن تقبل بأي تهديد "مزعوم" من البوابة السورية. الرئيس أحمد الشرع أدرك حجم التحديات، ويبدو أنه كان مستعداً لها، tأكدت تصريحاته على إحجام سوريا عن الانخراط في أي حرب جديدة، وبعث رسائل واضحة إلى دول المنطقة، ومنها إسرائيل، قائلاً بصريح العبارة، أن سوريا لن تشكل تهديدًا أو مُنطلق لهجمات ضد إسرائيل، داعيا إلى انسحابها من المناطق التي احتلتها من جديد، ومؤكداً بأن سوريا هدفها الآن هو البناء والتنمية والتخلص من رواسب النظام السابق، ولا شيء آخر.
لبنان بدوره، لم يكن بعيداً من تداعيات سقوط بشار الأسد، ولم يعتبر ذلك حدثاً خارجياً عابرا. فهذا النظام لعب منذ 1976، ادواراً مباشرة في كل تفاصيل الحياة السياسية والأمنية اللبنانية، منذ زمن الدخول كقوات ردع عربية لوقف الحرب، وصولاً الى مرحلة الوصاية والتحكم المباشر بشؤون لبنان، ثم خروج جيشه بقرار دولي بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في عام 2005، مع بقاء اصابع وأدوات تؤدي شيئاً من الخدمات، وتحقق له مصالحه، وفي مقدمتهم حزب الله وبعض القوى الآخرى المتهالكة.
وانعكاسات سقوط النظام السوري على لبنان لا تقف عند حدود تراجع نفوذ حزب الله فقط، بل شملت إعادة تشكيل التوازنات الداخلية برمّتها، وتوزيع أدوار القوى المحلية، والانزياح بشكل أكبر إلى ضرورة استعادة سيادة الدولة وحصر السلاح بها. كما علت الأصوات للعمل لما فيه مصلحة البلدين، مثل طرح ملف ترسيم الحدود، وضبطها وإغلاق المعابر غير الشرعية التي استُخدمت لسنوات في تهريب السلاح والمخدرات، وتغيير التوازنات الاقتصادية والأمنية.
بعد مرور سنة على سقوط نظام آل الأسد، يُمكن القول أن شرقاً جديداً يولد فعلاً من دمشق.
شرقٌ لم تعد فيه سوريا ساحة نفوذ خارجي، بل دولة تحاول صياغة مستقبلها، وشرقٌ يُعادُ فيه توزيع التحالفات، وتتغير فيه معادلات القوة، وتتقدم فيه مشاريع إعادة الإعمار والتنمية على حساب القمع وسفك الدماء والمحاور المتصارعة.
إنها سنةٌ أولى، لكن معالم المستقبل بدأت ترتسم بوضوح، وتفتح الأبواب واسعة أمام مرحلة جديدة قد ينعم هذا الشرق فيها بالأمن والاستقرار والازدهار.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook