الحرب التي اختارتها إيران… ولبنان سيدفع ثمنها

الحرب التي اختارتها إيران… ولبنان سيدفع ثمنها

 

 

مكرم رباح -  في الليلة الماضية، طغت على أصوات صواريخ «حزب الله» التي أُطلقت من جنوب لبنان نحو إسرائيل أصواتٌ أكثر دلالة: لعنات اللبنانيين العاديين – وبينهم كثير من الشيعة – الغاضبين من القرار المتهوّر بالدخول في حرب ظنّ كثيرون بسذاجة أنّ الحزب سيتجنبها.

الصواريخ التي كسرت هدوء رمضان لم تحمل وزناً عسكرياً يُذكر. اعترضت الدفاعات الجوية الإسرائيلية معظمها، وتعطّل الباقي. لم تُسجَّل إصابات. عسكرياً كانت هامشية – سياسياً كانت كارثية.

على مدى أسابيع، طرح اللبنانيون سؤالاً واحداً: ماذا سيفعل «حزب الله»، وكيل إيران في لبنان، إذا وجّهت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربة إلى إيران؟ جاء الجواب سريعاً. وفاءً لطبيعته، لم يحتج الحزب أكثر من يوم ليُظهر اندفاعه الانتحاري، مانحاً إسرائيل الذريعة التي كانت تحتاجها. وبذلك، قد يكون مهّد الطريق لما يخشى البعض أن يتحول إلى حملة عسكرية كبرى – قد لا تقتصر على تبادل الضربات الجوية، بل تتطور إلى غزو بري واسع النطاق يعيد إلى الأذهان عام 1982.

ومما يبعث على القلق أنّ مثل هذا السيناريو ينسجم بصورة مقلقة مع لاهوت الحزب السياسي القائم على النزعة القيامية – عقلية تتغذّى على الدمار، وسرديات الشهادة، والمواجهة الدائمة.

غير أنّ هذه الحرب، إن اندلعت، لن تشبه جولات التصعيد السابقة. ستكون جزءاً من صراع إقليمي أوسع، لن تكون فيه الولايات المتحدة مراقباً بعيداً، بل طرفاً فاعلاً يقود المشهد. ولن تكون نهايته حسنة لا لـ«الحرس الثوري الإيراني» ولا لشبكة الوكلاء التي ازدهرت طويلاً في ظل تردّد دولي عن مواجهة طهران مباشرة. لسنوات، طغت سياسة الاسترضاء في التعامل مع إيران – وكان الاتفاق النووي عام 2015 المثال الأوضح على الاعتقاد بأن الاحتواء عبر المساكنة سيُعدّل الطموحات التوسعية. لكن ذلك لم يحدث.

بالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، أوحت صور اعتراض المسيّرات والصواريخ الإيرانية في أجواء الخليج بأن طهران ستحصر التصعيد في تلك الساحة. غير أنّ ما تجاهله كثيرون هو إعلان «حزب الله» نفسه: قيادته تعهّدت علناً بأنها ستنخرط في أي مواجهة إذا قُتل المرشد الأعلى الإيراني. التحذير كان صريحاً. والنية كانت معلنة.

وما هو أكثر إهانة ليس انضمام الحزب إلى أتون النار، بل الطريقة التي فعل بها ذلك. ثلاثة صواريخ. رمزية. ضئيلة عسكرياً. كارثية استراتيجياً. لم يُدافَع عن لبنان؛ بل جرى تقديمه طوعاً.

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لاحقاً أنّ لبنان سيحظر الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» عقب الضربات الإسرائيلية على مواقع مرتبطة به، والتي جاءت بدورها رداً على هجمات صاروخية ومسيّرة شنّها الحزب بعد تقارير عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي. على الورق، يبدو القرار حاسماً. في الواقع، قد يتحوّل إلى مجرّد إعلان بلا أدوات قسرية تكفل تنفيذه. فـ«حزب الله» ليس ميليشيا هامشية؛ بل تنظيم مسلّح أفرغ الدولة من مضمونها، واخترق مؤسساتها، وأخضع القرار الوطني لحسابات طهران الاستراتيجية.

«الحظر» من دون آليات تنفيذ، ومن دون خريطة طريق واضحة لنزع السلاح، ومن دون سيطرة على الحدود والمجال الجوي وشبكات الاتصالات المستقلة، لا يغيّر شيئاً. الحزب لا يضبط سلوكه بقرارات مجلس الوزراء، بل يستجيب لعقيدة «الحرس الثوري». وعلى مدى عقود، أصدرت الحكومات اللبنانية بيانات تؤكد السيادة، متجنّبة الحقيقة المركزية: لا سيادة مع جيشٍ موازٍ. إذا كانت الدولة تعتزم فعلاً منع نشاط الحزب العسكري، فعليها أن تكون مستعدة لمواجهة البنية السياسية والمالية والأمنية التي تسنده. وأي شيء دون ذلك سيُقرأ – على نحو صحيح – بوصفه تموضعاً رمزياً موجهاً إلى الخارج لا تغييراً بنيوياً. والحزب، كما أثبت مراراً، لا يعنيه حظرٌ بلاغي بقدر ما تعنيه حريته في تقرير متى يدخل لبنان الحرب.

لأشهر، تمسّك كثيرون في لبنان بأمل أن يُظهر الحزب قدراً من ضبط النفس – أن يدرك الانهيار الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي، وعجز البلاد عن تحمّل حرب كارثية أخرى. أن يغلب منطق وطني على طاعة أيديولوجية.

لكن هذا الوهم انهار.

جاء الرد الإسرائيلي فورياً ومنهجياً. استُهدفت مناطق الجنوب – معقل الحزب الراسخ – وأجزاء من البقاع. بدأ المدنيون النزوح مجدداً. عائلات فرت نحو بيروت. ومرة أخرى، يدفع اللبنانيون ثمن قرارات اتُّخذت خارج موافقتهم، وخارج مؤسسات دولتهم، وفي خدمة عقيدة استراتيجية أجنبية.

هذه ليست حرب لبنان. إنها استراتيجية إيرانية تتكشف على أرضه.

لطالما قدّم «حزب الله» نفسه داخلياً بوصفه درع لبنان، غير أنّه يُنظر إليه على نحو متزايد باعتباره الآلية التي يُزجّ عبرها البلد في صراعات لم يعلنها ولم يُقرّها. كل صاروخ يُطلق تحت راية «المقاومة» يقضم من سيادة لبنان.

المأساة استراتيجية وأخلاقية في آن.

تُجبر العائلات اللبنانية على النزوح لا بقرار نوقش في البرلمان، بل بفعل فاعل غير دولتي مرتبط بطهران أشعل مواجهة إقليمية. هذه الحقيقة ينبغي أن تقلق كل من لا يزال يؤمن بالدولة اللبنانية.

إذا استمر هذا المسار، فقد لا تكون النهاية وقفاً شكلياً لإطلاق النار. قد نشهد تفكيكاً بنيوياً لبنية الوكلاء نفسها. ونزع سلاح «حزب الله» – الذي عُدّ طويلاً غير واقعي – قد يُفرض بدلاً من أن يُتفاوض عليه. وقد يكتشف «الحرس الثوري» أن فتح جميع الجبهات في وقت واحد حوّل العمق الاستراتيجي إلى فرط تمدّد.

الأنظمة الثورية لا تنهار من الضعف وحده؛ بل حين تخلط بين الصمود والوهم بالعصمة.

بنت طهران إمبراطورية من الوكلاء لإرهاق خصومها. وقد تكتشف الآن أنها، بفعل ذلك، أرهقت نفسها إلى حدّ يصعب التعافي منه.

لبنان، للأسف، يقف على خط الصدع. شعبه يستحق السيادة، لا الارتهان لمغامرات إقليمية. يستحق دولة تقرر الحرب والسلم – لا ميليشيات تنفّذ عقائد خارجية.

هذه الحرب لم تُختر في بيروت. بل اختيرت في طهران.

وما لم يستعد لبنان قراره، فسيواصل دفع ثمن حروب ليست حروبه.