سلاح حزب الله: من وظيفة التحرير الى البقاء الأبدي
نبيل شحاده - تحوّل خطاب حزب الله منذ مطلع الألفية الثالثة، من الادعاء بأنه حركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وسلاحه دعامة اساسية لقوة وأمان للبنان ، إلى مشروع سياسي وديني يتجاوز الحدود ويقفز الى ساحات قريبة وبعيدة لتحقيقه، وفي نفس الوقت، يُدخلُ البلاد في معادلاتٍ إقليمية وجدلٍ عقائدي. ظهر ذلك بوضوح بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، في الخامس والعشرين من أيار 2000، حيث كان اللبنانيون ينتظرون أن تُطوى صفحة "المقاومة المسلحة"، وأن يجدِ السلاحُ طريقه الى مستودعات الجيش اللبناني، لتصبح الدولة وحدها -كما هو الحال في كل دول العالم- صاحبة القرار في السلمِ والحرب. غير أن الحزب، بدل أن يعلن اكتمال مهمته وانتهاء وظيفته التي كلّف بها نفسه، بدأ في إعادة صياغة فلسفة وجوده وسلاحه، فحوّله تدريجياً من "سلاح تحرير" إلى "سلاح عقيدة"، ومن أداة ظرفية لها وظيفة معيّنة تخدم قضية طارئة إلى رمز أبدي دون نهاية، ومرتبط بغيبيات وأفكار دينية معقدّة يدور حولها جدلٌ كبير، وتتعارض مع عقائد وايمان غالبية اللبنانيين.
هذا التحوّل لم يأتِ عفوياً، ولا استيقظ له الحزب في عام 2000، بل كان نتيجة مسار فكري وسياسي بطيء وممنهج، عبّر عنه قادة الحزب سراً وعلانيةً في مناسبات عدّة. ففي خطابات الأمين العام حسن نصر الله ومسؤولين آخرين، ظهر بوضوح هذا الانزياح من منطق أساسه سياسي ووطني يستهدف مكوّنات الشعب اللبناني ودغدغة مشاعر الرأي العام العربي، إلى خطاب ديني وعقائدي صرْف موجّهٌ الى بيئة الحزب والشيعة بشكل عام، وتزايد الحديث عن "تحرير القدس وفلسطين كلها" وربط الحزب بقضايا "المستضعفين". ثم مع مرور الوقت، بدأ الحزب الترويج الواسع لمصطلحات أكثر التصاقاً بالعقيدة المهدوية و"محاربة الظلم والفساد على وجه الأرض، ونشر العدل ومنع الجور"، وتصاعد الخطاب بشكلٍ خطير ومتسارع الى ما سمعناه أخيراً من بعض الأطراف التي تدور في فلك الحزب، من أن هذا السلاح ليس مجرد ترسانة عسكرية، بل هو "سلاح الأنبياء" و "سلاح الله"، وأنه "جزء من المشروع الإلهي" و"أمانة في أعناقنا لن نسلّمه إلّا إلى صاحب العصر والزمان"، أي المهدي المنتظر وفق العقيدة الشيعية الاثني عشرية.
خرج السلاح من اطاره الدنيوي في خدمة مسألة ما، أو تحقيق إنجاز وطني، وبات يُسوَّقُ على أنه جزء من "القدر" أو "المشيئة الإلهية"، ووضع عوائق أمام أي إمكانية للنقاش أو التفاوض؛ فكيف تجرؤ الدولة، أو كيف يجرؤ الشعب اللبناني على المطالبة بنزع "سلاح الله" أو "سلاح الأنبياء" أو "سلاح المهدي"؟.
بهذه الصيغة الشائكة والغامضة، وضع الحزب نفسه وسلاحه في مرتبة تعلو على الوطن والدستور وكل الشعب اللبناني وربما البشرية كلها، واعتقد أنه بذلك يحصّن نفسه ويحمي سلاحه، ويجعل من سابع المستحيلات إخضاعه لمنطق الدولة وسلطتها وقوانينها.
ضربَ حزبُ الله الأساسَ الذي يقوم عليه مفهوم الدولة، الذي يستند -كما يعلم الجميع- الى عقد اجتماعي ودستور مدني توافقي يضمن التعددية، ويُحصر حق استخدام القوة المسلحة بيد الجيش والقوى الأمنية الشرعية. ففي مقدمة الدستور نجد أن لبنان "جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل"، كما إنّ "اتفاق الطائف" الذي أنهى الحرب الأهلية، وضع خريطة طريق صريحة تقضي بحلّ كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتجريدها من السلاح، لضمان عودة الدولة إلى موقعها مرجعية وحيدة وبلا شريك. غير أن حزب الله مدعوماً من قوى اقليمية، تجاوز هذه النصوص، واعتبر نفسه استثناءً وحيداً ودائماً بذريعة المقاومة، ومرّة يقول إن "المقاومة حاجة وطنية ما دام هناك تهديد إسرائيلي" و"معادلة الردع وتوازن الرعب"، ومرّة أخرى يحيل المسألة إلى "التكليف الشرعي" و"الالتزام الإلهي" و"انا الله مكلفني"، بحيث أغلق أي باب أمام النقاش السياسي وإن تستّر بجلسات حوار مملّة، وفجّرها وأنهى مفاعيلها لاحقاً بإشعال حرب تموز في عام 2006. هذا التناقض بين منطق الدولة ومنطق الحزب والذي استمر لعقود، جعل لبنان يعيشُ ازدواجيةً خطيرةً انعكست على كل مجالات الحياة: دولة لها دستور وجيش لا حول لها ولا قوّة، وتخضع في أغلب الأحيان الى حزب يملك جيشاً خاصاً به ومؤسسات تنافسُ مؤسسات الدولة، ويحتكم إلى مرجعية دينية هي ولاية الفقيه في إيران.
منطق الحزب في تحويل سلاحه الى عقيدة غيبية عبّر عنها بوضوح أمينه العام السابق حسن نصر الله في عام 2002، عندما قال:" لن نترك هذا السلاح جانبا ونتخلى عن هذه الإمكانية الإلهية العظيمة التي أعطانا الله إياها"، وهذا منطق رسم عناوين مواجهة مع مكوّنات طائفية أخرى، مسيحية وسنّية ودرزية، ترى في هذا الطرح تهديداً مباشراً ليس لوجودها وتوازنها وأمنها فقط، بل تعتبره أيضاً مصدرَ تهديدٍ لوجود الكيان اللبناني وبقائه. إذ كيف يمكن لطائفة واحدة أن تحتكر السلاح تحت ذريعة "إلهية" وتهيمن على الدولة، وتحمي نفسها وكل أفعالها من المحاسبة، فيما يُمنع على الآخرين حتى التفكير في امتلاك وسائل حماية خاصة بهم، أو الحلم بالعيش في دولة طبيعية؟. هذا الأمر عملَ على تغذية النزعات الطائفية وتضخيمها، وأوجد شعوراً عميقاً بالغبن والاحباط وانعدام العدالة لدى هؤلاء الآخرين الذي ما زالوا يملكون ثقة كاملة بدولتهم ونظامهم رغم كل التهاون والانهيار، ويروْن أنه لا يمكن لأي دولة حديثة أن تقبل بوجود "سلاح ديني" ينافس مؤسساتها ويرفض الخضوع لقراراتها. فالسلاح المرتبط بعقائد غيبية -كائناً مَنْ كان- لا يعترف بسلطة الدستور ونصوص القانون، ولا يلتزم بقرارات المؤسسات، ولا يُبالي بأفرقاء الشعب وتنوّعه الثقافي والديني والاجتماعي، ويتجرأ ويتهم كل مَن يُطالب بنزعه بالخيانة والعمالة وأكثر من ذلك، فهو يهددُ بالاقتصاص منه. وإذا كان الجيش يأتمر بسلطة مجلس الوزراء ويخضع للمساءلة والمحاسبة عند الضرورة، فإن سلاح الحزب أو كما يسميه "سلاح الله" لا يخضع إلا "للحكم الشرعي" الذي يحدده الفقيه أو القيادة الدينية في ايران، وهذه معضلة لا نهاية لها.
الجديد في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان، أن المواجهة لم تعد محصورة بين غالبية الشعب اللبناني والحزب وسلاحه، بل إن الدولة وبما تمثّله من شرعية ومرجعية متكئةً على دعمٍ كبير من المجتمعيْن العربي والدولي تقدّمت وبشجاعة الى الخطوط الأولى حيث موقعها الطبيعي لتكون رأس الحربة في معركة سحب السلاح واستعادة السيادة من سارقيها. هذا التحوّل بدّل قواعد اللعبة؛ فالمواجهة لم تعد سجالاً داخلياً، بل باتت صراعاً بين مشروع الدولة التي يبدو أنها لا تريد أن تخسر الفرصة، ومشروع الدويلة. صراع تكشفت كل تفاصيله، بين اللبنانيين الذين أجمعوا بغالبيتهم الساحقة على رفض السلاح غير الشرعي، وتعبوا من سطوته على السياسة والاقتصاد والأمن، وهم لا يريدون سوى طمأنينة وطنية شاملة تقوم على قناعة أن الدولة وحدها هي الضامنة لحقوقهم وحريتهم ووجودهم، وبين فئة قليلة ما زالت تعيش وتتغذى على أحلام الماضي وتصرّ على البقاء خارج الحاضر والمستقبل. إن إعادة احتكار القوة بيد الدولة - سلماً أو حرباً- ليست إجراءً تقنياً عابراً، بل هي إعادة الاعتبار لفكرة الوطن نفسه، ومعنى وجود لبنان الذي تاه طويلاً ودفع الأثمان الهائلة، وحان وقت خروجه من حالة "الاستثناء" المدمّر، والقضاء على مصطلحات "الدويلة" و"المربّع الأمني" و"المشروع الإقليمي".

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook