لبنان تحول من وطن الرسالة إلى "ساحة نفوذ"

لبنان تحول من وطن الرسالة إلى "ساحة نفوذ"

 

زياد سامي عيتاني - لم تكن تصريحات علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، التي استهدفت نهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مجرد قراءة تاريخية مضللة، بل هي تجسيد فج لعقلية "الاستعلاء الإمبراطوري الفارسي" التي لا ترى في العواصم العربية سوى ساحات خلفية لنفوذ طهران. إن هذا الهجوم يعكس ضيق صدر المشروع التوسعي بنموذج "الدولة الوطنية" التي أرساها الحريري، والتي وقفت تاريخياً حائلاً دون تحويل لبنان من "وطن الرسالة" إلى مجرد "منصة صواريخ" وورقة مقايضة في البازارات الإيرانية الإقليمية.

 

وقاحة "الوصاية" وكسر السيادة

قبل الخوض في تفنيد المزاعم، يبرز سؤال سيادي يطرحه كل لبناني حر: بأي صفة وبأي حق يتحدث علي أكبر ولايتي عن "نجاح" أو "فشل" نهج وطني لبناني؟ إن مجرد صدور هذا التقييم من مسؤول رفيع في نظام ثيوقراطي يعكس خللاً بنيوياً في رؤيتهم للبنان.

بالنسبة لمنظومة ولايتي، لبنان ليس دولة عضو في الأمم المتحدة، بل هو "جبهة" تابعة لنفوذ "ولاية الفقيه". هذه الوقاحة السياسية هي إعلان ملكية غير شرعي، ومحاولة سافرة لمصادرة القرار الوطني اللبناني. إن رفيق الحريري، الذي جاب العالم ليرسخ اسم لبنان ككيان مستقل، يظل حياً بإرثه ومشروع الوطني العروبي، الذي يرفض منطق "التبعية المطلقة" التي يبشر بها ولايتي.

 

تفاهم نيسان 1996. الانتصار بالشرعية لا بالدم

يستحضر ولايتي التاريخ محاولاً تزويره، لكن الوقائع عنيدة ولا تمحى. في نيسان 1996، حين شنت إسرائيل عملية "عناقيد الغضب"، كانت طهران تكتفي بالاستثمار التعبوي في دماء ضحايا مجزرة قانا الأولى لتعزيز أوراقها التفاوضية.

في المقابل، كان رفيق الحريري يخوض معركة "الاشتباك الدبلوماسي" في أروقة الإليزيه والبيت الأبيض. استطاع الحريري انتزاع "تفاهم نيسان" الذي لم يكن مجرد وقف لإطلاق النار، بل كان أول وثيقة دولية تشرعن حق اللبنانيين في حماية أرضهم مع تحييد المدنيين والبنية التحتية بضمانات دولية (أمريكية-فرنسية).

لقد حوّل الحريري لبنان من "ضحية منسية" إلى "لاعب دولي"، بينما يسعى المشروع الإيراني اليوم إلى تجريد لبنان من كل شبكات الأمان الدولية، ليتركه مكشوفاً أمام الحروب، محققاً بذلك مصلحة "المحور" على حساب دماء اللبنانيين ومقدراتهم.

 

الاقتصاد الوطني في مواجهة "ثقافة الإفقار"

يرتكز المشروع الايراني على تفكيك مؤسسات الدولة لصالح الهياكل الموازية.

رفيق الحريري بنى نهجه على "ثقافة الحياة"؛ أعاد ربط لبنان بالنظام المالي العالمي، واستقطب الاستثمارات، وبنى الجامعات والمستشفيات، وخرّج عشرات الآلاف من الطلاب بسلاح العلم لا بسلاح الميليشيا. كان الهدف "تصفير المشاكل" للنهوض بالوطن.

أما النموذج الذي يمثله ولايتي، فقد شهدنا نتائجه في لبنان واليمن والعراق؛ هو نموذج "الاقتصاد الموازي" القائم على التهريب، وتبييض الأموال، والكبتاغون وضرب القطاع المصرفي، واستبدال مؤسسات الدولة بـ "القرض الحسن". لبنان أُفلس بقرار من منظومة السلاح التي خنقت الدولة، وعزلت لبنان عن عمقه العربي والدولي، وحولته إلى "اقتصاد أسود" يعتاش على الأزمات. إنهم يحقدون على الحريري لأن الشعب المزدهر والمتعلم لا يمكن تدجينه داخل أيديولوجيات الموت المستدام.

 

"الطائف" كمتراس أخير ضد الانقلاب الدستوري

يمثل "اتفاق الطائف" الكابوس الأكبر للأطماع الإيرانية، لأنه ثبت نهائية الكيان اللبناني وعروبته وسيادته. رفيق الحريري لم يكن فقط العراب الأول لهذا الاتفاق، بل كان الدرع الذي حاول تطبيقه رغم "الوصاية السورية" التي كانت تتماهى مع الهيمنة الإيرانية.

لذا، فإن استهداف إرث الحريري اليوم هو توطئة للانقلاب النهائي على الدستور اللبناني، لصالح مشاريع "المثالثة" و"المؤتمر التأسيسي" التي تشرعن هيمنة السلاح على الدولة. إن طهران تسعى منهجياً لاستبدال "منطق العقد الاجتماعي" بـ "منطق الغلبة العسكرية"، وهو مشروع يبدأ باغتيال الرموز معنوياً قبل الانقضاض على النصوص الدستورية.

 

لبنان: السيادة التي ترفض "صناديق البريد"

إن "سخونة" كلام ولايتي ليست علامة قوة، بل هي تعبير عن إحباط وجودي. فبعد عقدين على اغتيال الجسد في 14 شباط، يكتشفون أن "الحريرية الوطنية" لا تزال هي المرجعية الوحيدة القابلة للحياة في وجدان اللبنانيين.

لقد رفض رفيق الحريري أن يكون لبنان "صندوق بريد" لرسائل النار الإيرانية، ورفض تحويل وطنه إلى "ساحة" لتصفية حسابات إقليمية لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل. ومن هنا نفهم غيظ ولايتي؛ فالحريري أراد لبنان منارة للشرق، وهم يريدونه خندقاً متقدماً لولاية الفقيه. أراده رصيفاً للثقافة والتجارة، وأرادوه مخزناً للصواريخ والمسيّرات.

 

التاريخ كلمة أخيرة

إن محاولات ولايتي لتزوير التاريخ لن تحجب شمس الحقيقة. رفيق الحريري لم يفشل؛ بل نجح في بناء وطن عجزت أطماعكم عن استيعابه، فكان قرار اغتياله جسدياً في 2005 لإيقاف مشروع "الدولة المستقلة".

واليوم، تأتي محاولة اغتياله معنوياً كتتمة للجريمة الأولى. لكنها ستفشل بدورها أمام صخرة الهوية العربية والسيادة اللبنانية. إن بيروت التي لفظت الاحتلال الإسرائيلي والوصاية السورية، لن ترضى بتبديلهما باستعمار جديد يرتدي ثوب العقيدة ويضمر أطماع "فارس" التاريخية.

كفّوا أيديكم عن لبنان. لبنان ليس ولاية، ومشروع رفيق الحريري الوطني-العربي لم يمت، بل هو المتراس الأخير الذي يحمي ما تبقى من فكرة "الدولة" في وجه "اللا دولة". إن التاريخ سيسجل أن الحريري بنى ليبقى لبنان، بينما هدم الآخرون لتبقى عروشهم.

 

نُشرت في موقع "بالعربي"