كيف حولت تايوان كل إيصال تسوق إلى بطاقة يانصيب

كيف حولت تايوان كل إيصال تسوق إلى بطاقة يانصيب

 

عبد الفتاح خطاب - تخيّل أن كل فاتورة تسوق تصبح تذكرة يانصيب قد تربح من خلالها 10 ملايين دولار تايواني، أي ما يعادل نحو 310 آلاف دولار أميركي، بمجرد شرائك كوب قهوة أو وجبة سريعة أو أي سلعة يومية.

هذا بالضبط ما فعلته تايوان عام 1951، في واحدة من أكثر السياسات الضريبية ابتكاراً في العالم، عندما حولت كل إيصال ضريبي إلى فرصة للفوز بجائزة مالية، فنجحت في معالجة مشكلة مزمنة كانت تستنزف خزينة الدولة: التهرب الضريبي.

 

في ذلك الوقت، كان الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التعاملات النقدية والمتاجر الصغيرة، وكان كثير من عمليات البيع لا تُسجل رسمياً، فلا تُصدر فواتير، ولا تُحصّل عنها ضرائب، ما جعل الحكومة أمام خيارين كلاهما مكلف: توظيف أعداد ضخمة من مفتشي الضرائب أو القبول بخسارة جزء كبير من الإيرادات.

لكن وزير المالية التايواني جين شيان تشون (Jen Hsien-chun) اختار طريقاً مختلفاً. فبدلاً من زيادة عدد المفتشين، غيّر سلوك المستهلك نفسه، محولاً كل فاتورة ضريبية إلى بطاقة يانصيب. فأصبح الزبون يطالب بالإيصال لأنه قد يحمل رقماً فائزاً، بينما أصبح التاجر مضطراً إلى إصدار الفاتورة لتسجيل عملية البيع رسمياً.

وهكذا، تحولت رغبة المستهلك في الفوز إلى ما يشبه أكبر شبكة رقابة شعبية طوعية على الالتزام الضريبي، من دون أن تتحمل الدولة تكلفة توظيف آلاف المفتشين الإضافيين.

 

وأثبتت الفكرة نجاحها منذ البداية. فبحسب بيانات وزارة المالية التايوانية، ارتفعت الإيرادات الضريبية المصرح عنها خلال السنة الأولى من تطبيق النظام بنحو 75%، من 29 مليون دولار تايواني إلى 51 مليون دولار تايواني، وهو ما رسخ مكانة البرنامج باعتباره أحد أنجح أدوات مكافحة التهرب الضريبي.

وبعد نحو خمسة وسبعين عاماً، لا يزال النظام قائماً حتى اليوم، مع تطور كبير في آلية عمله. فإلى جانب الفواتير الورقية، أصبحت الفواتير الإلكترونية جزءاً أساسياً من البرنامج، حيث تُحفظ الإيصالات تلقائياً عبر التطبيقات والبطاقات الإلكترونية، وتدخل السحب من دون الحاجة إلى الاحتفاظ بنسخة ورقية.

 

ويُجرى السحب مرة كل شهرين، مع جوائز كبرى تصل إلى 10 ملايين دولار تايواني، إضافة إلى آلاف الجوائز الأصغر. كما تسمح بعض سلاسل المتاجر الكبرى بصرف الجوائز الصغيرة مباشرة عند صناديق الدفع، لتتحول فاتورة شراء بسيطة إلى فرصة حقيقية للفوز.

وتبلغ القيمة الإجمالية للجوائز نحو 6 إلى 8 مليارات دولار تايواني سنوياً، وهي تكلفة متواضعة مقارنة بالعائد الضريبي الذي يحققه النظام عبر رفع معدلات الامتثال وتوسيع قاعدة الإيرادات، إذ تمول الجوائز من جزء من حصيلة ضريبة الأعمال، بينما تحصل الدولة في المقابل على ملايين المستهلكين الذين يطالبون بالإيصالات في كل عملية شراء.

ولم تبقِ تايوان هذه الفكرة حكراً عليها. فقد استلهمتها دول عديدة بدرجات متفاوتة، من بينها البرازيل عبر برنامج (Nota Fiscal Paulista)، والبرتغال التي أطلقت "فاتورة الحظ" عام 2014، إضافة إلى سلوفاكيا واليونان ورومانيا وليتوانيا وجمهورية التشيك، فضلاً عن تجارب محلية في بعض المدن الصينية. وقد هدفت جميعها إلى تشجيع المستهلكين على طلب الفواتير، وبالتالي الحد من الاقتصاد غير الرسمي وتعزيز الامتثال الضريبي.

وتُظهر هذه التجارب أن مكافحة التهرب الضريبي لا تعتمد دائماً على تشديد العقوبات أو زيادة أعداد المفتشين، بل قد تنجح أيضاً عبر تصميم حوافز بسيطة تغيّر سلوك الأفراد بطريقة تحقق مصلحة الجميع.

 

ففي تايوان، لم تعد الفاتورة مجرد ورقة تثبت عملية شراء، بل أصبحت أداة ذكية تجمع بين الحافز المالي والشفافية الاقتصادية. وبدلاً من ملاحقة كل متجر بمفتش حكومي، نجحت الدولة في جعل ملايين المواطنين يطالبون بالإيصال طوعاً، لأن كل فاتورة تحمل احتمالاً للفوز.

ولهذا، لا يُنظر إلى "يانصيب الفواتير" اليوم بوصفه مجرد لعبة، بل باعتباره أحد أكثر الابتكارات نجاحاً في تاريخ السياسات الضريبية، ودليلاً على أن تغيير السلوك قد يكون أحياناً أكثر فاعلية وأقل كلفة من تشديد الرقابة التقليدية.