ثلاثة إعتبارات وراء تأجيل ترامب الضربة العسكرية لإيران

ثلاثة إعتبارات وراء تأجيل ترامب الضربة العسكرية لإيران

 

اتسحاق بريك** - إن قرار الرئيس دونالد ترامب تأجيل أو إلغاء ضربة عسكرية مخططة ضد إيران لا ينبع من تردد أو ضعف، بل من حساب بارد ودقيق للمخاطر في مقابل المكاسب. ويبدو أن ترامب، الذي بنى سياسته على مبدأ «أميركا أولاً»، يتصرف انطلاقاً من فهم عميق لثلاثة عوامل رئيسية تشكّل أساس قراراته.

حدود القوة الجوية وتغيير النظام

يدرك ترامب جيداً أن القوة الجوية، مهما تبلغ من التفوق، فإنها تبقى محدودة في قدرتها على إحداث تغيير سياسي جذري. فقد أثبت تاريخ الصراعات في الشرق الأوسط أن الضربات الجوية قادرة على تدمير البنى التحتية، لكنها كثيراً ما تؤدي في المقابل إلى توحيد الشعب حول قيادته في مواجهة «العدوان الخارجي». ويعي ترامب أن إسقاط نظام الملالي لا يمكن أن يتحقق بصورة مستدامة إلاَّ من داخل إيران نفسها، عبر اضطرابات داخلية وضغوط اقتصادية وانتفاضة شعبية، كما ظهر في الاحتجاجات التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة قبل أن تُخمد نتيجة القمع الدموي الذي مارسته قوات الحرس الثوري. وأي هجوم عسكري خارجي قد يخنق هذه الحركات الاحتجاجية ويمنح النظام شرعية متجددة.

الخشية من حرب إقليمية شاملة

يخيّم شبح التصعيد الإقليمي الواسع على أي قرار من هذا النوع، إذ يخشى ترامب أن يؤدي أي احتكاك عسكري مع إيران إلى إشعال سلسلة من المواجهات تمتد إلى العراق ولبنان وسورية وإسرائيل ودول الخليج، فقد يجرّ سيناريو كهذا الولايات المتحدة إلى حرب طويلة جديدة في الشرق الأوسط، وهو بالضبط ما تعهَّد ترامب أمام ناخبيه بتجنُّبه؛ فحرب كهذه لن تكلّف فقط أرواحاً وموارد هائلة، بل أيضاً ستلحق ضرراً بالغاً بمكانة الرئيس الدولية، وتُظهِره على أنه خرق أحد أهم وعوده الانتخابية.

الساحة الداخلية انتخابات التجديد النصفي وإجراءات العزل

يشكّل العامل السياسي الداخلي ركيزة أساسية في عملية صنع القرار داخل البيت الأبيض، ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يدرك ترامب أن خسارة الأغلبية في مجلس النواب ستمنح الحزب الديمقراطي الأدوات القانونية لبدء إجراءات عزله. كما أن أي هزة أمنية أو اقتصادية -كارتفاع حاد في أسعار النفط نتيجة حرب - قد تدفع الناخبين المترددين نحو الديمقراطيين وتُضعِف قاعدته الشعبية، وهو ما يشكّل تهديداً مباشراً على استمرار رئاسته.

الصدقية في مقابل البقاء السياسي

عند موازنة المعطيات، يتوصل ترامب إلى أن توجيه ضربة عسكرية إلى إيران يمثل مقامرة سياسية واستراتيجية هائلة؛ فإذا تحققت السيناريوهات المتشائمة، فقد يتعرض موقعه داخلياً ودولياً لانهيار حاد، وربما يفقد السلطة قبل نهاية ولايته.

صحيح أن هناك مَن يرى أن ترامب لا يريد أن يُذكر كرئيس سار على نهج سلفه باراك أوباما، الذي رسم «خطوطاً حمراء» ثم امتنع من تنفيذها، لكن أولويات ترامب تبدو مختلفة؛ ففي الميزان بين تضرُّر موقت في الصدقية وخطر العزل وربما فقدان الحكم، فإن ترامب يختار الخيار الأول، فمن وجهة نظره، يمكن ترميم الضرر الذي يلحق بالصورة عبر حملة إعلامية ناجحة أو إنجاز اقتصادي، أمَّا العزل أو فقدان السلطة، فهما نقطة اللاعودة التي لا يمكن التعافي منها.

** محرر في صحيفة  معاريف الإسرائيلية

ترجمة وإعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية