قاسم يصعّد ضد الدولة بينما المنطقة على حافة الانفجار
زياد سامي عيتاني - في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تشهد فيها إيران توتراً غير مسبوق مع واشنطن وتهديدات أمريكية بضربة عسكرية، اختار الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أن يصعّد لهجته الداخلية ويلوّح بالرد العسكري على إسرائيل. في كلمته السبت الماضي، رسم قاسم ملامح مرحلة جديدة من التوتر السياسي في لبنان، حيث تجاوزت تصريحاته حدود الخطاب السياسي المعتاد إلى مستوى المواجهة المباشرة مع مؤسسات الدولة.
هذا التزامن بين التصعيد اللبناني والتوتر الإيراني-الأمريكي ليس مصادفة. فحزب الله، المرتبط عضوياً بإيران، يبدو أنه يستبق أي تفاهمات إقليمية محتملة قد تهمّشه، أو يحاول تعزيز موقعه التفاوضي في مواجهة ضغوط داخلية وخارجية متزايدة. هذا الموقف يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين الحزب والسلطة الرسمية، وحول قدرة لبنان على تجاوز أزماته البنيوية دون أن يدفع ثمن التجاذبات الإقليمية.
•استهداف غير مسبوق لوزير الخارجية
في خطوة لافتة، شن قاسم هجوماً حاداً على وزير الخارجية يوسف رجي، متهماً إياه بالعمل “خلافاً لسياسة الحكومة والعهد”، بل وطالب الحكومة صراحة بـ”تغييره أو إسكاته أو إلزامه بالموقف اللبناني”.
هذا الموقف يتجاوز كونه مجرد انتقاد سياسي، فهو في جوهره محاولة لفرض وصاية مباشرة على عمل الحكومة واختياراتها. المطالبة علناً بإقالة وزير أو تكميمه تمثل تعدياً واضحاً على صلاحيات السلطة التنفيذية، وتعكس رفضاً لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يُفترض أن يكون أساس النظام الديمقراطي.
المفارقة أن هذا الهجوم يأتي في وقت تسعى فيه الحكومة لبسط سيطرتها وتعزيز دور الدولة.
تلويح بالتصعيد العسكري
على الصعيد الأمني، استخدم قاسم عبارة محملة بالدلالات: “لكل شيء حد”، في إشارة إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. هذا التصريح ليس مجرد تعبير عن الرفض، بل هو تلويح واضح باحتمال الرد العسكري.
الخطورة تكمن في أن هذا القرار المصيري بشأن السلم والحرب قد يُتخذ بمعزل عن إرادة الدولة ومؤسساتها. ففي حين تحاول الحكومة اللبنانية التعامل مع الملف الأمني وفق أطر قانونية ودبلوماسية، يُعيد الحزب التأكيد على امتلاكه القرار المستقل في هذا الشأن، ما يعني عملياً استمرار ازدواجية السلطة والقرار في لبنان.
هذا الواقع يضع البلاد أمام احتمال الانجرار إلى مواجهات عسكرية لم تقررها الدولة ولا تملك السيطرة على توقيتها أو مداها، ما يهدد الاستقرار الهش الذي يحاول اللبنانيون الحفاظ عليه.
السلاح خط أحمر لا يقبل النقاش
أما المحور الثالث في الكلمة، فكان التأكيد القاطع على بقاء “سلاح المقاومة” كضرورة وجودية. تساءل قاسم: “من يضمن عدم استباحة إسرائيل لكل بقعة من لبنان إذا لم يكن هناك سلاح للدفاع؟”
هذا الموقف يتعارض جذرياً مع التوجهات الرسمية نحو بسط سيطرة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الوطنية. إنه رفض صريح لمنطق الدولة الواحدة والسلاح الواحد، وتمسك بواقع القوة المسلحة الموازية التي تحتكر قرار الحرب والسلم.
المفارقة أن هذا الخطاب يأتي في وقت تتطلع فيه شرائح واسعة من اللبنانيين إلى دولة طبيعية قادرة على حماية حدودها عبر مؤسساتها النظامية، وتتعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق المصلحة الوطنية لا بحسابات المحاور الإقليمية.
رسائل متعددة الاتجاهات
لا يمكن قراءة خطاب قاسم بمعزل عن سياقه الأوسع. فهو يحمل رسائل واضحة لأطراف عديدة:
للداخل اللبناني، الرسالة هي أن حزب الله لن يقبل بأي تهميش لدوره أو تقليص لنفوذه السياسي والعسكري، مهما كانت الضغوط أو التطورات. وللقوى السياسية الأخرى، التأكيد على أن أي معادلات جديدة يجب أن تأخذ في الحسبان موازين القوة القائمة.
أما على الصعيد الخارجي، فالرسالة موجهة لكل الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالملف اللبناني، أي تسوية سياسية أو أمنية لا يمكن أن تتم دون موافقة الحزب أو تجاوزاً لمصالحه الاستراتيجية.
هذه الرسائل تعكس قراءة الحزب للحظة الراهنة، وتصوره لميزان القوى القائم، وثقته بقدرته على فرض شروطه رغم التحديات الداخلية والخارجية المتزايدة.
تصعيد في ظل توتر إقليمي متصاعد
يكتسب خطاب قاسم بعداً إضافياً خطيراً في سياق التوتر الأمريكي-الإيراني المتصاعد. فالتلويح بالرد على الاعتداءات الإسرائيلية يأتي في لحظة حرجة شهدت فيها المنطقة احتمالاً حقيقياً لضربة عسكرية أمريكية ضد إيران.
رغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن تراجعه المؤقت عن توجيه ضربة عسكرية لإيران بعد وقف تنفيذ أحكام الإعدام بحق مئات المحتجين، إلا أن التقارير الأمريكية تؤكد أن الاستعدادات العسكرية لا تزال مستمرة. البنتاغون يعد خيارات عسكرية متعددة، والبيت الأبيض يؤكد أن “جميع الخيارات مطروحة على الطاولة”.
هذا التوتر الإقليمي يجعل من أي تصعيد لبناني-إسرائيلي احتمالاً أكثر خطورة. فلبنان قد يجد نفسه ساحة مواجهة في حرب إقليمية أوسع لم يخترها ولا يملك القدرة على السيطرة على تداعياتها. التلويح بـ”لكل شيء حد” في هذا التوقيت بالذات، يضع البلاد على حافة الهاوية.
المفارقة أن تريث ترامب نفسه جاء بسبب عدم قدرة مستشاريه على ضمان عدم تصعيد إيراني واسع، وعدم كفاية التعزيزات العسكرية الأمريكية في المنطقة للحماية من رد إيراني محتمل. فإذا كانت الولايات المتحدة بكل قوتها تتردد في ضرب إيران خوفاً من التصعيد، فكيف يمكن للبنان أن يتحمل عواقب مواجهة قد تشعلها قرارات أحادية الجانب؟
ثلاث احتمالات
يكشف خطاب نعيم قاسم عن معادلة معقدة تحكم المشهد اللبناني الراهن: حزب يرفض التخلي عن سلاحه ونفوذه، ودولة تحاول بسط سيطرتها، وإقليم يغلي على نار التوتر الأمريكي-الإيراني. هذا التقاطع الخطير يضع لبنان أمام ثلاثة احتمالات لا رابع لها:
-الاحتمال الأول: استمرار الوضع الراهن: دولة ضعيفة، وحزب قوي، وقرارات سيادية مشلولة. هذا السيناريو يعني المزيد من الانهيار الاقتصادي والسياسي، وتعميق فقدان الثقة بالمؤسسات.
-الاحتمال الثاني: هو الانجرار إلى مواجهة عسكرية، سواء عبر تصعيد مع إسرائيل أو كنتيجة لضربة أمريكية لإيران تشعل المنطقة بأسرها. هذا السيناريو كارثي، وسيدفع اللبنانيون ثمنه غالياً، كما دفعوا في كل الحروب السابقة.
-الاحتمال الثالث: هو تسوية سياسية شاملة تعيد تعريف دور الحزب ضمن الدولة، وتحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الوطنية. لكن هذا السيناريو يبدو الأبعد عن التحقق في ظل الاستقطاب الحاد والتمسك بالخطوط الحمر من جميع الأطراف.
ما يجمع بين هذه السيناريوهات الثلاثة هو أن لبنان لم يعد يملك ترف الوقت. التحديات الاقتصادية الخانقة، والضغوط الدولية المتزايدة، والتوتر الإقليمي المتصاعد، كلها تفرض على اللبنانيين خيارات صعبة: إما بناء دولة حقيقية قادرة على حماية مواطنيها واتخاذ قراراتها السيادية، أو الاستمرار في منطق القوى المتصارعة والارتهان للخارج.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook