رهان السيادة الأوروبي في مواجهة عقيدة ترامب العسكرية
نستراك - قرار الإدارة الأمريكية خفض قواتها في ألمانيا بنسب كبيرة قد تتجاوز الأرقام المعلنة سابقاً ليس مجرد إجراء يعتبره المراقبون عقابياً ضد برلين بسبب انتقاد المستشار فريدريش ميرز للحرب في إيران، بل هو أدخل حلف الناتو نفقاً فيه الكثير من التساؤلات التي لم يشهدها منذ توقيع معاهدة واشنطن في عام 1949، وباتت ثوابت الأمن التي استقرت بين أعضائه لنحو ثمانية عقود في مهب الريح.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدا بكل جدية أنه يعمل لتنفيذ دقيق لرؤية "أميركا أولاً" التي كرسها في وثيقة الدفاع الوطني لعام 2026. هذه الوثيقة نصّت صراحة على أن الحلفاء في أوروبا، باتوا يملكون من الموارد ما يكفي لحماية أنفسهم، ويجب أن يتحملوا مسؤولية الدفاع عن أنفسهم بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة ودافعي الضرائب فيها، وأن الدعم الأمريكي سيكون أساسياً ولكن محدوداً. الولايات المتحدة لم تعد تعتبر القارة الأوروبية الساحة الرئيسية للصراع العالمي، بل نقلت ثقلها بوضوح نحو ردع الصين وروسيا وحماية "الحدود الوطنية" التي قد تمتد لتشمل كامل الأميركيتين بما فيها كندا وبنما وصولا إلى غرينلاند.
لفهم خطورة هذه اللحظة، يجب العودة إلى جذور العلاقة التي تأسست عقب الحرب العالمية الثانية، حيث قدمت واشنطن الحماية العسكرية المطلقة عبر الوجود التقليدي والمظلة النووية، مقابل ولاء سياسي وتنسيق كامل يضمن تماسك ومتانة المعسكر الغربي ضد المد السوفياتي. وعلى مدار عقود، بقيت ألمانيا قلعة اساسية لهذا التحالف، وتحولت القواعد الأمريكية فيها منذ عام 1945 إلى ركائز للاستقرار في القارة الأوروبية. اليوم، تدرك واشنطن أن التهديد الصيني في المحيط الهادئ يتطلب حشداً عسكرياً وتكنولوجياً فتبدأ انسحاباً تدريجياً من أوروبا لإجبار دولها على تحمل فاتورة أمنهم بالكامل.
لكن التحدي الحالي يتجاوز خفض أعداد الجنود؛ فالمعلومات تشير إلى أزمة تتعلق بالقدرات النوعية، مع تراجع واشنطن عن خطط نشر أنظمة صاروخية بعيدة المدى، مثل "توماهوك"، وتبرّر الدوائر العسكرية الأمريكية هذا التراجع بالانخراط في جبهات متعددة، وهذا ما قد يترك أوروبا في حالة "انكشاف إستراتيجي" أمام جارها الروسي، وفي نفس الوقت في مواجهة فراغ أمني مخيف يهدد وحدة الناتو، وقد يدفع دول كبولندا ودول البلطيق، للبحث عن صفقات أمنية ثنائية مع واشنطن بعيداً عن غطاء الاتحاد الأوروبي، مما يعمق الانقسامات الداخلية بين دول تطالب بالسيادة الإستراتيجية مثل فرنسا، ودول أخرى لديها الهواجس من فكرة رحيل المظلة الأمريكية.
وفي هذا السياق، تدرس عواصم أوروبية جدياً إمكانية بناء "قوة ردع أوروبية خالصة" تعتمد على توسيع المظلة النووية الفرنسية، وتتحرك بروكسل وبرلين بصمت لصياغة هيكلية جديدة قد تكون هي "الناتو الأوروبي". هذه الخطة لو اكتملت فهي تستوجب البدء الفوري في توحيد وتكامل الصناعات الدفاعية لإنتاج أنظمة مضادة للصواريخ وطائرات جيل سادس، شبحية ومتطورة وتعتمد على الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لقطع غيار أو برمجيات أمريكية.
ومع ذلك، فإن هذه الطموحات تصطدم بعقبات البيروقراطية واختلاف المصالح القومية، مما يجعل الطريق نحو الاستقلال العسكري مليئاً بالأشواك.
أما اقتصادياً، فستكون التبعات قاسية وممتدة؛ فالتحول نحو "اقتصاد الحرب" يعني بالضرورة اقتطاع مبالغ ضخمة من ميزانيات الرفاهية والتعليم والتحول الأخضر لصالح التصنيع العسكري. وتشير الدراسات الاقتصادية لعام 2026 إلى أن سحب كل جندي أمريكي يؤدي تاريخياً إلى فقدان وظائف محلية في قطاعات الخدمات والعقارات المحيطة بالقواعد، مما قد يدخل مناطق ألمانية بأكملها في حالة من الكساد. علاوة على ذلك، فإن شعور المستثمرين بضعف الاستقرار الأمني قد يؤدي إلى "هروب الرساميل" نحو الأسواق الأمريكية الأكثر أماناً، مما يضعف قيمة اليورو ويزيد من معدلات التضخم في وقت تحاول فيه القارة التعافي من أزمات الطاقة.
إننا نعيش اليوم "لحظة الحقيقة" للقارة العجوز؛ فقرار الرئيس ترامب ليس مجرد نزوة سياسية عابرة، بل هو جرس إنذار يعلن انتهاء حقبة كانت فيها أوروبا "محمية دولية". الخيار الآن يتمثل في قدرة القارة على تحويل هذه الصدمة إلى "ولادة ثانية" لقوتها العسكرية والسياسية، والارتقاء إلى مستوى قطب عالمي يحمي مصالحه بقوته الذاتية. إن العلاقة التي بدأت بـ "خطة مارشال" لترميم دمار الحرب العالمية الثانية وصلت إلى مرحلة النضج الإجباري، والنجاح في هذا الاختبار هو الضمانة الوحيدة لعدم تحول أوروبا إلى ساحة تجاذب بين القوى العظمى الصاعدة، وفقدان سيادتها التي ناضلت طويلاً لاستعادتها في عالم لا يعترف إلا بلغة القوة والمصالح المباشرة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook