ترامب يُعلن الحرب على الشيوعيين الجدد في الولايات المتحدة

ترامب يُعلن الحرب على الشيوعيين الجدد في الولايات المتحدة

 

 

نبيل شحاده - عشية الاحتفالات بالذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة، أطلّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخطاب عند جبل راشمور في ولاية ساوث داكوتا ​حيث نُحتت وجوه ‌أربعة رؤساء أميركيين. لم يكن حضوره عادياً، ولم يكن خطابه تقليدياً، بل بدا كإعلان حرب باردة داخلية، فحذّر ترامب من "عودة الخطر الشيوعي في أراضينا"، ووصفه بأنه "تهديد مميت للحرية الأميركية" يتجاوز في خطورته أعداء الخارج. هذا الخطاب طرح تساؤلات جوهرية حول أهداف هذا التصعيد، وما إذا كانت الولايات المتحدة تقف على أعتاب حقبة سوداء جديدة تشبه تلك التي عاشتها في منتصف القرن الماضي.

 

لفهم أبعاد تصريحات ترامب، لا بد من العودة إلى الذاكرة السياسية الأميركية، لا سيما حقبة "المكارثية" في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين. ففي ظل التوتر المتصاعد مع الاتحاد السوفيتي، استغل عضو مجلس الشيوخ الأميركي جوزيف مكارثي حالة القلق والخوف العام من تسرّب المفاهيم الشيوعية إلى داخل الولايات المتحدة، فأطلق حملة شعواء لتطهير المؤسسات الأميركية ممن افترض أنهم شيوعيون، عبر حملات ممنهجة مارس فيها القمع السياسي والاجتماعي، ووجّه اتهامات بالخيانة والعمالة دون أدلة كافية، مما ساهم في زعزعة الاستقرار العام، وسقوط سيادة القانون وتجاوز الضمانات الدستورية. وأدى أيضاً إلى تدمير الحياة الوظيفية لآلاف الأبرياء، كما وضع قيوداً صارمة على حرية التعبير في الولايات المتحدة. لم تنتهِ تلك الحقبة إلا بتدخل المحكمة العليا في عام 1957، التي أصدرت سلسلة من الأحكام الحاسمة التي قيدت سلطات الحكومة ولجان التحقيق، وأعادت الاعتبار للدستور الأميركي.

 

ويأتي توظيف ترامب لمصطلح "الشيوعية" اليوم في سياق سياسي لا يهدف إلى محاربة دولة أجنبية كما كان الحال في الحرب الباردة، بل يستهدف خصوماً في الداخل على شقين:

الأول يتعلق بالتصويب على الجناح التقدمي والتيار اليساري الصاعد داخل الحزب الديمقراطي، والذي يريد إعادة تشكيل هوية الحزب والالتزام أكثر بالمسار اليساري والمطالبة بتغييرات هيكلية جذرية في الاقتصاد والمجتمع الأميركي، فيستغل ترامب طروحاتهم لوسم الحزب بأكمله بالشيوعية والتطرف، وشيطنة أي سياسات اجتماعية واقتصادية مثل الرعاية الصحية الشاملة وتوزيع الثروة باعتبارها خطراً وجودياً.

أما الشق الثاني وهو الأخطر، فيتمثّل في توسيع دائرة الاتهام لتشمل المهاجرين صراحةً. فقد حذر ترامب قائلاً: "هناك الآن عودة لظهور الخطر الشيوعي في أراضينا، بما في ذلك من الوافدين الجدد إلى بلدنا الذين يتبنون أفكاراً تتعارض تماماً مع أسلوب حياتنا ونجاحنا ​العظيم. لن نسمح بحدوث ذلك". هذا الربط الصريح بين الشيوعية والوافدين يمنح رؤيته بعداً ديموغرافياً وأمنياً شديد الحساسية؛ فهو لا يكتفي بمهاجمة الخصوم السياسيين، بل يعتبر المهاجرين "طابوراً خامساً" يهدد الهوية الوطنية من الداخل.

هذا التكتيك الذي يعتمده ترامب يستثمر في المخاوف الثقافية المسيطرة على القاعدة الانتخابية المحافظة، ويحوّل صندوق الاقتراع وموقفه المتشدد من الهجرة إلى خط الدفاع الأخير لإنقاذ أميركا من الأفكار المستوردة والهدامة، حسب ادعاءاته.

 

هنا، يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع عما إذا كان ترامب يمهّد لحملات شبيهة بحملات جوزيف مكارثي، مع الإشارة إلى ضرورة التمييز بين النوايا الشخصية والأطر القانونية التي تحكم الولايات المتحدة.

من حيث الخطاب، يتبنى ترامب فعلاً نسخة حديثة من إثارة الرعب من خطر أحمر مزعوم، فيربط معارضة الحزب الديمقراطي والوافدين معاً بالخيانة، ويلمّح إلى رغبة واضحة في تطويع القوانين لخدمة غايات أيديولوجية ذات نفس إقصائي من خلال قوله " لن نسمح بحدوث ذلك". وإذا فشل في التلاعب بالقوانين فقد يلجأ إلى خيارات أخرى ومنها منح الضوء الأخضر لمتطرفي اليمين وميليشياتهم لشن حملات ترهيب أو مقاطعة ضد أفراد ومؤسسات أو حتى مناطق تجمّع المهاجرين، ما يخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار تضرب صلب النسيج الاجتماعي دون الحاجة لتشريع قانوني، وهو ما سيشكّل خطراً أكبر من "الخطر الأحمر" نفسه، ألا وهو التآكل التدريجي لسيادة القانون وانهيار عوامل تماسك المجتمعات الأميركية ذات التنوّع المعقّد.