المحامي نبيل الحلبي: التغيير الإقليمي يُسقط "حلف الأقليات" و"المجلس الوطني الإسلامي" رافعة لاستعادة التوازن المفقود

المحامي نبيل الحلبي: التغيير الإقليمي يُسقط "حلف الأقليات" و"المجلس الوطني الإسلامي" رافعة لاستعادة التوازن المفقود

 

نستراك - في مرحلة شديدة التعقيد يعيشها الداخل اللبناني، يبرز التهميش السياسي واختلال ميزان العدالة كأحد أخطر التحديات التي تواجه المكون الإسلامي السُني. ولفهم طبيعة هذا المشهد المأزوم وجذوره، يفكك الرئيس التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط للسياسات في أنقرة المحامي نبيل الحلبي مسار الاستهداف الممنهج الذي طال الشارع السني، مقدماً قراءة تحليلية شاملة تبدأ من أزمة المرجعيات الدينية وانكفائها، مروراً بتأسيس "المجلس الوطني الإسلامي" كإطار إنقاذي، وصولاً إلى ملفي المعتقلين وقانون العفو. ولا يغفل الحلبي الانعكاسات الاستراتيجية العميقة للتحولات في سوريا، والتي يرى فيها فرصة تاريخية لتفكيك مراكز النفوذ التي أرساها "حلف الأقليات" في لبنان.
 

أزمة دار الفتوى: مسار متراكم من التحجيم والانكفاء

يضع المحامي نبيل الحلبي أزمة المرجعية الدينية السنية في سياقها التاريخي والسياسي، مؤكداً أنه لا يمكن فصل أداء "دار الفتوى" وحراكها في أي قضية عن سلسلة الضغوطات القاسية التي تعرضت لها. ويوضح أن هذا المسار بدأ بشكل فعلي وعميق عقب اغتيال المفتي الشهيد حسن خالد، حيث انطلقت عملية ممنهجة لتحجيم مقام دار الفتوى وسلخها عن دورها الوطني والتاريخي.

ويشير الحلبي إلى أن هذا المسار تُوج بالذهاب نحو انتخاب مفتٍ يراعي "الواقعية السياسية" والمشهد الإقليمي المستجد آنذاك، مما أدى عملياً إلى انعزال الدار عن تبني الحقوق السنية، لا سيما في المرحلة التي كان فيها الشارع السني يعارض بشدة الواقع الإقليمي المحيط، والمتمثل بنظام الأسد البائد ووصايته الأمنية والسياسية على لبنان.

ويلفت إلى أن المنظومة الحاكمة تعمدت تمرير قانون خاص لانتخاب مفتي الجمهورية، وصياغة تركيبة الهيئة الناخبة بطريقة تضمن إنتاج شخصية جديدة غير صدامية. وكان الهدف من ذلك، بحسب الحلبي، إيجاد مرجعية دينية تراعي المنظومة السياسية التي شكلت جزءاً لا يتجزأ من نظام "الشيعية السياسية" الآخذ في التمدد منذ اغتيال المفتي خالد.

ولمواجهة هذا الخلل والعدالة الانتقائية الممارسة ضد السنّة، يشدد الحلبي على أن استعادة التوازن السياسي تتطلب وحدة صف شاملة من النخب السنية (السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية)، تبدأ من توحيد القواعد والكلمة، لتنتقل نحو تشكيل قوة ضاغطة وداعمة للمرجعيات السياسية والدينية. الهدف من ذلك هو دفع هذه المرجعيات لاتخاذ مواقف صلبة تعيد التوازن وتجبر الضرر الذي لحق بالسنّة جراء عقود من التهميش والاضطهاد الممنهج الذي مارسته قوى "حلف الأقليات"، والذي أحكم قبضته على السلطة، خصوصاً بعد صفقة التسوية التي أوصلت ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية عام 2016.
 

"المجلس الوطني الإسلامي": مشروع تأطير لا تيار سياسي

في مواجهة هذا الواقع، يبرز تأسيس "المجلس الوطني الإسلامي". يوضح الحلبي أن هذه الخطوة هي محاولة جادة لبناء قاعدة ضغط وتأطير لطاقات أهل السنة في لبنان عبر نخبهم في كافة المجالات، ليتمكن الشارع السني من قيادة مبادرات فعلية لاستعادة توازنه.

ويكشف الحلبي أن فكرة المجلس مستوحاة بالاسم من "اللقاء الوطني الإسلامي" الذي كان يترأسه المفتي الشهيد حسن خالد. ويشدد على أن المجلس هو إطار جامع وليس تياراً سياسياً جديداً يُضاف إلى زحمة التيارات الموجودة، وهو يرفض الدخول في زواريب الانتخابات أو الخلافات الضيقة. ورغم أن بعض أعضائه قد يتنافسون في الانتخابات، إلا أن المجلس كمؤسسة لا يتبنى مرشحاً ضد آخر.

وقد حدد الحلبي خمسة أهداف استراتيجية يسعى المجلس لتحقيقها:

  1. معالجة ملف الموقوفين الإسلاميين: العمل على إيجاد حل جذري يُنهي هذا الملف بالكامل، والضغط لوقف العمل بـ "لوائح الإخضاع" و"وثائق الاتصال" التي تُستخدم لاعتقال الشباب السني بناءً على شبهات ضعيفة.
  2. استعادة الحق في الوظيفة العامة: التصدي للمجزرة الحقيقية التي تعرض لها الحضور السني في مؤسسات الدولة، والعمل على استعادة هذا الحق الدستوري الذي فُقد بفعل التهميش.
  3. تحقيق الإنماء المتوازن: إنهاء حالة الحرمان التي تُعاني منها المناطق السنية، والتي تُنتج البطالة والهجرة والجرائم، وتُحول هذه المناطق إلى بيئة خصبة وحقل تجارب لاستهدافها أمنياً.
  4. دعم المرجعيات السياسية والدينية: يهدف المجلس إلى خلق "جبل من المواقف الصلبة" التي يمكن لرئيس الحكومة ومفتي الجمهورية الاستناد إليها ليكونا رأس حربة في الدفاع عن الشارع السني، مما ينزع عنهما أي مبرر للضعف أمام الخصوم. ويمتد هذا الهدف ليشمل الضغط لإصلاح نظام انتخاب دار الفتوى ونظام الأوقاف، وصولاً إلى استبدال المفتي إن لزم الأمر.
  5. التكامل مع البعد الإقليمي: التأكيد على أن الواقع السني اللبناني هو امتداد طبيعي للعمق العربي والإسلامي، مع الرفض القاطع لتحويل لبنان إلى قاعدة أو منصة عدوانية تستهدف أي جهة عربية أو إسلامية.

ويعرب الحلبي عن ثقته بأن المجلس قادر على إحداث خرق كبير إذا ما التزم بتحقيق هذه الأهداف، مشيراً إلى أن العامل النفسي الضاغط على أهل السنّة قد زال، والأصوات السنية بدأت ترتفع بجرأة، مما يجعل من المجلس مبادرة رائدة جاءت في ظروف إقليمية وداخلية مؤاتية للنهوض، بخلاف مبادرات سابقة وُلدت ناقصة.

 

القضاء العسكري ووثائق الاتصال: أدوات لإخضاع الشارع المعارض

في مقاربته الحقوقية للملف القضائي والأمني، يؤكد الحلبي أن التفاوت الصارخ في الأحكام الموجهة ضد "الموقوفين الإسلاميين" مقارنة بالتعامل المرن مع المتورطين بجرائم الفساد أو العمالة، يعود بشكل أساسي إلى توظيف القضاء ــ ولا سيما المحكمة العسكرية ــ كأداة سياسية. ويوضح أن "الثنائي الشيعي" وحليفه العوني استخدما هذه المؤسسات على مدار سنوات لضرب السنّة المعارضين لنظام الأسد و"حزب الله" وتدخله في الحرب السورية. ويؤكد أن هذا الخلل مستمر لوجود مراكز قوى تابعة لهذين التحالفين داخل مؤسسات الدولة.

ويُفصل الحلبي في معضلة "التوقيف الاحتياطي" و"وثائق الاتصال"، مشيراً إلى أن مجلس الوزراء برئاسة تمام سلام في عام 2014 كان قد أصدر قراراً بإبطال هذه الوثائق. إلا أن استمرار العمل بها حتى اليوم، ورفض رئيس الجمهورية جوزاف عون إيقافها، يُردّ إلى نفوذ مراكز القوى العونية والثنائي الشيعي التي لا تزال تتحكم بالأجهزة الأمنية وتستخدم "لوائح الإخضاع" لاستهداف الشباب السني المعارض.

ويكشف الحلبي عن بُعد جديد وخطر لهذا الملف؛ إذ يلفت إلى رصد "هجمة ارتدادية" داخل لبنان بعد التغييرات التي عصفت بسوريا، حيث انطلقت حملة استباقية ضد سنّة لبنان لمحاولة تثبيت الأمر الواقع، والاحتفاظ بمراكز النفوذ والقوة داخل أروقة استخبارات الجيش والقضاء العسكري والأجهزة الأمنية، في مسعى لتشكيل قوى معادية للشارع السني.
 

قانون العفو: الشارع السني يسبق قياداته ويجهض المقايضة

وحول ملف قانون العفو العام الذي يخضع دائماً للابتزاز، يشير الحلبي إلى المحاولة الأخيرة لتمرير مشروع عفو مشوه ومفخخ، كان يهدف إلى استثناء الشيخ أحمد الأسير وعدد من الموقوفين الإسلاميين، مقابل تشريع الأبواب لإطلاق سراح الفارين إلى إسرائيل وتجار المخدرات والمتورطين في جرائم زراعة الممنوعات.

ويؤكد الحلبي أن إسقاط هذا المشروع شكل علامة فارقة؛ فقد توحد الشارع السني الممتد من صيدا إلى بيروت، وصولاً إلى الشمال والبقاع، منتفضاً ضد هذه المقايضة. واعتبر أن هذه الخطوة أثبتت أن الشارع السني قد سبق النواب والوزراء والقيادات التقليدية، وفرض قراره بقوة، مما يُنذر بتبدل الوعي السني بشكل ملموس. وللخروج من هذه الحلقة التي أقفلها تعنت مراكز القوى، يرى الحلبي أن الملف ينتظر نضوج الواقع السياسي اللبناني بفعل التأثيرات الإقليمية، حيث جرت العادة في لبنان أن تُطوى المراحل المأزومة بإصدار عفو عام يفتح صفحة جديدة.
 

"سوريا الجديدة": القوة الناعمة وسقوط وكلاء التهميش

في قراءته للمشهد الإقليمي وانعكاساته على لبنان، يتناول الحلبي التساؤلات حول الدور المرتقب لـ "سوريا الجديدة" برئاسة أحمد الشرع. ويستبعد الحلبي تماماً إمكانية التورط العسكري السوري في الداخل اللبناني لضرب "حزب الله"، معتبراً أن دخول قوات سورية لن يحل المشاكل بل سيعقدها.

في المقابل، يرى أن هناك توافقاً دولياً وإقليمياً يدفع باتجاه منح الإدارة السورية الجديدة دوراً سياسياً في لبنان يستند إلى "القوة الناعمة". ويوضح أن النظام الإقليمي الجديد متضرر من أزمة الإدارة المزمنة في لبنان التي تعطل سحب السلاح وتعرقل التعافي الاقتصادي. لذا، تُطرح مقاربة إحالة الملف اللبناني للإدارة السورية لترعى طاولة حوار بين القوى اللبنانية وتمارس تأثيراً سياسياً قادراً على تفكيك حالات الاستعصاء.

ويختم الحلبي بالتأكيد على الانعكاس الإيجابي المباشر لهذا التحول على الشارع السني اللبناني؛ فسقوط نظام الأسد ــ الذي رعى حلفاً أمنياً وسياسياً متماهياً مع النفوذ الإيراني لضرب السنّة ــ شكل تغييراً جيوسياسياً أراح الشارع وأطلق العنان لأصوات تطالب بإنهاء عقود من الاضطهاد. ويعتبر أن صعود إدارة الشرع يمثل حافزاً استراتيجياً للقوى السيادية السنية لأخذ المبادرة محلياً، والتماهي مع تغييرات المنطقة، عبر العمل الجاد لاستعادة التوازن وتفكيك مراكز القوى التي أرساها "حلف الأقليات" ونظام "الشيعية السياسية" في لبنان.