العراق: تفكيك شبكات الفساد أم تجفيف لشرايين النفوذ الإيراني؟
نستراك - شهدت العاصمة العراقية بغداد وعدة محافظات، فجر الأحد، حملة أمنية مباغتة هي الأوسع نطاقاً منذ سنوات، طالت ما لا يقل عن 20 شخصية من كبار المسؤولين، والبرلمانيين، ورجال الأعمال، وقيادات سياسية بارزة في الحكومة السابقة.
العملية التي نفذتها قوات النخبة في جهاز مكافحة الإرهاب، بالتنسيق مع وحدة العمليات الخاصة المرتبطة مباشرة برئيس الوزراء علي الزيدي، بدأت بإغلاق كامل للمنافذ السيادية للمنطقة الخضراء المحصنة وفرض حظر للتجوال، تلاه دهم لقصور ومقار تابعة للمستهدفين بعد رفع الحصانة البرلمانية قانونياً وقضائياً عن النواب المتورطين.
واجهة مكافحة الفساد والخلفيات الاقتصادية
وفقاً لمصادر سياسية وأمنية رفيعة المستوى، فإن التحقيقات المسبقة التي قادت إلى هذه الاعتقالات تركزت في ثلاثة قطاعات سيادية: النفط، الكهرباء، وقطاع الاستثمار، حيث كشفت السجلات عن تلاعب واختلاس مبالغ ضخمة تُقدر بمليارات الدولارات كانت تُهدر عبر عقود وهمية ومشاريع استثمارية صورية.
وفي بلد يعاني من تصاعد معدلات الفقر والبطالة، استقبل الشارع العراقي الخطوة بمزيج من الترقب والحذر، بينما يرى مراقبون للشأن العراقي أن الحملة تتجاوز الإطار المحلي لمكافحة الكسب غير المشروع، لتأتي استجابة مع استراتيجية دولية وإقليمية أوسع تهدف إلى إعادة صياغة توازنات القوة في بلاد الرافدين.
تجفيف الشرايين المالية: محاصرة النفوذ الإيراني
منذ الغزو الأميركي وسقوط نظام الرئيس صدام حسين عام 2003، استغلت طهران الفراغ الأمني والسياسي لنسج شبكة نفوذ معقدة ومتجذرة في مفاصل الدولة العراقية. ولم يقتصر هذا التغلغل الإيراني على الجانب الأمني والعسكري عبر دعم وتأسيس فصائل مسلحة تدين لها بالولاء العقائدي والسياسي، بل امتد بشراسة ليشمل هيمنة اقتصادية وتجارية واسعة. ونجحت طهران على مدار عقدين في رعاية طبقة سياسية واقتصادية ومالية نافذة، وفّرت الغطاء التشريعي والتنفيذي لتسهيل تمرير مصالحها، مما جعل بعض مؤسسات الدولة الخدمية والاقتصادية بمثابة إدارات خلفية لتمويل تلك الأذرع الموازية للدولة.
أمام هذا التجذر العميق، تأتي الحملة الأمنية الحالية متزامنة مع ضغوط أميركية ودولية غير مسبوقة على بغداد لفك هذا الارتباط العضوي. ويربط محللون سياسيون توقيت الاعتقالات، ونوعية الشخصيات المستهدفة، بخطة استراتيجية أميركية تهدف إلى محاصرة أذرع طهران في العراق عبر مسارين:
الأول، ويتمثّل في الخنق المالي والمصرفي، ومنه فرض قيود صارمة على تدفقات الدولار من مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نحو البنك المركزي العراقي، لتتبع ومصادرة الأموال التي تُهرب أو تُستخدم عبر واجهات اقتصادية لتمويل أنشطة فصائل مسلحة.
الثاني، ويأتي في شكل إقصاء النخبة الموالية، وتظهر في ضرب الغطاء السياسي والتنفيذي الذي كانت تتمتع به بعض الجماعات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، مما يعني تجفيف منابع تمويلها الذاتي من مخصصات الوزارات السيادية.
حصر السلاح وترتيبات أمنية غير معلنة
تتزامن الضربات المالية والسياسية مع ترتيبات وضغوط دولية غير معلنة تضع الحكومة العراقية أمام خيار واحد: حصر السلاح بيد الدولة وتفكيك المنظومات المسلحة الموازية.
هذه الضغوط بدت واضحة في الانقسام الأخير داخل الفصائل المسلحة في العراق، حيث أبدت بعض الأطراف مرونة في دمج عناصرها أو تسليم مقارها، في حين تبدي فصائل أخرى مثل كتائب حزب الله والنجباء وكتائب سيد الشهداء ممانعة كبيرة، ولا ترى مشكلة في الانزلاق إلى حرب داخلية.
تأسيساً على ذلك، يُنظر إلى إسناد مهمة الاعتقالات الحالية لجهاز مكافحة الإرهاب الذي يحظى بتدريب ودعم استخباراتي أميركي وثيق، كرسالة حاسمة بأن الدولة مستعدة للذهاب إلى خيارات أمنية مباشرة لعزل الشبكات المالية والسياسية الداعمة للفصائل الرافضة للانصياع، وتجريدها من نفوذها الاقتصادي قبل أي مواجهة ميدانية محتملة.
سياق إقليمي: من دمشق وبيروت إلى بغداد
ولا يمكن قراءة ما يجري في العراق اليوم بمعزل عن سياق إقليمي أوسع؛ إذ يجمع مراقبون على أن هذه الإجراءات الصارمة تمثل امتداداً لقرار دولي وتوافق إقليمي غير معلن يهدف إلى إنهاء حقبة الميليشيات الموالية لإيران وأدواتها المالية في عموم منطقة الشرق الأوسط.
هذا المسار الاستراتيجي، الذي بدأ فعلياً في سوريا عبر توجيه ضربات منهجية دمرت البنى التحتية وخطوط الإمداد لتلك الجماعات، امتد لاحقاً إلى لبنان من خلال تشديد الخناق ومحاصرة النفوذ العسكري والمالي لحزب الله، ليحط رحاله اليوم في العراق. وبذلك، تصبح العاصمة بغداد الحلقة الأحدث في استراتيجية متكاملة لاجتثاث هذه الكيانات المسلحة وتفكيك أدواتها وأمبراطورياتها المالية التي طالما قوضت سيادة الدول.
هذا التصعيد يضع البلاد أمام تقاطع طرق تاريخي: فإما أن تنجح بغداد في استعادة قرارها السيادي بالكامل وتعود للاندماج في المنظومة الدولية، أو الانزلاق نحو صدام مفتوح لإنهاء ما تبقى من هذا النفوذ الإيراني المحاصر.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook