من بيروت كانت البداية: كيف صنع الصمت العربي الوحش الإيراني؟

من بيروت كانت البداية: كيف صنع الصمت العربي الوحش الإيراني؟

 

نبيل شحاده - في صباح الثاني من كانون الثاني / يناير من عام 1980، وبدعوة من منظمة التحرير الفلسطينية، اجتمع عدد كبير من مراسلي ومصوري الصحف المحلية والعالمية في فندق بشارع الحمراء في بيروت، بانتظار وصول حجة الإسلام محمد منتظري، أحد أهم الشخصيات الإيرانية المكلفة بتصدير أفكار وأيديولوجية ثورة الخميني إلى الخارج. وصل منتظري إلى بيروت متحدياً قراراً لبنانياً رسمياً برفض منحه تأشيرة دخول إلى الأراضي اللبنانية، وبسبب ضغوط واتصالات، تم الاكتفاء بنقل المؤتمر الصحفي إلى منطقة الجامعة العربية في الطريق الجديدة، حيث لا سلطة ولا دولة، وكانت تُعتبر العاصمة الفلسطينية في بيروت.

كان المؤتمر إعلاناً تاريخياً صريحاً عن ولادة مرحلة جديدة من الاختراق الإيراني الإقليمي السافر لدول المنطقة، حيث أطلق منتظري عبارته الشهيرة: "المناضلون الإيرانيون قادمون إلى لبنان دون تأشيرات دخول... ونحن لا نحترم القوانين الدولية التي وضعها المستعمرون". لم يكن منتظري يتحدث بلسان مفكر صاحب رؤية، بل بلسان دولة أيديولوجية ناشئة ترى في الحدود الجغرافية للدول العربية مجرد عقبات وهمية يجب اختراقها وإزالتها بدءا من لبنان الذي رسّخ هذا الحدث مسار تحوّله من دولة مستقلة ذات سيادة إلى "مساحة مفتوحة للقتال" وساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، من خلال تهميش السلطة الشرعية لصالح بناء مكوّن عقائدي مسلح داخل الطائفة الشيعية، ينقض على الكيان اللبناني بأسره، مغيّراً صفته من "سويسرا الشرق" إلى منصة ورأس حربة للمشروع الإيراني. وقد اعترف السفير الإيراني السابق في بيروت فخر روحاني، بذلك عندما أكد في عام 1984، أن "لبنان يشكل خير أمل لتصدير الثورة الإسلامية".

 

انطلقت الاستراتيجية الإيرانية من استغلال الفراغ الناجم عن الحرب الأهلية اللبنانية، ثم نتائج وتداعيات الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، فنجح الحرس الثوري الإيراني في تأسيس نواة "حزب الله" كذراع عسكرية وعقائدية ترتبط هيكلياً وتنظيمياً بالولي الفقيه مباشرة في طهران.

وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، نجح هذا التمدد عبر خطة مرحلية اعتمدت على النقاط الآتية:

بناء الدويلة داخل الدولة: من خلال إنشاء شبكات أمنية واقتصادية واجتماعية وصحية موازية للمؤسسات الرسمية اللبنانية، ساهمت بقوة في محاصرة الدولة المركزية وإضعافها وتهميش وجودها.

معسكرات تدريب عابرة للحدود: تحولت مع الوقت مناطق نفوذ الحزب في الضاحية والبقاع إلى معسكرات مفتوحة لتدريب الجماعات المسلحة من مختلف دول الجوار، مما جعل لبنان مركز التخطيط والتحرك اللوجيستي لتصدير الفوضى وضرب الاستقرار في دول الخليج العربي والشرق الأوسط.

إفساد الهوية العربية للبنان: عزل لبنان عن عمقه العربي التاريخي، والإساءة إلى التنوّع الفكري والثقافي فيه، والضغط لتحويل سياسته الخارجية إلى التماهي مع المواقف الإيرانية في معظم المحافل الدولية. هذا الأمر أفقد لبنان مصداقيته العربية والدولية وعرّضه في كثير من الأحيان إلى العزلة والتجاهل.

 

خلفيات المشروع الإيراني وإرادة التصعيد والصدام الإقليمي

تتحرك إيران بناءً على عقيدة مركّبة تدمج بين الإرث الإمبراطوري الكسروي الساساني والتطلعات الواسعة لنظام فكري وسياسي يدمج الدين وفق المذهب الشيعي الإثني عشري بالسياسة بشكل كامل. ويمثل هذا النظام "المرشد الأعلى" الذي يملك سلطات مطلقة تعلو على سلطات رئيس الجمهورية والبرلمان المنتخبين، باعتباره النائب عن "المهدي المنتظر"، وهذا يجعل كل قرارات الدولة السياسية والعسكرية وأحيانا الاقتصادية ذات غطاء ديني مقدّس لا يجوز نقاشه.

ورأت إيران أن أفضل طريقة لتثبيت وجودها وتعزيز موقعها الإقليمي هو في الاحتكاك المباشر بالكيان الإسرائيلي، لا سيما في لبنان، حيث اعتبرت انه بحكم وجود طائفة شيعية موزونة فيه، فهو يمثّل محطة أساسية على طريق تحقيق حلم قديم وهو إنشاء كيان شيعي يمتد من باكستان حتى البحر المتوسط؛ فوظّفت إيران لافتة "المقاومة" عبر أذرعها كحزب الله لدغدغة مشاعر الوجدان العربي واختراقه، والتعتيم على الهوية القومية للصراع. كما عملت بقوة على دعم حالة "لا حرب ولا سلام"، مستخدمة جبهات التماس، وابتزت المجتمع الدولي والولايات المتحدة للحصول على مكاسب سياسية، والاعتراف بطهران كلاعب شرعي وشريك أساسي في ترتيبات أمن ومستقبل الشرق الأوسط.

 

وبحسب كتاب "الحروب السرية في لبنان" الصادر في ثمانينيات القرن الماضي، فإن الخطة الإيرانية كانت واضحة المعالم منذ البداية، حيث نصّت الرؤية الاستراتيجية لطهران على أن "سقوط الحكم السنّي في بغداد، وكذلك حكم الأسر السنية المالكة في دول الخليج العربي، ضروري بالفعل. لكن السيطرة على لبنان أو على جزء منه ضروري أيضاً بقدر ما يمكن الإفادة من هذا البلد كوسيلة لتحقيق ذلك".

يمثل هذا الاقتباس الموثق منذ ثمانينيات القرن العشرين دليلاً دامغاً على أن النوايا الإيرانية لم تكن سراً دفيناً، أو مشروعاً يعمل في الخفاء، بل كانت مخططات منشورة ومعلنة ومكشوفة لأهل البحث والفكر. وهنا تبرز علامة الاستفهام التاريخية الكبرى والنقطة المركزية في هذا المقال: كيف غفلت الدول العربية، وسكتت، وتواطأ بعضها في تضخيم هذا "الوحش الإيراني" وسمحت له بامتلاك كل هذه القدرة على النهش في سيادة الأوطان وتحقير أنظمتها وتفتيت شعوبها؟

إن القراءة الدقيقة لعقود من الزمن تكشف أن العواصم العربية كانت تعي جيداً أبعاد المشروع الإيراني التوسعي، وتلقت تحذيرات مبكرة ومستمرة من نخب سياسية وفكرية نبهت من خطورة هذا التمدد وتداعياته. حيث أشارت أصوات فكرية عربية وازنة عبر عقود من الزمن إلى أن الخطر الإيراني لا يقتصر على الآلة العسكرية، بل يكمن أساساً في استراتيجية التدخل الناعم الذي يتغلغل عبر مكونات اجتماعية ودينية في بنية المجتمعات العربية، فيبني أسواراً حول الشيعة، ثم يعمل على تأطيرهم وأدلجتهم واستخدامهم لتحقيق أهدافه.

وقد قاد هذه القراءات الاستشرافية ثلة من كبار المفكرين والمحللين العرب؛ حيث فكك المفكر عبد الوهاب المسيري في أطروحاته آليات الاختراق العقائدي وتوظيف التجييش الطائفي كأداة لتقويض الهوية الوطنية الشاملة، في حين ركّز الدكتور رضوان السيد على كيفية استهداف إيران لمفهوم "الدولة العربية الحديثة" ومؤسساتها الشرعية لإنشاء كيانات موازية وخلق بؤر ولاء طائفية عابرة للحدود تطيح بمفهوم السيادة الوطنية.

ومن جهته، حذر الدكتور وحيد عبد المجيد مراراً من خطورة الاختراقات السياسية الإيرانية وتحويل الدول العربية "الرخوة" إلى أوراق مساومة في يد الحرس الثوري الإيراني كأوراق مساومة وابتزاز، بينما نبّه الفيلسوف والمفكر محمد عابد الجابري إلى أبعاد الصراع الثقافي والحضاري ومحاولات طهران لإعادة صياغة العقل السياسي في المنطقة العربية لخدمة الأجندة الفارسية التوسعية.

لقد تلاقت رؤى هؤلاء المفكرين وغيرهم على أن استراتيجية التدخل الناعم وزرع الولاءات العابرة للحدود، فضلاً عن التدخل العسكري المباشر لفرض هيمنة سياسية وعسكرية، ما هي إلا وصفة تدميرية ممنهجة تعطل مسار التنمية والاستقرار في المنطقة العربية وتغرقها في أتون حروب أهلية لا تنتهي.

 

ومع كل ما سبق، من تحذيرات وإنذارات، فقد اتسم الموقف الإقليمي العربي بالقصور والتقاعس التاريخي عبر عدة مظاهر:

عدم التحضير للمواجهة، وتجاهلت الأنظمة السياسية هذه التحذيرات الفكرية المكثفة، ولم تبنِ مشروعاً إقليمياً مضاداً، واكتفت بردود أفعال لحظية وإدانات أو استنكارات في ظل افتقار واضح إلى النَفَس الاستراتيجي والتخطيط بعيد المدى.

الاعتماد المفرط على المظلة الخارجية، حيث اعتمدت عواصم عربية عديدة إلى فكرة أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي سيتكفلون بلجم الطموح الإيراني، متناسين أن الدول الكبرى تبحث وتسعى وراء مصالحها أولاً، قبل النظر في شؤون الحلفاء، وهذا ما عطل بناء مقومات قوة ذاتية عربية مشتركة قادرة على حماية الأمن القومي العربي.

سياسات الاسترضاء والمهادنة، وبدلاً من قطع أذرع الوحش وهو في طور النمو، فضلت بعض الأنظمة العربية تكتيك "شراء الوقت" والابتعاد عن المواجهة أو غض الطرف عن تمدد طهران في الساحات الرخوة مثل لبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، ظناً منها أن هذا الخطر سيظل محصوراً في أقاليم جغرافية، ولن يطال دولها وأنظمتها، وهو تماماً الوهم الذي تبدد سريعاً مع تحول تلك الساحات المُحتلة من قبل إيران إلى منصات حربية وتصدير خلايا التجسس والمخدرات، وكما رأينا في الآونة الأخيرة، سقوط الصواريخ الباليستية والمسيرات الانتحارية في منشآت ومرافق حيوية واستراتيجية في دول الخليج العربي.

هذا التراخي العربي قاد في نهاية المطاف إلى مشهد غرائبي تعيشه المنطقة اليوم؛ حيث تحول الموقف من عمل دؤوب لردع النظام الإيراني، بل ومحاسبته على عقود من الإساءات والجرائم بحق شعوب الجوار، إلى السعي الجماعي للحفاظ على هذا النظام تحت ذريعة الخوف من الفوضى، ومهادنته ودعم بقائه عبر اتفاقيات ومذكرات تفاهم هشة، دون الاستفادة الأدنى من عبر الماضي ودروس التاريخ المريرة التي سببتها إساءات نظام إيران لدول الجوار وأبعد من ذلك.

 

إن العودة إلى نقطة الارتكاز التاريخية في عام 1980، كان الهدف منها تقديم البرهان على أن المشكلة تكمن في بنية النظام الإيراني وأساس وظيفته. هذا النظام لا يمكنه، بحكم طبيعته، أن يمتثل لمفهوم "الدولة الطبيعية"، أو يحترم مبادئ السيادة وحدود الجوار؛ إنه نظام يستمد الحياة من حالة متوهمة من الثورة الدائمة، والتمدد العابر للحدود، ويتغذى هو وأذرعه على أيديولوجيا تاريخية وثأرية مركبة وخطيرة.

وبناءً على هذه الحقيقة، فإن الرهان على تغيير سلوكه عبر الدبلوماسية التقليدية أو مذكرات التفاهم والاتفاقات الغامضة، أو سياسات الاسترضاء هو رهان فاشل يستند إلى سراب وأوهام التغيير والتبديل.

وما لم تنتقل العواصم العربية والمجتمع الدولي من عقلية "إدارة الأزمة" أو التعايش معها والمهادنة المؤقتة، إلى تبني طروحات استراتيجية جادة، فالأمن والاستقرار في الشرق الأوسط سيبقى مهتزاً ومعرّضاً للأزمات عند كل منعطف وحدث عابر.