هل يبتلع الذكاء الاصطناعي مستقبل أسواق العمل ويعمّم البطالة

هل يبتلع الذكاء الاصطناعي مستقبل أسواق العمل ويعمّم البطالة

 

نستراك - يشهد العالم اليوم تحولاً تكنولوجياً متسارعاً يعيد تشكيل الهياكل الاقتصادية والاجتماعية من جذورها. ومع استمرار الشركات التكنولوجية الكبرى في ضخ مليارات الدولارات في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، تتصاعد في المقابل وتيرة القلق الوجودي بين صفوف الطبقة العاملة. هذا التناقض الصارخ بين وعود "الثورة الإنتاجية" التي يروج لها المستثمرون، وبين مخاوف "انعدام الأمن الوظيفي" يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يبتلع الذكاء الاصطناعي مستقبل أسواق العمل ويعمم البطالة؟

الإجابة المباشرة والدقيقة هي: لا، الذكاء الاصطناعي لن يبتلع سوق العمل بالكامل ولن يُعمم البطالة المطلقة، ولكنه سيقوم بما هو أعمق وأكثر خطورة؛ إعادة هيكلة عنيفة وغير متكافئة لطبيعة العمل، وقيمته، وتوزيع الثروة الناتجة عنه، مما يهدد بتعميق الفجوة الطبقية وتركيز السلطة الاقتصادية في أيدي قلة من مالكي التكنولوجيا.

 

أتمتة "المهام" واستقطاب سوق العمل

لفهم ما يحدث حقاً بعيداً عن التهويل، يجب إدراك أن الذكاء الاصطناعي لا يستهدف "الوظيفة" ككيان متكامل، بل يستهدف "المهام "داخل تلك الوظيفة. الوظائف التي تتكون في مجملها من مهام روتينية قابلة للتنبؤ ومعالجة البيانات هي التي ستُبتلع. المهنة لن تختفي بالضرورة، لكن حجم الطلب عليها سيتقلص بشدة.

هذا التحول يخلق ظاهرة اقتصادية قاسية تُعرف باستقطاب سوق العمل، حيث يميل التقدم التكنولوجي إلى خلق فجوة عميقة:

  • في القمة: وظائف عالية الأجر تتطلب مهارات تحليلية وتوجيهية معقدة (أولئك الذين يملكون التقنية أو يديرونها).
  • في القاع: وظائف منخفضة الأجر تعتمد على المجهود البدني والتفاعل البشري المباشر، والتي لا تزال مكلفة أو مستحيلة الأتمتة حالياً (كعمال التوصيل، الرعاية الصحية المباشرة، والصيانة).
  • الضحية الكبرى: الوظائف المكتبية والإدارية التقليدية التي طالما شكلت العمود الفقري للطبقة الوسطى وصمام الأمان للاستقرار الاجتماعي، والتي يتم تفريغها تدريجياً.

 

جغرافيا التهديد الوظيفي بالأرقام

تكشف الأرقام والمسوحات الإحصائية الحديثة عن حالة من القلق العميق والمبرر. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته وكالة "رويترز" بالتعاون مع "إيبسوس" في الولايات المتحدة (حزيران/يونيو الماضي) أن 53% من الأمريكيين يخشون أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في فقدانهم، أو فقدان أحد أفراد أسرهم، لوظائفهم.

هذا القلق الشعبي تعززه تحليلات مؤسسات مالية كبرى؛ إذ خلص بحث حديث لشركة "غولدمان ساكس" إلى أن أكثر من 9% من القوى العاملة الأمريكية (ما يعادل 15 مليون عامل) قد يفقدون وظائفهم كلياً خلال فترة انتقالية مدتها عشر سنوات.

على الصعيد العالمي، رسم صندوق النقد الدولي صورة أكثر شمولية، مشيراً إلى أن حوالي 40% من الوظائف العالمية معرضة بشكل مباشر لتأثير الذكاء الاصطناعي. وتتفاوت هذه النسبة بحسب الهيكل الاقتصادي:

  • الاقتصادات المتقدمة (60%): نظراً للتركز العالي للوظائف المعرفية والمكتبية.
  • الأسواق الناشئة (40%).
  • الدول منخفضة الدخل (28%): لاعتماد اقتصاداتها بكثافة على الزراعة والعمالة اليدوية الشاقة التي يصعب أتمتتها حالياً.

 

مفارقة التعرض وفخ "المرحلة الانتقالية"

تاريخياً، كانت الثورات الصناعية تهدد العمالة اليدوية (الياقات الزرقاء)، لكن ثورة الذكاء الاصطناعي تقلب هذه المعادلة. يُظهر "مؤشر التعرّض للذكاء الاصطناعي" (AIOE) بوضوح أن الوظائف الأكثر عرضة للخطر هي وظائف التكنولوجيا والبيانات ذات الطابع المكتبي والرواتب العالية (مصممو مواقع الويب، مهندسو قواعد البيانات، والمبرمجون).

وهنا يبرز "فخ السرعة". حجة المتفائلين الكلاسيكية هي أن "الثورة الصناعية ألغت وظائف عربات الخيول ولكنها خلقت وظائف أكثر في صناعة السيارات". هذا صحيح تاريخياً، لكن الفارق الجوهري اليوم هو السرعة. الثورات السابقة استغرقت عقوداً، مما سمح للأجيال بالتكيف. أما الذكاء الاصطناعي فيتطور في غضون أشهر. العامل الذي يفقد وظيفته بشكل غير متوقع في مرحلة متأخرة من حياته لن يجد الوقت ولا المرونة لإعادة تأهيل نفسه، مما قد يؤدي إلى تقصير مسيرته المهنية قسرياً، وحرمانه من فرصة إعادة بناء مدخراته أو تأمين استحقاقات تقاعده. تنشأ هنا بطالة هيكلية قاسية؛ تتوفر وظائف جديدة، لكن العمال المسرحين لا يملكون المهارات لملئها.

 

أزمة الأجيال القادمة والغياب السياسي

الأزمة لا تقتصر على الجيل الحالي. فقد أصدر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" (المطورة لنماذج "كلود")، مذكرة سياسات تحذيرية أكد فيها أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث اضطرابات في سوق العمل أكبر وأطول أمداً من أي تحول تكنولوجي شهده التاريخ. المشكلة الأكبر هي الانعدام شبه التام للنقاش الجدي حول ما يجب فعله لمساعدة الأجيال الشابة على النجاة من شبح البطالة التكنولوجية الجماعية.

في هذا السياق، يُشير الأستاذ في جامعة كامبريدج، كريستوفر ماركويز (أيار/مايو 2026)، إلى أن طبيعة هذا التأثير لن تُحدد فقط بقدرات التقنية ذاتها، بل بـ "كيفية تنظيم تبنّيها من قبل المؤسسات والأنظمة الاجتماعية والسياسية". ويحذر ماركويز من تكرار أخطاء التاريخ، حيث يوجه التقدم التقني غالباً لزيادة سيطرة صاحب العمل، تقليص منافع العمال، وتفريغ الحكم والمهارة منهم لصالح تعظيم أرباح المستثمرين.

البدائل الاستراتيجية: نحو عقد اجتماعي جديد

لمواجهة هذا التغول التكنولوجي، بات لزاماً على الدول والمؤسسات الدولية والمنظمات العمالية انتهاج مسارات بديلة وحاسمة:

  1. إعادة صياغة قوانين العمل وتقوية النقابات: يجب تحديث قوانين العمل لحماية العمال من "التسريح الخوارزمي"، وضمان حق النقابات في التفاوض حول كيفية إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي لتكون أداة لتمكين العامل ورفع إنتاجيته، وليس وسيلة لاستبداله.
  2. فرض الضرائب على الأتمتة وتوزيع الثروة: مع تحقيق الشركات الكبرى لأرباح فلكية لخفضها تكاليف العمالة، يجب فرض ضرائب نوعية على الأرباح الناتجة عن الأتمتة، وتوجيه العائدات لتمويل شبكات الأمان الاجتماعي أو برامج "الدخل الأساسي الشامل".
  3. ثورة في النظم التعليمية وإعادة التأهيل: التوقف عن تهيئة الأجيال لوظائف يمكن للآلة القيام بها، وتوجيه التعليم نحو المهارات البشرية الخالصة (التفكير النقدي، الذكاء العاطفي، والقيادة). وإلزام الشركات بتخصيص ميزانيات لإعادة تأهيل موظفيها المهددين.
  4. كسر الاحتكارات التقنية: يجب التدخل لتفكيك الاحتكارات التقنية الكبرى عبر قوانين مكافحة الاحتكار. بقاء هذه التكنولوجيا تحت سيطرة مطلقة لقلة من المستثمرين يشكل خطراً سيادياً؛ لذا يجب دعم النماذج مفتوحة المصدر لضمان أن تكون هذه التقنية منفعة عامة.

خلاصة القول، الذكاء الاصطناعي لن يعمم البطالة المطلقة، بل سيعمم "العمل الهش" إذا تُرك دون تنظيم. نحن نقف أمام فرصة تاريخية لاستعادة رؤية الاقتصادي جون ماينارد كينز لعالم عمل أقل إجهاداً وأكثر رفاهية. ولكن هذا يتطلب إرادة سياسية حازمة تتصدى لجشع الاستثمار غير المنظم. التكنولوجيا يجب أن تُطوّع لخدمة المجتمع، لا أن يُطوّع المجتمع لخدمة مالكي التكنولوجيا.