مأزق حزب الله: تهويل في الداخل وانهيار في مواجهة إسرائيل
نبيل شحاده - التداخل غير المسبوق بين الانهيار الداخلي على جميع المستويات والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة التي تطال عمق الجنوب اللبناني وتضع البلاد أمام تحديات معقدة وصعبة، يبرز المأزق الاستراتيجي لحزب الله بعدما وجد نفسه محاصراً بين اندفاعة متعثرة للدولة اللبنانية لاستعادة قرارها السيادي، وبين تراجع قدراته السياسية والعسكرية - بفعل المتغيرات المحلية والإقليمية- على فرض المعادلات التي حكمت الحياة اللبنانية لسنوات طويلة.
ومنذ اتفاق الدوحة عام 2008، رسّخ حزب الله مع حلفائه نهجاً ثابتاً في التعامل مع مؤسسات الدولة اللبنانية والآخرين من شركائه في الوطن؛ نهج يعتمد على الابتزاز السياسي والحصار المسبق واللاحق لأي حكومة يتم تشكيلها، فيشلها ويمنعها من القيام بدورها، أو يخضعها لتوجهاته التي لا تصب أبداً في مصلحة لبنان وشعبه. ابتدع الحزب مفاهيم سياسية تتعارض مع الدستور والقوانين وطوّع بسلاحه وقمصانه السود القوى السياسية، ففرض الثلث المعطّل، ورفع رايات التوافق والميثاقية لا حرصاً عليها، وإنما لاستغلالها في توجهاته عند كل مفترق سياسي وهام، ليجعل من نفسه – دون وجه حقّ- الآمر الناهي في سياسة الدولة، وقادراً على التحكّم بها وفق التزاماته الإقليمية.
بيد أن هذا النهج يصطدم اليوم بواقع سياسي جديد، ومعطيات لم تعد تسمح باستمرار هذه الهيمنة المطلقة التي تمتّع بها. فالحكومة اللبنانية الحالية، أبدت توجهاً حازماً رغم التعثّر والبطء نحو استعادة القرار السيادي، مما وضع الحزب في مواجهة غير مألوفة مع مفهوم "الدولة القوية" التي ترفض الخضوع للإملاءات الفئوية.
في هذا السياق، جاءت التهديدات الأخيرة التي صدرت عن بعض قيادات "حزب الله"، وعلى رأسهم الأمين العام للحزب نعيم قاسم، باللجوء إلى الشارع لإسقاط حكومة الرئيس نواف سلام، واصفين قراراتها بأنها "خطيئة كبرى" ومشاريع استسلام. وتكمن القطبة المخفية في وجود نوايا لإرباك الساحة الداخلية وضرب أي تماسك تبقّى في بنية الدولة اللبنانية ومؤسساتها. غير أنه فات أولئك القيادات أن هذه التهديدات لم تعد تحمل الوزن التصعيدي والخطير ذاته الذي كانت تحمله في الماضي.
هذا التلويح بإسقاط الحكومة لا يتوافق مع الواقع الجديد الذي يعيشه لبنان؛ وهو ليس إلا تهويلاً وصراخاً وضجيجاً لن يلتفت إليه أحد بجدية وهو بالتأكيد سقط قبل وصوله إلى السامعين. فالمجتمع اللبناني المنهك من سلسلة الأزمات الاقتصادية والسياسية والحروب العبثية الاستنزافية، لم يعد يشكل بيئة حاضنة لمغامرات الحزب، وتهديداته هي مؤشر حقيقي للمأزق الذي يعيشه الحزب، حيث يشعر بانكشاف سياسي وتراجع جليّ في قدرته التاريخية على ترهيب الخصوم، وفرض إرادته كقوة أمر واقع تتخطى القانون وتتجاهله.
ويحدث هذا الاستنزاف للداخل اللبناني في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي تقدمه في جنوب لبنان، موسعاً حزامه الأمني، ومستهدفاً مناطق حيوية وتاريخية مثل صور والنبطية ومحققاً فيها دماراً واسعاً.
هذا التناقض الصارخ بين افتعال المعارك السياسية الداخلية والواقع الميداني المتدهور في الجنوب، يطرح تساؤلات واقعية حول مفهوم "المقاومة" التي يتبناها الحزب. إذا كان سلاح الحزب، الذي طالما اعتبره "مقدساً" وغير قابل للنقاش، عاجزاً عن وقف التمدد الإسرائيلي أو توفير الحد الأدنى من الحماية للقرى الجنوبية الآمنة، فما هو مبرر وجوده أصلاً؟ هذا التساؤل يشير إلى أن هذا السلاح لا يحمي ولا ينصر ولا يحقق أي نسبة بسيطة من توازن الردع الذي استنزفه الحزب في خطابه السياسي، بل تحول إلى عبء يثقل كاهل الدولة اللبنانية ويجر على المواطنين الخسائر الفادحة في الأملاك والأرواح، ويعطي الذرائع بعد ذلك لاستمرار العدوان.
في الختام، يبدو أن استراتيجية حزب الله القائمة على الاستقواء على الداخل اللبناني وترهيبه وقمعه قد استنفدت أغراضها. والمأزق الذي يعيشه الحزب اليوم هو نتاج طبيعي ومُتوقّع لمحاولة تغليب مصالح المحور الإيراني على حساب السيادة الوطنية ومصالح لبنان. كما إن محاصرة الدولة والتلويح بالفوضى لن يوقفا عجلة التغيير القادمة على أشلاء نموذج قديم أصبح فارغاً ومنهاراً، ولن يعفيا الحزب من مسؤولياته تجاه الدمار الذي يلحق بجنوب لبنان.
أما الدولة اللبنانية اليوم، رغم الجراح والأعباء، فليس أمامها إلا أن تبدو أكثر تصميماً على استعادة قرارها، وأن تصل قريباً إلى مرحلة تضع الحزب أمام امتحان صعب: إما تسليم السلاح والانخراط سياسياً في مشروع الدولة بشروطها ودستورها وقوانينها، أو البقاء في عزلة سياسية ويتحمل مسؤولية النتائج المروّعة التي ستزيد من تعميق مأزقه.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook