نعيم قاسم يتجاوز الدولة ويربط مصير لبنان بإيران
نبيل أحمد شحاده - في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة الاضطراب، ومع تكدّسِ القوات الأميركية في محيطِ الشرق الأوسط، وتسارع المؤشرات عن مواجهة كبرى مع إيران تنتظر قراراً سياسياً حاسماً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خرج الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بخطابٍ في لقاء تضامني مع إيران، لا يمكن وصفه إلّا بإعلان تموضع استراتيجي بالغ الخطورة، لا على مستوى الحزب وحده، بل على مستوى لبنان ككل. فالخطاب ابتعدَ بشكل واضح من إطارِ التعبير عن موقف سياسي أو تضامني، ليصلَ إلى إعلان معادلة تُسقطُ عمليًا كل ما تبقى من ادعاءات تحييد لبنان أو المساعي الجديّة لحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وتدفعُ البلاد مجددًا إلى قلبِ صراع إقليمي ودولي لا يملكُ اللبنانيون فيه لا قرارًا ولا مصلحة.
أخطر ما في خطاب نعيم قاسم أنه تعامل مع لبنان لا بوصفهِ دولة ذات سيادة، لها حكومتها ومؤسساتها الدستورية، وتملك أولوياتها ويشغلها أزماتها الحياتية والوجودية، بل كساحة مفتوحة وملحقة بمشروعٍ عقائدي عابر للحدود، له حساباته من خارج المنطق الوطني. فعندما يعلن بوضوح أن حزب الله معنيٌ بأي مواجهةٍ قد تندلع بين الولايات المتحدة وإيران، وأن استهداف المرشد علي خامنئي هو خط أحمر يستوجب التحرك السريع والرد، فإنّ ذلك يعني عمليًا أن لبنان باتَ مُدرجًا مسبقًا في لائحة المشاركين في أي سيناريو حرب، وأن دماءَ اللبنانيين واقتصادهم وأرزاقهم وممتلكاتهم، باتت أوراقًا قابلة للاستخدام وللحرق الأكيد في معركة لا تخصهم. كلام قاسم لا يترك مجالًا للتأويل أو الاجتهاد؛ إنه إعلان صريح لالتزامٍ كاملٍ بمحور خارجي وتبني أهداف دولة بعيدة، ولو على حساب الدولة والمجتمع.
الخطاب، في جوهره، يطيح بفكرة الدولة اللبنانية من أساسها. فهو لا يكتفي بنزع قرار الحرب والسلم من يد المؤسسات الدستورية، بل يضع تعريفاً لمفهوم "المقاومة" يربطها كليّاً بإذنٍ عقائدي يصدر من شخص من خارج الحدود، دون أي اعتبار للمصلحة الوطنية أو الإجماع الداخلي. وعندما يُقال صراحة إن القتال والدم والمواجهة لا تُمارس إلا ضمن "إذن شرعي" من الولي الفقيه الإيراني، فإننا نكون أمام قطيعة كاملة مع منطق الدولة الحديثة والمؤسسات، وأمام تأكيد مُعلن لولاء خارجي ويتقدّم على أي اعتبار لبناني. وبذلك تسقط آخر محاولات تسويق حزب الله كقوة لبنانية تقاتل دفاعًا عن الأرض والسيادة – كما حاول كثيرون في هذا المجال-، ويظهر الحزب على حقيقته التي طالما حذّرنا منها، بأنه ذراع عسكرية مرتبطة عضوياً في مشروع إقليمي أوسع.
وتوقيت هذا الخطاب أيضاً، لا يقل خطورة عن مضمونه. فالمنطقة كما ذكرنا سابقاً، تقف على حافة تصعيد غير مسبوق، مع تداول معلومات عن نية أميركية جدية بضرب إيران وربما إسقاط نظامها بالقوة، وآخرها ما نقله موقع "أكسيوس" عن مسؤولين أميركيين بأن "خيار ضرب إيران ما زال مطروحاً"، وفي ظل سعي دول كثيرة لاحتواء الوضع في منطقة الشرق الأوسط ومنع تمدد أي فوضى قد تنشأ نتيجة العمل العسكري. في مثل هذا المناخ، يقول مراقبون أن كلمات نعيم قاسم هي جزء من حرب نفسية ومجرد رسائل ردع متبادلة، لكنها في الحقيقة، تضع لبنان في مرمى النيران حتى قبل أن تبدأ المعركة. فالإعلان عن "عدم الحياد" يفتح الباب أمام سيناريوهات ضربة استباقية قد تطال لبنان لمنع استخدامه كساحة إسناد أو منصة تهديد، كما حصل في محطات سابقة أثبتت كلفتها الكارثية، فيما إسرائيل لم تتوقف في الأصل عن ضرباتها لمواقع ومخازن حزب الله وتصفية عناصره على كامل المساحة اللبنانية.
ومن الواضح أن خطاب نعيم قاسم فيه بعدٌ تعبوي، لا يقل أهمية عن رسائله الخارجية. هو يسعى إلى شدّ العصب داخل بيئة الحزب، ويضعها -دون إذنها- في أجواء الحرب القادمة، وإلى قطع الطريق على أي اعتراض حول جدوى التورط في حرب جديدة، عبر تحويل المواجهة المحتملة إلى واجبٍ ديني وعقائدي لا يقبل النقاش. باختصار، هو أبلغ شيعته بأن هذه المواجهة هي جزء من الإيمان والعقيدة. وبهذه الطريقة، يتم إسكات أي صوت خائف أو متردد، ويجهز إنتاج منطق "هرمجدون شيعي"، يبررُ مسبقاً كل الخسائر والضحايا والدمار. لكن المشكلة أن هذا المنطق لا يقتصر على جمهور الحزب وحده، بل يُفرض بالقوة على مجتمع لبناني كامل ومتعدد ويعيش واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية والاجتماعية في تاريخه الحديث.
خطاب نعيم قاسم عمّق الانقسام الوطني إلى حدّه الأقصى، ووضع اللبنانيين أمام سؤال وجودي ملّوا من تكراره، وهو: هل لبنان دولة ذات سيادة تسعى إلى إنقاذ نفسها، أم مجرد حلقة في سلسلة صراعات إقليمية تُدار باسم عقائد عابرة للحدود؟
هذا الخطاب يعيد فتح جروح حرب تموز، وتجربة حرب الإسناد، وكل الكوارث التي دُفع ثمنها من دم الناس وبيوتهم واقتصادهم، ودون أن يُؤخذ رأيهم. والأسوأ أنه يوحي بأن تلك الدروس لم تُستوعَب، وأن تكرار المغامرة هو خيار مشروع ومطلوب كي ترضى إيران، ولو خسر لبنان كل ما يملك.
لبنان لم يعد مجرد متأثر بالصراعات من حوله، بل بات مهددًا بأن يكون جزءًا فاعلًا فيها رغماً عن إرادة شعبه ودولته، وكأن الحزب امتلك حق مصادرة خيار اللبنانيين في الحياة والاستقرار، واستخدامهم وقودًا لمعارك الآخرين.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook