من شكراً سوريا إلى الثأر للخامنئي: سلسلة الأخطاء القاتلة لحزب الله

من شكراً سوريا إلى الثأر للخامنئي: سلسلة الأخطاء القاتلة لحزب الله

 

نبيل شحاده - عملية اغتيال قائد قوات الرضوان "مالك بلوط" وعدد من القياديين الذين كانوا معه داخل مبنى في حارة حريك بالضاحية الجنوبية، أعادت إلى الأذهان عمليات مشابهة عصفت بالحزب خلال السنتين الماضيتين، وألقت الضوء مجدداً على حجم الاختراق الإسرائيلي الكبير والعميق لبنية الحزب وبيئته، وأثبتت أن الهيكلية الأمنية التي تفاخر الحزب بصلابتها كثيراً، باتت منخورة إلى حد الانكشاف التام. وهذه السلسلة من الأخطاء الاستراتيجية والقرارات العبثية التي بدأها الحزب منذ الثمانينيات في القرن الماضي، وانتهت بانهيار منظومة الردع والحماية، وتحوّل الحزب بفعل ارتهانه الكامل - وباعترافه- لمشروع "ولاية الفقيه"، من قوة حملت شعار تحرير وحماية لبنان إلى قوة جرّ وسحب له ليكون "ساحة مفتوحة" لتصفية الحسابات الإقليمية، والعيش في تجربة مؤلمة ومتواصلة للانتحار الاستراتيجي.

وللإحاطة بحجم الكارثة الحالية وتداعياتها على لبنان وشعبه، لا بد من العودة إلى الوراء لرصد بعض تلك المحطات المفصلية التي دفعت بالحزب إلى هذا المنزلق الوعر والنتائج الفادحة، دون أن يتلقى منها درساً، أو يقابلها بنقد ذاتي أو عملية ترشيد وإصلاح.

 

منعطف 8 آذار 2005: عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وفي الوقت الذي كان اللبنانيون يطالبون بالسيادة، وقف الحزب في وجه الإرادة الوطنية فنظّم تظاهرة "شكراً سوريا"، وكانت بمثابة "البيان الأول" لقيام وصاية حزب الله البديلة عن الوصاية السورية، مكلّفاً نفسه بوكالة حصرية للمصالح الإيرانية والسورية، ومعرقلاً قيام دولة سيادية حقيقية بعد انسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية.

 

خطيئة السابع من أيار 2008: في يومها ارتكب حزب الله ما وصفه الكثير من اللبنانيين بالخطيئة الكبرى التي لا يمكن محوها من الذاكرة الوطنية، حين وجه فوهات بنادقه وقذائفه إلى صدور شركائه في الوطن داخل العاصمة بيروت ومناطق في الجبل بذريعة قرارات سيادية اتخذتها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك بتفكيك شبكة الاتصالات السلكية غير الشرعية التابعة للحزب، وإقالة رئيس جهاز أمن المطار. وتحت شعار "السلاح لحماية السلاح"، استباحت ميليشيات الحزب شوارع بيروت، واستهدفت المقرات السياسية والإعلامية لخصومها، وروّعت الآمنين الذين سقط منهم نحو ثمانين شخصاً،

كانت هذه المحطة التي حصلت بعد سنوات من تحقيق انجاز التحرير، نقطة تحول استراتيجية في مسيرة الحزب؛ محطة سقطت فيها نهائياً "قدسية السلاح" التي طالما ادعى الحزب أنها موجهة حصراً ضد العدو الإسرائيلي، ليصبح مع مرور الأيام بنظر غالبية اللبنانيين أداة ترهيب وإخضاع داخلي، وفرض معادلات سياسية بقوة القهر العسكري، وإنتاج جروح طائفية لم تندمل حتى اليوم.

 

استهداف العمق العربي: مارس حزب الله ولعقود عداء منهجياً ضد المحيط العربي، وبشكل خاص دول مجلس التعاون الخليجي. ولم تتوقف تدخلات الحزب على المواقف السياسية، بل تخطت إلى أنشطة "تخريبية" استهدفت الأمن القومي العربي لخدمة الأجندة الإيرانية منذ البدايات في البحرين في عام 1981، إلى الكويت ومحاولة اغتيال أميرها الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح عام 1985، وصولاً إلى زرع الخلايا وتدريبها، والتخطيط لعمليات زعزعة استقرار واسعة. هذا النهج أدى إلى شبه إجماع عربي على تصنيفه "منظمة إرهابية"، فتسبب بعزل لبنان رسمياً وشعبياً عن عمقه الحيوي، وحرمه من شبكة الأمان العربية التي كان يحتاجها في أزماته.

 

مستنقعات اليمن وسوريا: تحوّل حزب الله مع مرور الوقت إلى مجموعة "مرتزقة أيديولوجيين" يخدمون مشروع التوسع الإيراني. فزج بنحو خمسة آلاف مقاتل في سوريا، للمشاركة في حرب مدمرة لحماية نظام بشار الأسد وخاصة في ريف دمشق، حمص، والقصير، وحلب، فاكتسب خبرات عسكرية وخسر مئات الشباب وفتح أبواب أسراره أمام الإسرائيليين.  وفي اليمن، غرق الحزب في مستنقع دعم الحوثيين بشكل مباشر وعلني. هذا التورط ظهر بوضوح في كلام الأمين العام نعيم قاسم، حين قال إن القيادي في الحزب "هيثم الطبطبائي" أمضى في اليمن تسع سنوات كاملة، درّب خلالها الميليشيات الحوثية على فنون القتال وإطلاق الصواريخ والمسيّرات.

 

تعطيل المؤسسات وسلاح الفراغ: استخدم الحزب سياسة "التعطيل" كأداة ضغط استراتيجية لشل الدولة عند المنعطفات الدستورية، فكان يفرض الفراغ لفرض مرشح بعينه، وكذلك تعطيل تأليف الحكومات لنيل ما كان يُسمّى بالثلث المعطل. تسببت هذه الممارسات بكوارث سياسية واجتماعية، وحوّل الحزب النظام الديمقراطي اللبناني المترهل إلى رهينة لمصالحه وأهدافه، فشلّ الأنشطة الحكومية والخدماتية، وتسبب في عزوف الاستثمارات وتحول لبنان إلى "دولة فاشلة" لا تستطيع حتى انتخاب رئيس دون تسويات وصفقات وموافقة عليا من حارة حريك.

 

الصدام مع القطاع المصرفي: شن الحزب في مواجهة العقوبات الأمريكية، حرباً شعواء على المصارف اللبنانية، فاتهمها الأمين العام حسن نصر الله بالتشدد والمشاركة في محاصرة الحزب وبيئته، وعمل بالتوازي على تقوية وحماية نفوذه المالي عبر مؤسسات مثل "القرض الحسن"، مما سرّع في وتيرة الانهيار الشامل وسحق مدخرات اللبنانيين، وتحوّل لبنان إلى الاقتصاد النقدي المظلم البعيد عن الرقابة الدولية.

 

التغلغل الاستخباراتي: الإجابة على سؤال: كيف أصبحت تحركات قادة النخبة مثل مالك بلوط ومن سبقه، كتاباً مفتوحاً أمام العدو؟ تكمن في سنوات من الإهمال والغرور الأمني، حيث كشف تحقيق موسع أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" مدى تغلغل عملاء "الموساد" الإسرائيلي في صفوف الحزب ومساهمتهم في إنجاح العمليات الإسرائيلية. وأشار التحقيق إلى أن إسرائيل لم تعتمد فقط على التكنولوجيا السيبرانية، بل تمكنت من بناء "بنية تحتية بشرية" داخل الهيكل التنظيمي للحزب، شملت مسؤولين رفيعي المستوى وعناصر لوجستية لعبوا دوراً محورياً في تقديم معلومات سرية واحداثيات بدقة متناهية. ويقول مراقبون إن فشل أمن الحزب في منع هذا التغلغل عكس تفككاً بنيوياً ناتجاً عن الانشغال في شؤون السياسة اللبنانية المعقدة والحروب الإقليمية ما أفقد الحزب "بوصلته الأمنية" وفتح المجال أمام الاستخبارات الخارجية لتنخر في عصب التنظيم.

 

الاستعلاء واستفزاز الداخل: لم تقتصر هيمنة الحزب على السياسة الكبرى، بل استهوته عملية استفزاز اللبنانيين في يومياتهم ورموزهم الوطنية وحتى الدينية. فتجاهلت قيادة الحزب مسيرات الدراجات النارية التي تجوب من وقت لآخر شوارع بيروت وهي تطلق الشعارات الطائفية والمستفزة، مما أثار حالة القلق، وكرس منطق "فائض القوة" الميليشياوي ضد الشركاء في الوطن.

وبلغت سياسة الاستعلاء ذروتها في تحدي قرار حكومة الرئيس نواف سلام واستغلال منطقة وصخرة الروشة ميدانياً وبصرياً، وهي أيقونة بيروت الوطنية، عبر إضاءتها بشعارات حزبية وصور زعماء المحور. تصرّف أثار موجة غضب عارمة لدى اللبنانيين الذين يؤكدون أن "الصخرة أكبر من كل الزعامات"، وأن تحويل رمز وطني إلى "لوحة إعلانات حزبية" هو طعنة في قلب الهوية اللبنانية الجامعة.

 

إسناد غزة: قرار فتح جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول 2023 تحت مسمى "إسناد غزة" كان خطيئة هيأت لضرب الحزب، وقصم ظهر لبنان بقرار منفرد، ربط الحزب به مصير الوطن بساحات أخرى دون أفق أو حتى رؤية استراتيجية واضحة، فلم يجنِ لبنان من ذلك سوى دمار الجنوب، وتهجير أكثر من مليون مواطن، وخسر الحزب كامل الهيكل القيادي. ولم ينجح الإسناد في حماية غزة، ولم يغيّر قيد انملة في مسار الحرب، بل نقل دمار غزة إلى قلب لبنان، مثبتاً أن شعار "وحدة الساحات" هي مجرد خطة ارباك والهاء إيرانية تتغذى على دماء اللبنانيين.

 

غزوة "البيجرات": سلسلة الأخطاء تقدمها الفشل الأمني الكبير الذي بدأ بقرار شراء أجهزة "البيجرات" من مصادر غير موثوقة، وتوزيعها واستخدامها من قبل آلاف المسؤولين والمقاتلين وانفجارها بهم، فكشف عن خرق تقني كبير وغير مسبوق في التاريخ بهذا الحجم، وأدى لاغتيال وتحييد عدد كبير من النخبة والمتمرسين، ما أثبت أن "الردع" كان مجرد شعار إعلامي فارغ، وأن الحزب المنشغل بالهيمنة على لبنان أهمل أساسيات الحماية الحقيقية مقابل تفوق تكنولوجي للعدو.

 

الثأر للخامنئي: دخل يوم 28 شباط / فبراير 2026 التاريخ مع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في الضربة الجوية المشتركة الصاعقة على طهران، فوجد حزب الله نفسه ملزماً أخلاقياً وعسكرياً وبحسب تبعيته لأيديولوجية ولاية الفقيه بالانخراط فيما سمي بمعركة الثأر للخامنئي، فأطلق ستة صواريخ باتجاه إسرائيل التي ردت بفتح حرب واسعة على الحزب.

هذا الانخراط العبثي في مواجهة مفتوحة وغير متكافئة، وضع لبنان في قلب العاصفة، حيث استُنزفت مقدرات الحزب المتبقية وفي ظل غياب أي مصلحة وطنية. وأثبتت "معركة الثأر" أن حزب الله مستعد للتضحية بآخر مقاتل لبناني وبآخر حجر في الضاحية والجنوب وحتى بيروت من أجل "قدسية" القيادة الإيرانية.

 

التموضع بين المدنيين: من أقسى الأخطاء القاتلة التي ارتكبها الحزب، كان انتشار واختباء قيادات الحزب في الأماكن السكنية المكتظة. هذا التموضع في بيروت ومناطق لبنانية كثيرة، حوّل المدنيين إلى "دروع بشرية" وأدوات تمويه، ومع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت – وما زالت- هذه المقرات أو المواقع دون إنذار، سقط مئات القتلى والجرحى من الأبرياء تحت الأنقاض وركام المباني. ورغم كل المناشدات والدعوات إلى تجنيب المدنيين هذه المخاطر، تجاهل الحزب تجاهلها هذه الدعوات ولم يعمل على اعتماد خطط وتكتيكات بديلة.

 

هذه المحطات بمجملها كرست صورة الحزب لدى غالبية اللبنانيين كميليشيا احتلال داخلي تخدم أجندة إقليمية، وعملية اغتيال مالك بلوط في حارة حريك ليست هي واحدة من حلقات سلسلة طويلة من الأخطاء القاتلة. لقد أثبتت التجربة أن تقديم الأيديولوجيا العابرة للحدود والارتهان للمشاريع الإقليمية هو طريق وعر ويؤدي بالوطن إلى الهاوية. لبنان اليوم لم يعد يحتمل "أنصاف الحلول" وتسويات "أبو ملحم"، والخروج من هذا النفق يتطلب عودة صادقة وحتمية إلى كنف الدولة اللبنانية، وتسليم السلاح للجيش اللبناني، والالتزام بالدستور والشرعية الدولية ووقف الهدر في الأرواح والممتلكات إن كان في بيئة الحزب أو على مستوى لبنان كله.