بين إسرائيل وحزب الله: لبنان يُفاوض تحت تهديد الحرب والاغتيال

بين إسرائيل وحزب الله: لبنان يُفاوض تحت تهديد الحرب والاغتيال

 

نبيل شحاده - "من جرّنا إلى الحرب يحاسبنا اليوم لأننا اخترنا التفاوض". بهذه العبارة التي أطلقها الرئيس جوزاف عون، تدخل الساحة اللبنانية أزمة جديدة، وينتقل الصراع إلى داخل البنية السياسية، ليصبح خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل نفسه ساحة اشتباك مفتوحة بين رؤيتين متناقضتين تتنازعان مستقبل البلاد.

في هذا السياق، تحاول الدولة اللبنانية مدعومةً من شريحة واسعة من اللبنانيين الدفع نحو مسار تفاوضي يهدف إلى تثبيت وقف إطلاق نار دائم، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من المناطق التي احتلها بعد 8 أكتوبر 2023، واستعادة الأسرى، ما يعني وقف دوامة الحروب المتكررة مع إسرائيل، وتثبيت الاستقرار. ومن جهة أخرى، يبرز مسار مضاد يقوده حزب الله، ويسعى إلى تعطيل هذا الخيار أو رفع كلفته السياسية إلى الحد الذي يجعله غير قابل للتحقق، ومعلناً تمسكّه بما يسميه المقاومة.

الرسائل الإسرائيلية في هذا التوقيت جاءت لتزيد المشهد تعقيداً وتشكّل إحراجاً إضافياً للمساعي الرسمية اللبنانية التي تأمل في تفاوض بعيد عن الضغط العسكري. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أعلن أن إسرائيل مُنحت "حرية كاملة في العمل في لبنان لإحباط التهديدات الفورية والناشئة"، مشيراً بوضوح إلى أن الساحة اللبنانية ستبقى مفتوحة عسكرياً طالما لم تُعالج مصادر التهديد. وعزّز هذا التوجه ما نقلته صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مصادر إسرائيلية من أن الحكومة اللبنانية "لم تعتقل أحداً، ولا أنجزت محاولات لمنع الهجمات، ولا بذلت جهداً لوقف إطلاق الصواريخ منذ بدء وقف إطلاق النار"، في تشكيك واضح بقدرة الدولة اللبنانية على التحرك ميدانياً، ويدعم التوجه الإسرائيلي في استمرار الضربات بحجة ملاحقة عناصر حزب الله وتدمير بناه التحتية. الأمر لم يتوقف عند التشكيك، بل تُرجم بلهجة أكثر حدة من قِبل وزير الدفاع إسرائيل كاتس، الذي حذّر قائلاً: "إذا استمرت الحكومة اللبنانية في الاحتماء تحت ظل حزب الله، فسوف تندلع النيران وتحرق أرز لبنان"، في تلويح صريح بتوسيع نطاق المواجهة.

 

في الداخل اللبناني، يتعزز الانقسام حول جدوى التفاوض والحدود التي يمكن الوصول إليها. النائب فادي كرم أعاد التذكير بأن "لبنان ليس سيّد نفسه كدولة، إذ إن من يتحرك على أرضه هي الأذرع الإيرانية التي تؤثر وتعرقل أو تسهّل"، مضيفاً أن أي تفاوض لن يكون له معنى "إذا لم تضبط الدولة سلاح حزب الله وتحسم وضعية الأرض". ولا يُمكن اعتبار موقف كرم رأياً فردياً، بل يعكس ما تقوله شريحة واسعة من اللبنانيين سراً وعلانية، وترى أن التدخل الإيراني يشكّل سبباً مباشراً للأزمة التي يعيشها لبنان اليوم، سواء من حيث تعطيل مؤسسات الدولة أو جرّ البلاد إلى صراعات إقليمية تتجاوز مصالحها.

في المقابل، يقدّم حزب الله طرحاً معاكساً يقوم على رفض التفاوض لأنه يعتبره إضعافاً لجبهة الممانعة وكسراً لمبدأ "وحدة الساحات".  النائب علي عمار ذهب بعيداً في اتهاماته، فاعتبر أن السلطة اللبنانية في قبولها التفاوض أصبحت شريكة للعدو في كل اعتداء يمارسه على لبنان. وهذا اتهام مباشر وخطير يجعل من التفاوض لوقف الحرب وإحلال السلام دليلاً على التواطؤ ومساهمة في قتل اللبنانيين حسب منطق عمار. أما الوزير السابق مصطفى بيرم، فصاغ الموقف بطريقة تتجاهل الدستور والقوانين والدولة نفسها حين قال إن الدفاع عن النفس والوجود والأرض لا يحتاج لأي إذن.

غير أن أخطر ما يرافق هذا التصعيد لا يكمن فقط في حدّة المواقف، بل في التحوّل النوعي في الخطاب، حيث صدرت عن الناشط المقرب من حزب الله، رافي مادايان، تلميحات غير بريئة حين لوّح بمصير مشابه للرئيس أنور السادات والرئيس بشير الجميل، وهذا مثّل انتقالاً مقلقاً في مستوى السجال السياسي إلى الإيحاء العلني بالاغتيال.

استحضار هاتين الشخصيتين ليس تفصيلاً عابراً يمكن التغاضي عنه. فأنور السادات اغتيل بعد أن اتخذ قراراً استراتيجياً بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، والانتقال بمصر من الحرب إلى السلام، في خطوة أحدثت انقساماً حاداً في البيئة السياسية العربية. أما بشير الجميل، فقد اغتيل في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، قبل أن تتبلور ملامح مشروع سياسي يعيد رسم موقع الدولة بطريقة جديدة. في الحالتين، ارتبط الاغتيال بخيارات كبرى تتعلق بالتفاوض وبالسلام والحرب وهوية الدولة.

من هنا، فإن التلميح إلى هذين النموذجين في السياق اللبناني الحالي يحمل رسائل تتجاوز التعبير السياسي، ومفادها إن أي انتقال نحو خيار تفاوضي قد لا يبقى محصوراً في خيارات الدولة والمؤسسات، بل قد يواجه ما قد يتخطى حدود العمل السياسي التقليدي وهو بالمعنى الصريح، التصفية الجسدية.

الخطير، اليوم، أن هذه اللغة تعيد إحياء مناخات عرفها لبنان في مراحل سابقة، حين لم تكن الخلافات تُحسم داخل المؤسسات، بل عبر أدوات قسرية وكان منها سلسلة اغتيالات طالت شخصيات فكرية وصحفية وسياسية وجاء في مقدمتهم الرئيس رفيق الحريري الذي شكّل اغتياله زلزالاً في لبنان ما زالت تتردد تداعياته إلى اليوم.

هذا التصعيد، إلى جانب خطورته، يعمل على ضرب الثقة بقدرة الدولة على حماية خياراتها السياسية، وينعكس سلباً على موقع لبنان الخارجي والتزاماته كدولة. والمسار التفاوضي يحتاج إلى بيئة مستقرة وقرار ثابت وإرادة صلبة، وهو ما يصبح موضع شك حين يترافق النقاش السياسي مع تلميحات إلى نهايات دموية.