لبنان العاجز: إلى أين؟
فاروق عيتاني - ليست الأزمة اللبنانية وليدة اللحظة، ولا هي نتاج حرب عابرة أو تسوية مختلة هنا أو هناك. إنها، في جوهرها، الأزمة نفسها التي سبقت اتفاق الطائف ولم تحل به، بل أُعيد ترتيبها وتأجيل انفجارها. ما تغير هو الشكل، أمّا الجوهر فبقي على حاله: دولة بلا سيادة مكتملة، ونظام يراوح بين التوازنات الهشة والارتهانات الخارجية. في قلب هذه الأزمة يقف عامل قلّما يقال بصراحة: ضعف الموقع الماروني أمام إغراء كرسي رئاسي منزوع السيادة. فمنذ أن تحول منصب الرئاسة من مركز قرار فعلي إلى موقع محكوم بشروط الخارج وتفاهمات الداخل القسرية، بات التنافس عليه أشبه بصراع على رمز فارغ أكثر منه سلطة حقيقية. وهنا تكمن المفارقة: السعي المحموم إلى الرئاسة يترافق مع قبول ضمني بتفريغها من مضمونها. ليست المشكلة في الأشخاص بقدر ما هي في البنية. فالنظام الذي ولد بعد الطائف قام على تسويات لم تنه الصراع بل أعادت توزيعه، وعلى توازنات لم تحصن الدولة بل قسمتها. ومع كل أزمة، يتبين أن السلطة ليست سوى واجهة، وأن القرار الفعلي يصنع خارج المؤسسات، أو في أحسن الأحوال على هامشها.
اليوم، ومع اشتداد الأزمات الإقليمية وانعكاسها على الداخل اللبناني، يظهر العجز أكثر وضوحا. حكومة معلقة بين الضغوط، ورئاسة فاقدة للقدرة، ومؤسسات تتكل تدريجيا. وفي الخلفية، حرب تدار على الحدود، وأخرى مؤجلة في الداخل، تنتظر لحظة التسوية أو الانفجار. فهل يكون الحل في إعادة إنتاج الوصاية، ولكن بصيغة "مشرعنة" دوليًا؟ هل يكلف الخارج بدولة راعية للبنان، على غرار ما ارتبط بسياسات ريتشارد نيكسون مع حافظ الأسد، أو ما نسب إلى دور جمال عبد الناصر في رعاية مرحلة الشهابية بعد سقوط حلف بغداد عام 1958؟ أم أن المأزق أعمق من أن يحل بإسناد الدولة إلى راع خارجي، أيا كان اسمه؟ ثمّ متى تتوقّف شهوة بعض الموارنة، وخصوصا العسكر منهم، عن التعلق بكرسي الرقم واحد، ولو بثمن بيع السيادة… أو إعارتها مؤقتا لدولة خارجية؟

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook