الجزر الإيرانية وتحديات أمن الملاحة في مضيق هرمز

الجزر الإيرانية وتحديات أمن الملاحة في مضيق هرمز

 

نبيل شحاده - في خضم التصعيد المتسارع في منطقة الخليج، لم يعد الحديث يدور فقط حول ضربات جوية، بل بدأ يتجه وبجدية متزايدة نحو احتمال حسّاس وأكثر تعقيداً، مع الإعلان أن البنتاغون أعد خططاً مفصلة لعملية برية محتملة ضد إيران ينفذها الجيش الأميركي، فيما ينكبّ الرئيس دونالد ترامب على تقييم إمكانياتها وشروطها قبل السماح ببدئها، لا سيما وأن البدء بعمليات برية سيمثّل تصعيداً تكتيكياً وانتقالاً نوعياً في طبيعة الصراع، وسيعيد رسم موازين السيطرة في أحد أهم الممرات الحيوية في العالم.

 

وتأتي الجزر الإيرانية، وفي مقدمتها خرج وقشم ولاراك، في قلب هذا السيناريو المحتمل، ليس لأنها أهداف رمزية، بل لأنها تمثل مفاصل مختلفة في شبكة القوة الإيرانية من النواحي الاقتصادية، واللوجستية، والعسكرية، وهي بمثابة مثلّث محوري للسيطرة على حركة الملاحة وخطوط إمداد الطاقة في الخليج العربي وعبر مضيق هرمز.

جزيرة خرج في الجزء الشمالي من الخليج، وتقف في مقدمة هذه الأهداف، بوصفها الشريان الرئيسي لنحو تسعين بالمئة من صادرات النفط الإيرانية، إضافة إلى أنها تحتوي خزانات ضخمة قادرة على استيعاب وتخزين ملايين البراميل من النفط. ولذلك فإن أي عملية عسكرية تستهدفها، سواء بالسيطرة المباشرة أو التعطيل الكامل، ستعني عملياً ضرب القدرة الإيرانية على تمويل المعركة والاستمرار فيها. ولهذا لم يكن تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمحو الجزيرة مجرد تصعيد لفظي، بل إشارة واضحة إلى أن واشنطن تدرس خيارات ضرب وشلّ العمق الاقتصادي لإيران، وليس الاكتفاء فقط باستهداف قواها العسكرية.

لكن أهمية جزيرة خرج، تبقى اقتصادية بالدرجة الأولى، وتأثيرها يبقى محدوداً على مضيق هرمز. ومن هنا، فإن السيطرة عليها، رغم التأثير الكبير والتداعيات المتوقعة، لا تكفي وحدها لتحقيق هدف تأمين الملاحة في المضيق.

أما جزيرة قشم، فتمثل تحدياً مختلفاً تماماً وهي أقرب إلى قاعدة عمليات متكاملة، بفضل موقعها المحاذي للممر الملاحي الدولي، وتمنح إيران قدرة عالية على مراقبة وحماية حركة السفن الداخلة والخارجة من الخليج.  مساحتها الكبيرة التي تبلغ نحو 1500 كلم مربع، ووجود منشآت عسكرية، ومخازن، ومنصات إطلاق صواريخ، وبنية تحتية داعمة للزوارق الهجومية والمسيّرات، يجعل منها امتداداً عملياً للبر الإيراني. وهذا يعني أن محاولة السيطرة عليها لن تكون نزهة سريعة، وستتحول إلى مواجهة واسعة في حال كانت إيران مستعدة عسكريا ولوجستياً لهذا الاحتمال.  

في المقابل، تبرز جزيرة لاراك بوصفها نقطة ضغط في عنق مضيق هرمز، وموقعها يمنحها قيمة استراتيجية عالية في مراقبة خطوط الملاحة واستهداف السفن، ما يجعلها هدفاً منطقياً في أي عملية برية لتقليص قدرة إيران على تعطيل حركة السفن، أو حتى إمكانية تعطيل العبور في المضيق.
وإلى جانب هذه الجزر الثلاث، تبرز جزيرة هرمز نفسها بوصفها تتمتع بموقع جغرافي شديد الأهمية، إذ تقع على تماس مباشر مع الممر البحري، وعلى مقربة من قشم ولاراك، ما يجعلها جزءاً من نقاط التحكم في عنق هرمز، والسيطرة عليها سيعزز الإحكام التكتيكي على الممر.

بالإجمال، السيطرة على جزر خرج وقشم ولاراك وهرمز تعني عملياً وضع اليد على مفاصل جغرافية لها انعكاسات سياسية واقتصادية على إيران، وسيؤدي ذلك إلى الحد من قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية عبر تجريد الحرس الثوري من منصات انطلاق الزوارق السريعة وقواعد نشر الألغام البحرية وبطاريات الصواريخ الساحلية التي تتحكم بالمضيق. كما أن هذه السيطرة ستفرض حصاراً اقتصادياً يؤثر على مصادر التمويل عبر وقف العمل في "خرج"، وتحويل الجزر إلى مناطق عازلة تحت إدارة أميركية، أو تنتقل بطريقة ما إلى إدارة دولية تؤمّن تدفق الوقود إلى العالم وينهي حقبة التهديدات المتكررة عند حصول أي أزمة.

ولأن لكل قاعدة شواذ، يرى بعض المراقبين، أن إيران ستكون قادرة لفترة ما على إبقاء مستوى من التهديد من خلال البر يكفي لجعل الملاحة محفوفة بالمخاطر، وقد تنقل المعركة إلى مسارات أخرى، وهذا ينعكس مباشرة على سلوك شركات الشحن والتأمين، التي لا تعتمد فقط على مؤشرات الوضع العسكري، بل على تقييم شامل لمستوى جميع المخاطر.
 

في المحصلة، فإن الحديث عن عمليات عسكرية برية تستهدف الجزر الإيرانية يعكس تحوّلاً مهماً في التفكير الاستراتيجي، لكنه لا يقدم حلاً بسيطاً أو سريعاً. فالسيطرة على الجزر قد تغيّر موازين الضغط، وقد تضعف إيران اقتصادياً وعسكرياً، لكنها لا تضمن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن، وهذا يُبرز مفارقة كبيرة تؤكد أن أكثر الخيارات العسكرية جرأة، قد تكون أيضاً الأقل قدرة على تحقيق الاستقرار التام والدائم الذي تُنشده الولايات المتحدة، وربما قد تنجح فقط في تحقيق تخفيض معتبَر لمستوى الخطر وتحييد التهديدات البحرية.