الحرية ليست فوضى، وإيران الحرة ستحرر الشرق الأوسط
مكرم رباح - في كل مرة يُثار فيها احتمال التغيير في إيران، يُعاد ترديد التحذير نفسه: الانهيار سيؤدي إلى الفوضى، والحرب الأهلية، واللاجئين، والتطرف، والانهيار الإقليمي. غالبًا ما تُقدّم هذه الرواية على أنها واقعية رصينة، بينما في الحقيقة، هي خوف مُقنّع بالتحليل، وهي أنجح أداة دعائية للجمهورية الإسلامية.
إنها تخبر العالم أن الاستبداد أكثر أماناً من الحرية، وأنّ القمعَ أفضل من عدم اليقين، وأن الشرق الأوسط غير قادر بشكل فريد على التجديد السياسي.
هذا ليس واقعية. إنه كسل أخلاقي.
لم تكن الجمهورية الإسلامية ركيزة للاستقرار في الشرق الأوسط، بل كانت أكثر خصومه ثباتاً. لا تقوم عقيدتها الإقليمية على بناء الدول بل على إضعافها، ولا على السيادة بل على قوى موازية، ولا على المؤسسات بل على الميليشيات. حيثما تتوسع إيران، تتقلص الدولة، وحيثما تتدخل، تنهار شرعيتها.
لبنان هو المثال الأوضح.
على مدى أربعة عقود، قدم حزب الله نفسه كقوة "مقاومة". لكن النتيجة لم تكن مقاومة، بل فساد. بلد بلا اقتصاد فاعل، بلا مساءلة، بلا احتكار للقوة، وبلا مستقبل لشبابه. انهيار لبنان ليس صدفة، بل هو انهيار بنيوي؛ حل اقتصاد الميليشيات محل الاقتصاد الوطني، وحل منطق الحرب محل الحياة السياسية، وحلت أجندة استراتيجية خارجية محل الأولويات الداخلية.
هذا هو شكل "الاستقرار" الإيراني.
يقدم العراق الدرس نفسه. فالميليشيات الموالية لطهران لم تحمِ السيادة العراقية، بل باعتها. ولم تقوّي الدولة، بل مزقتها. ولم تهزم التطرف، بل طبعته بتحويل السياسة إلى إكراه مسلح.
اليمن، لم ينهار بسبب التطلعات الديمقراطية، بل بسبب تحوّل الحوثيين إلى آلة حرب دائمة، مدعومة بالأسلحة والتدريب والأيديولوجية الإيرانية.
ومع ذلك، قيل لنا إن الخطر الحقيقي ليس هذا الواقع الحالي، بل مستقبل افتراضي قد تصبح فيه إيران حرة في نهاية المطاف.
نعم. تفتقر إيران إلى قيادة معارضة موحدة. وكذلك الحال بالنسبة لمعظم المجتمعات التي خرجت من حكم استبدادي طويل. التعددية السياسية ليست عيباً، بل هي جوهر الأمر.
نعم، الحرس الثوري الإيراني قوي. لكن السلطة بلا شرعية هشة، تتصدع وتتآكل وتنشق. لا يمكن لأي جهاز أمني أن يصمد إلى الأبد عندما يُجبر على الحكمِ ضد مجتمعه.
إن فكرة انزلاق إيران تلقائياً إلى حرب أهلية تفترض أن الإيرانيين أنفسهم مجرد متفرجين سلبيين على مستقبلهم. وهذا غير صحيح. فقد ظلوا ينظمون أنفسهم، ويقاومون، ويعبّرون عن آرائهم، ويتخيلون بدائل لعقود. ما ينقصهم ليس الوعي السياسي، بل المساحة. هذه المساحة هي بالضبط ما لا تستطيع الأنظمة الاستبدادية تحمله.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان التغيير محفوفًا بالمخاطر، فكل تغيير محفوف بالمخاطر. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان النظام الحالي يُنتج معاناة أقل. والجواب هو لا.
إن النظام الذي يقطع الإنترنت لإسكات شعبه، والذي يطلقُ النارَ على رجالٍ ونساء عُزّل لا يطالبون إلا بالكرامة والخبز ومستقبل أفضل، يفقد أي شرعية. الحكومات التي تستمر في الحكم بمحو الشهود، وتجريم الأمل، واعتبار الاحتجاج خيانة، ليست "مستقرة". إنها محتلة ومعادية لمجتمعاتها. لا يستحق أي نظام سياسي يُعمي مواطنيه للبقاء أن يستمر، فضلاً عن أن يُدافع عنه باعتباره أهون الشرّين.
في لبنان، لا نعيش في استقرار، بل في ظل انهيار مُعلّق. كل يوم، تحمينا أسلحة حزب الله من الحرب بإبقائنا على حافة الهاوية. كل يوم، روايته عن الردع تبرّر شلله. كل يوم، يمنع ادعاؤه بالمقاومة أي إصلاح.
إن إيران الحرة لن تحل مشاكل لبنان على الفور، لكنها ستزيل البنية التي تدعمها.
لولا تمويل طهران ودعمها اللوجستي وغطائها الأيديولوجي وتنسيقها الاستراتيجي، لما اختفى حزب الله، بل لتقلص حجمه. ولفقد عمقه الإقليمي، وتخلّى عن تفويضه الإلهي، ولأُجبرَ على التفاوض مع المجتمع اللبناني بدلاً من الهيمنة عليه.
هذا هو شكل التحرر في الواقع: ليس معجزات، بل هوامش. ليس مدنًا فاضلة، بل انفتاحات. وينطبق الأمر نفسه على العراق واليمن.
إنّ الادعاء بأنّ إسرائيل ستكون الرابح الوحيد في الشرق الأوسط ما بعد الجمهورية الإسلامية هو ادعاءٌ يفتقر إلى التحليل. فالتهديد الإقليمي الذي تُشكّله إيران ليس عسكرياً فحسب، بل هو تهديدٌ بنيويٌّ، يُهدّد كيان الدولة نفسه. ولا تقتصر الجمهورية الإسلامية على مواجهة إسرائيل فحسب، بل تُقوّض أيضاً فكرة أن تكون السياسة مدنيةً وخاضعة للمساءلة وتقوم على المؤسسات.
ولهذا السبب فإن خصمها الحقيقي ليس دولة، بل مفهوم: السيادة.
إن إيران الحرة من شأنها أن تُضعف الأسطورة الأيديولوجية التي تُغذي حركات "المقاومة" المسلحة في جميع أنحاء المنطقة. وستكشف زيف الادعاء بأن الكرامة تتطلب العسكرة، وأن التحرر لا بد أن يأتي عبر حرب دائمة، وأن الحياة المدنية مجرد وهم غربي.
نعم، ستكون هناك اضطرابات. لكن الاضطرابات ليست انهياراً.
إن ما يُنتجُ اللاجئين والإرهاب والتطرف ليس الحرية، بل الأنظمة التي تعجز عن الإصلاح، ولا تكتفي إلا بالقمع. إنها الأنظمة التي تُخرج أزماتها إلى الخارج عبر تصدير الميليشيات والأسلحة والخطابات الطائفية.
لم يصبح لبنان بلداً مُصدِّراً للاجئين، ومُستنزفاً للعقول، ومُفرغاً للشباب بسبب احتجاجات الإيرانيين، بل أصبح كذلك لأن حزب الله سمح له بالسيطرة على زمام الأمور.
لا يعاني الشرق الأوسط من كثرة التغيير، بل يعاني من قلة التغيير.
يُقال لنا إن الفاعلين الإقليميين يفضلون "الاستمرارية على الفوضى". ولكن الاستمرارية لمن؟ للميليشيات؟ لاقتصادات الحرب؟ للطبقات السياسية التي تزدهر على الشلل؟
بالنسبة للناس العاديين، الاستمرارية بحد ذاتها كارثة. الخيار الحقيقي ليس بين الاستقرار والفوضى، بل بين التدهور المُدار والتجديد الصعب.
لن تشكل إيران الحرة تهديداً للمنطقة، بل ستكون أول قطيعة حقيقية مع منطق الحرب بالوكالة الدائمة.
بالنسبة للبنان، ستكون هذا القطيعة بمثابة ثورة بكل معنى الكلمة.
المقال نُشر باللغة الانكليزية في "ناو ليبانون" في 16 -1 -2026

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook