إيران والتحول الكبير: شعب غاضب ونظام مأزوم
نبيل أحمد شحاده - تعيشُ إيران اليوم لحظةً تاريخية فارقة؛ والمشهد لم يعد مجرد احتجاجات مطلبية عابرة، بل تحول إلى انتفاضة شاملة اجتاحت كافة المحافظات، وأدخلت البلاد في واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ قيام جمهوريتها الدينية، والحراك الشعبي لا يقتصر على مطالب معيشية معيّنة، بل يرتقي سياسياً ليصل إلى المسّ بجوهر النظام وشرعيته، وقدرته المتهالكة على الاستمرار.
ردّ النظام كان متوقّعاً في الأسلوب والأدوات، فقطعَ الإنترنت بشكلٍ كامل، وصعّد أمنياً، واستخدمَ العنف المفرط بحق المحتجين، حتى تناقلت وسائلُ الإعلام معلومات شبه مؤكدة عن مقتلِ أكثر من ثلاثة آلف شخص، وسقوط أعداد كبيرة من الجرحى بحسب منظمات حقوقية إيرانية. ولم يكتف النظام بذلك، بل وجهَّ كعادته اتهامات تقليدية إلى جهات "خارجية" بالتحريض على الفوضى والتخريب. ولكن ما لفت أنظار المراقبين، أن النظام فشل هذه المرة في تحقيق أهدافه بالحد من الاحتجاجات، ولم يتمكن حتى الآن لا من احتوائها ولا إنهائها، في دلالة واضحة على اتساعها وزخمها. وفي نفس الوقت، دلت هذه الاحتجاجات على هشاشة النظام العاجز عن معالجة الأسباب العميقة للغضب الشعبي التي تراكمت عبر عقود من سوء الإدارة، والفساد والعقوبات الدولية وتغليب المشروع العقائدي التوسعي والانفاق الكبير على أدواته الخارجية على حساب حاجات الشعب وتحقيق مطالبه.
في موضوع قطع الإنترنت، تحديداً، فهذه ليست المرة الأولى التي يلجأ النظام لهذا الإجراء الأمني، لأنه يخاف دائماً من فقدان السيطرة على الرواية اليت يروّجُ لها، ويخشى من توثيق جرائمه في الشوارع، ويسعى بقوة لمنع انتقال صورة الاحتجاجات إلى خارج الحدود، فتتحوّل من حدث داخلي، إلى قضية رأي عام عالمي، وتتحوّل إلى باب واسع للتدخلات وزيادة الضغوط. وهنا انقلب السحر على الساحر الفاشل، فقد شلّ قطع الإنترنت قطاعات حيوية، وعطّل الحياة اليومية، والأخطر من كل ذلك، أن الصورة الحقيقية أصبحت ملتبسة ومشوّشة، فتصاعدت أرقام الضحايا، وساهم ذلك بقوّة في توسيع رقعة الغضب العارم على النظام.
في المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة ومن خلفها الغرب، في عجلة من أمرهم للذهاب بعيداً حتى حدود الضربة العسكرية، والرئيس الأميركي دونالد ترامب ظهر واضحاً أنه يتريّث في قرار حاسم بشأن إيران، وتحدّث بلغة هادئة، مفضلاً الانتظار، لأن التقديرات تقول إنّ أي عمل عسكري قد يمنحُ النظام فرصة لإعادة التعبئة تحت شعارات الدفاع عن سيادةِ إيران، ولنقل الأزمة الداخلية إلى صدامٍ مع الخارج "المعتدي"، وهذا حتماً سيؤدي إلى تراجع في الاحتجاجات أو ربما تفكيكها كلياً.
الحذر الأميركي في التعامل مع الموضوع الإيراني كان واضحاً، حتى إن الرئيس دونالد ترامب سارع إلى الإعلان عن تلقيه تحديثاً من مصدر وصفه بالموثوق، بأن عمليات القتل في إيران توقفت، وأن طهران لا تخطط لإعدامات، لا فردية ولا جماعية، تاركاً المجال مفتوحاً لأية تطورات جديدة بقوله: "لكننا سنعرف ماذا يعني كل هذا، وسنكتشف الأمر". كلام ترامب لا يبتعد كثيراً عن أمر آخر يشغل بال دوائر القرار العالمية، وهو مرحلة ما بعد سقوط النظام، وكيفية ضمانة الاستقرار، ومنع الانزلاق إلى الفوضى في دولة تركيبها معقّد سياسياً وعرقياً ودينياً.
هذا الموقف الأميركي الذي فاجأ المجتمع الدولي نتج من تقاطع عدة عوامل، ومنها مواقف عدد من الدول العربية التي تُدرك أن أي انفجار عسكري واسع سيصيب بنتائجه أمن واستقرار المنطقة، ويُهدّد أسواق النفط، وتحرص رغم عدم اتفاقها مع النظام الإيراني، على عدم انتشار الفوضى في إيران أو توسّعها إلى الجوار.
وعلى الضفة الداخلية، تواجه المعارضة الإيرانية أزمة حقيقية وتشتتاً واضحاً. فرغم قوة الشارع واتساع الاحتجاجات، تعاني هذه القوى المتنوعة من انقسامات أيديولوجية، وضعف تنظيمي، وغياب رؤية موحدة وشاملة لإدارة البلد في المرحلة الانتقالية. هذا القصور يُضعفُ قدرة الحراك على الانتقال من احتجاج شعبي واسع إلى مشروع سياسي بديل يتمتع بالقدرة والحنكة والكفاءة على طمأنة الداخل والخارج معاً، والسيرِ بإيران نحو مستقبل واعد.
في خضم كلِ ذلك، تبرز ثلاث مسارات مُحتملة، ويُمكن تصنيفها على الشكل الآتي:
الأول: أن ينجح النظام في احتواء الاحتجاجات والقضاء عليها تدريجياً بالقمع وتقديم تنازلات شكلية وتعديلات حكومية وقرارات "لا تُسمن ولا تُغني من جوع". وهذا المسار له محاذيره على المدى الطويل، لأنه لا يُعالج أسباب الأزمة، بل يُمدد فقط من عمر النظام.
الثاني: وهو الأخطر، ويتمثّل في سقوط سريع للنظام، ويترافق مع انقسامات وصراع على السلطة وفوضى عارمة، وهو ما حذرت منه دول الجوار العربي.
الثالث: وهو حصول تصدّع محسوب ومدعوم من الخارج ويحظى برضا غالبية الشعب، ويدفعُ إلى تغييرات بنيوية داخل النظام، تمهيداً للانتقال إلى نظام أكثر ديمقراطية، ويضمن حقوق جميع المكونات العرقية والدينية دون تمييز. دولة لا مركزية قوية، تمنح الأقاليم صلاحيات إدارية واقتصادية واسعة، وهذا الخيار، هو الأكثر واقعية للحفاظ على وحدة البلاد ويعطل النزعات الانفصالية المتعددة، ويؤمّن عدالة متوازنة، وتضمن المحاسبة القانونية بعيداً عن منطق الانتقام.
وبانتظار ما قد يحدثُ من تطورات، تبقى إيران اليوم أمام مفترق تاريخي. والمسألة لم تعد حول سقوط النظام، بل تخطت ذلك، وباتت حول منع سقوط الدولة نفسها، في ظل معارضة لم يكتمل نموّها ولا أدواتها بعد، وحذر عربي ودولي من تداعيات خطيرة. مصير إيران يبقى مفتوحاً على احتمالات كبرى، ستحدد لاحقاً شكل البلاد، وتداعياتها على المنطقة لعقود قادمة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook