سوريا الجديدة: إدارة التنوّع وتثبيت الاستقرار

سوريا الجديدة: إدارة التنوّع وتثبيت الاستقرار

 

 

نستراك - لم يعد السؤال حول وحدة سوريا" سؤالاً نظرياً أو شعاراً سياسياً؛ بل صار اختباراً يومياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على تحويل مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد البائد إلى مشروع حكمٍ قادر وقابل للحياة، ويضمن الأمن ويضبط السلاح ويستعيد المؤسسات ويمنح المكوّنات المختلفة بأن الدولة ليست خصماً لأحد منها، بل هي الإطار الجامع وهي الملاذ الأخير للجميع دون استثناءات. وأهمية هذا الاختبار تظهر لأن البيئة السورية الراهنة لا تتحمّل التفكك؛ اقتصادٌ منهك، وتداخل نفوذٍ خارجي، وجِراح حرب طويلة، ومجتمعات محلية مسلّحة أو شبه مسلّحة اعتادت إدارة شؤونها خارج المركز.

ضمن هذه الصورة العامة، تظهر ثلاث ساحات حسّاسة ومزعجة تتقاطع فيها السياسة بالهوية وبالأمن؛ الشمال الشرقي الذي تسيطر عليه "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والسويداء بقيادة مرجعية دينية درزية يتصدرها الشيخ حكمت الهجري، والساحل حيث الكتلة العلوية، وما يرافق هذه الساحات من توترات أمنية وذاكرة صدامية مع الدولة القديمة والجديدة على السواء.

المطلوب هنا هو بكل بساطة توحيد أدوات الحكم، وما يعنيه من احتكار السلاح الشرعي، وإدارة موارد الدولة، وبناء عقدٍ سياسي انتقالـي، وتوفير حدّ أدنى من العدالة الانتقالية يخفّف دوافع الثأر ويقطع الطريق على الاستثمار الخارجي في الفتن المحلية. وهذا بالضبط ما يجعل الإجراءات التي تقوم بها الدولة السورية اليوم ــ مهما اختلفت الآراء حولها ــ ذات دلالة حاسمة على مستقبل البلاد.

 

أولاً: الشمال الشرقي وقسد… من الأمر الواقع إلى الاندماج

أخطر ما في ملف الشمال الشرقي ليس وجود قوة عسكرية منظّمة خارج الجيش فحسب، بل وجود نموذج حكم كامل ولو اتسم بالفوضوية وغياب القانون الموحد: مؤسسات مدنية، أجهزة أمنية، معابر وحدود، وموارد حيوية (نفط وغاز وزراعة) تُدار بمنطق شبه مستقل. لذلك، عندما وُقّع اتفاق أذار/مارس 2025 بين دمشق وقسد على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق البلاد ضمن مؤسسات الدولة السورية، كان الاتفاق ــ من حيث المبدأ ــ خطوة مفصلية في الاتجاه الصحيح، الذي يُعيدُ تعريف سوريا كدولة واحدة بمؤسسات واحدة، بدل خريطة نفوذ تتجاور فيها القوى والجيوش والإدارات.

لكن التجربة أثبتت أن الاتفاق شيء وتنفيذه شيء آخر. فالتقارير الواردة من دمشق تقول إن قسد تؤخرُ تنفيذ الالتزامات، والتوترات الميدانية وإغلاق معابر وهذا ما أدى لاحقاً إلى انفجار الوضع في داخل مدينة حلب، وهذا ما يمكن اعتباره حلقة مفصلية في مقاربة الدولة السورية لملف قسد، وهو يوضح بجلاء انتقال دمشق من منطق "الاحتواء والتفاوض" إلى منطق المعالجة الميدانية المرحلية للفجوات الأمنية داخل المدن الكبرى.

ففي حيي الشيخ مقصود والأشرفية، اللذين شكّلا لسنوات جيبين أمنيين مغلقين داخل مدينة حلب، انفجر التوتر إثر حوادث أمنية واشتباكات محدودة سرعان ما تحولت إلى مواجهة عسكرية محسوبة. الدولة السورية تعاملت مع الوضع بوصفه تهديداً مباشراً لوحدة المدينة وأمنها، لا مجرد إشكال محلي، ففرضت طوقاً عسكرياً، وأدارت المعركة بسرعة وحزم، ما انتهى بـإخراج مقاتلي قسد من الحيين ونقلهم خارج مدينة حلب بالكامل، وعودة السيطرة الكاملة للدولة على المنطقتين، في خطوة وُصفت رسمياً بأنها تحرير فعلي لحلب من آخر الجيوب المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة.

أهمية هذه العملية لا تكمن فقط في بعدها العسكري، بل في رسالتها السياسية والأمنية، وهي إن الدولة لم تعد تقبل بوجود مناطق رمادية داخل المدن الكبرى، ولا بكيانات مسلحة تفاوض من داخل النسيج الحضري. حلب، بوصفها العاصمة الاقتصادية والشريان الحيوي للشمال السوري، لا يمكن أن تُدار بمنطق الجزر الأمنية، وأي تساهل فيها كان سيعني تعميم النموذج على مدن أخرى، وجرّ البلاد إلى مسارات فوضوية مدمرة.

وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على أن دير حافر والقرى المحيطة بها قد تكون المحطة التالية، حيث تلوح في الأفق مواجهة مشابهة لمعالجة جيوب وتداخلات أمنية مرتبطة بقسد أو بقوى محلية متحالفة معها. هذا المسار يوحي بأن الدولة السورية تعتمد اليوم سياسة القضم والتطهير؛ لا اندفاع شامل يفتح جبهات واسعة، ولا تجميد طويل يسمح بتكريس أمر واقع، بل عمليات موضعية دقيقة، متدرجة، تُنهي كل فجوة أمنية على حدة، وتعيد ربط الجغرافيا بالسياق السيادي العام.

بهذا المعنى، ما جرى في الشيخ مقصود والأشرفية ليس حادثاً معزولاً، بل نموذجاً عملياً لكيفية استعادة الدولة سيادتها؛ تفكيك الجيوب، تفريغ السلاح، نقل المقاتلين، ثم فرض الإدارة والأمن المركزيين في رسالة واضحة لقسد ولغيرها مفادها أن مسألة وحدة الأرض لم تعد ملفاً مؤجلاً أو خاضعاً فقط للتفاهمات السياسية، بل باتت تُعالَج أيضاً بأدوات الدولة ومطرقتها الصلبة عندما تفشل التسويات أو تُستنزف.

 

ثانياً: الجنوب والسويداء… بين هواجس الحماية ومخاطر الانفصال

في الجنوب، تتخذ المسألة شكلاً مختلفاً: ليست هناك "إدارة ذاتية" كاملة على نمط الشمال الشرقي، لكن توجد بنية مسلحة محلية هزيلة وتدّعي أنها دولة، وتحاول تحت أي ذريعة سياسية أو اقتصادية أو دينية الالتصاق بإسرائيل. ومع سقوط النظام البائد وصعود السلطة الجديدة، دخلت السويداء مرحلة شدّ وجذب بين خيارين: الاندماج في الدولة الجديدة بشروط تطمينية، أو الذهاب واو كاريكاتورياً نحو انفصال بحجة الخوف من أيديولوجيا غالبية الشعب السوري.

حكمت الهجري مثّل ــ في جزء من خطابه ــ اتجاهاً صدامياً مع دمشق، وصل إلى طرح الاستقلال التام للسويداء، والإعلان عن تشكيل الحرس الوطني، وتحدث عن تنسيق مستمر مع قسد في الشمال، وفق مقابلات وتصريحات نُشرت في يناير/كانون الثاني 2026. كما تناولت تقارير أخرى تحولات موقف الهجري خلال 2025 وتوتر العلاقة مع دمشق التي قدمت الكثير من التنازلات في محاولات لإنهاء الأزمة واحتواء تداعياتها على منطقة الجنوب.

أهمية إجراءات الدولة تمثلت في معالجة ما يمكن تسميته "أزمة ثقة" بين المركز وجمهور محلي يديره صاحب طموح غير منطقي وغير مبرر، وقد يتسبب بالكثير من الأذى إذا طال الحال وتأخرت المعالجة. ومسألة الهجري وحرسه الوطني، كما تقول مصادر مطلعة، لن تكون مشكلة حقيقية في المستقبل، وفي أية توافقات سورية إسرائيلية، ستكون هذه المسألة مجرد موضوع عابر وبسيط،  وسيُترك للدولة السورية كاملاً حرية التصرف والتحرك لإنهائها وضمن إطار القانون.

 

ثالثاً: الساحل والعلويون… من صدمة الانهيار إلى قلق الحماية

الساحل السوري ملف بالغ الحساسية لأنه كان ــ تاريخياً ــ خزاناً بشرياً للنظام السابق، وفيه جروح متقابلة: علويون يخشون الانتقام الجماعي بعد سقوط الأسد، ومجتمعات أخرى تتوجس من بقايا شبكات أمنية قد تعود للعنف. ومع نهاية 2025 ظهرت مؤشرات توتر خطير: تظاهرات وصدامات في اللاذقية وطرطوس، وقتلى وجرحى، وفرض حظر تجول واعتقالات قالت السلطات إنها استهدفت أشخاصاً مرتبطين بالنظام المخلوع، مع نشر قوات حكومية لإعادة السيطرة.

في هذا الملف، الدولة أمام معادلة دقيقة: إن تراخت أمنياً، توسعت شبكات السلاح والانتقام والفوضى؛ وإن قست بلا ضوابط قانونية، صنعت خوفاً طائفياً يفتح الباب أمام تدويل أو تسليح أو انفجار طويل. لذا تُقاس إجراءات الحفاظ على الوحدة هنا بمعايير محددة، وتقومُ على احتكار الدولة للعنف مع محاسبة منضبطة واتباع مسار عدالة يطمئن المدنيين بأنهم ليسوا أهدافاً جماعية للانتقام، بل هم مواطنون في داخل وصلب الدولة لا على هامشها.

 

ما الذي تفعله الدولة السورية اليوم لحماية الوحدة؟ ولماذا هو مهم؟

إذا جمعنا الخيوط الثلاثة، نرى أن جوهر "حماية الوحدة" ليس شعاراً قومياً، بل هو حزمة سياسات تعتمد بأشكال مختلفة على إعادة بناء الشرعية الدستورية، وترتيب العلاقة بين المركز والأطراف، وضبط الأمن في البؤر القابلة للاشتعال من خلال نشر قوات، وفرض حظر تجول عند الضرورة، واستهداف مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام المخلوع، لمنع تحوّل الاحتجاجات إلى حرب شوارع كما يريد البعض. ويبقى الموضوع الخارجي وهو الانفتاح الإقليمي والدولي لتأمين رافعة الاستقرار؛ فسوريا بلا اقتصاد لا تُحكم، وبلا اعتراف ورفع للعقوبات لا تنهض.

 

سوريا هي الملاذ الأخير ودولة الجميع

يبقى أن نشير إلى أن الدولة السورية تبقى الملاذ الأخير لكل شرائح الشعب بما فيهم الغالبية الإسلامية السنّية وأن تكون دولة مواطنة. الأغلبية السنّية تحتاج دولة قوية لأنها الأكثر تضرراً من الفوضى والخراب الاقتصادي، والأقليات تحتاج دولة قوية لأنها تخاف من الفوضى والثأر والانتقام والاقتلاع. لذلك فإن معيار نجاح دمشق ليس فقط رفع العلم على المعابر، بل بناء شعور عام بأن القانون يحمي الجميع بلا تمييز. وسوريا لا تُحصَّن عبر القبضة وحدها ولا عبر التسويات وحدها، بل عبر توازن صعب بين هيبة الدولة وعدالتها. فإذا نجحت الدولة في نزع السلاح، وتقديم ضمانات حقوقية، وتحسين الاقتصاد تدريجياً عبر الانفتاح العربي والدولي، ستتقلص دوافع الكراهية ومشاريع الانفصال أو الحماية الخارجية، وتضعف المظالم المؤسسة لأحلام الدويلات.

 

لماذا سوريا المستقرة ضرورة للشرق الأوسط؟

سوريا المستقرة تعني شرقاً أوسط أقل قابلية للاشتعال: حدود أكثر انضباطاً، لاجئين أقل، اقتصاد تهريب أضعف، وبيئة أضيق لنمو التنظيمات المتطرفة. وتعني أيضاً عودة سوريا إلى عمقها العربي كدولة فاعلة، لا كساحة مفتوحة. هذا الهدف لا يتحقق بالشعارات، بل بإجراءات الدولة التي تُترجم الوحدة إلى مؤسسات: جيش واحد، قانون واحد، موارد تُدار وطنياً، وعدالة تُنهي إرث الحرب بدل توريثه.

وفي اللحظة السورية الراهنة، تبدو المعركة الحقيقية ليست بين "شمال وجنوب وساحل""، بل بين نموذجين: نموذج الدولة الجامعة التي تتسع للجميع، ونموذج الكيانات المتجاورة التي تُغري الخارج وتستنزف الداخل. وحتى الآن، يبدو أن إجراءات دمشق اليوم في ملفات قسد والسويداء والساحل يُقرأ من ميزان تقريب سوريا من منطق الدولة الواحدة العادلة التي تنظر بعين العقل والفكر والاقتصاد إلى المستقبل الذي يريده كل الشعب السوري.