الرفيقية السياسية: مشروع نهضوي انتهى باغتيال رفيق الحريري
نبيل شحاده - عندما وضعت الحرب الأهليّة أوزارها مطلع التسعينيات، لم يكن لبنان خارج حربٍ فقط، بل كان خارج الدولة بالمعنى الكامل للمؤسسات وهيكلية الدولة. بنى تحتيّة مدمّرة، واقتصاد شبه منهار، وعملة تتآكل، وإدارة عامة مترهّلة، ومجتمع منقسم، ومُثقل بذاكرة مؤلمة. جاء اتفاق الطائف ليؤسّس لوقف القتال وجمع السلاح، وإعادة توزيع الصلاحيات، لكن ما كُتب على الورق، لم يكن كافياً وحده لإعادة بناء البلد ووضعه على سكة الحياة مجدداً. كان لبنان يحتاج إلى رؤية ثاقبة، وإرادة صلبة، وإلى إدارة تنفيذية قادرة على تحويل النص الدستوري إلى ورشة عمل وبناء مفتوحة.
في تلك اللحظة التاريخية برز اسم رفيق الحريري بوصفه رجل المرحلة. لم يأتِ من تقاليد الزعامة، ولا من إرث الحرب وصفوف الميليشيات، بل من عالم الإدارة والمال والعلاقات.
كثيرون رأوا فيه أملاً ويحمل مفاتيح الإنقاذ بما يملك من شبكة واسعة من الصداقات في العواصم العربية والغربية، وخبرة ونجاح في إدارة المشاريع الكبرى، وقدرة على الجمع بين السياسة والاقتصاد في مشروع واحد كان عنوانه إعادة بناء الدولة.
عند تكليفه رئاسة مجلس الوزراء عام 1992، كان لبنان على حافة انهيار مالي شامل. فانطلق الحريري من قناعة رسمت صورته الوطنية التي عبّر عنها مراراً في خطاباته السياسية: "لا أحد أكبر من بلده". لم تكن العبارة شعاراً أخلاقياً فحسب، بل شكّلت مدخلاً لفلسفة حكم تقوم على إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وعلى الدفع بقوة لإخراج لبنان من منطق الساحات المفتوحة إلى منطق الدولة الواحدة.
ما عُرف لاحقاً بالحريرية السياسية لم يكن في جوهره تياراً أيديولوجياً منظّماً بقدر ما كان تجربة شخصية متكاملة لا يصحّ إلا تسميتها بالرفيقية السياسية. هي كانت رؤية رجل آمن بأن إعادة الإعمار ليست خلطاً لإسمنت وحديد فقط، بل إعادة بناء الثقة: ثقة المواطن بدولته، وثقة العالم بلبنان. "كان الحريري هو القوة المحركة للمشروع الوطني لإعادة البناء في لبنان"، بحسب ما قاله الخبير الاقتصادي سيمون ويليامز.
ارتكزت هذه التجربة على ثلاث دعائم أساسية: تثبيت الاستقرار النقدي، وإطلاق ورشة إعمار واسعة، وإعادة ربط لبنان بعمقه العربي وبالاقتصاد العالمي. فشهد وسط بيروت إعادة بناء شاملة أعادت الحياة إلى قلب العاصمة المدمرة، وتوسّعت مشاريع الطرق والاتصالات والتعليم العالي على مساحة الوطن. وفي موازاة ذلك، تحرّك رفيق الحريري على المستوى العربي والدولي لتأمين مظلة دعم سياسي ومالي، وعاد لبنان تدريجياً إلى خارطة المؤتمرات الاقتصادية والاستثمارات والسياحة وحتى النشاطات الرياضية.
سياسياً، بذل رفيق الحريري جهداً كبيراً واستثنائياً لترسيخ منطق الدولة في ظل معادلة إقليمية معقّدة ومتشابكة، ووجود سوري عسكري وأمني مؤثراً يحكم القرار اللبناني. فسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار الداخلي وتثبيت هوية لبنان العربية التي تقوم على الاعتدال والانفتاح وعدم الوقوع في فخ الخلافات الإقليمية. . لم يكن مشروعه صدامياً، لكنه كان يحمل في جوهره توجهاً اعتبره حقاً للشعب لبنان، وهو أن يكون وطنهم لبنان دولة طبيعية، لا ساحة اشتباك وصراعات دائمة.
لم تمرّ "الرفيقية" من دون مصاعب واعتراضات. انتُقدت سياساتها الاقتصادية بسبب ارتفاع الدين العام واعتماد نموذج اقتصادي ركّز على الخدمات والمال والعقار أكثر من القطاعات الإنتاجية، ورأى خصومه وأغلبهم كانوا لا يملكون شيئاً لتقديمه للبلد سوى الشعارات، أن مشروعه يعمّق الفوارق الاجتماعية، بينما اعتبر مؤيدوه ومناصروه من مختلف المناطق والطوائف أن إعادة الإعمار واستعادة الدولة كانت أولوية لا تحتمل الانتظار.
إقليمياً وداخلياً، رأى النظام السوري في عهد حافظ الأسد ثم بشار الأسد أن مشروع رفيق الحريري لا ينسجم مع رؤية مزعومة لما يُسمى قوى الممانعة وفي مقدمتها حزب الله فهمهم لمعادلة السلطة والدور. مثّل الحريري اتجاهاً يعيدُ للبنان حقه في امتلاك القرار، ويؤكد حضوره العربي والدولي خارج منطق الهيمنة الإقليمية الكاملة. ومع تصاعد الخلافات حول ملفات داخلية وإقليمية، دخل لبنان مرحلة احتقان سياسي حاد وخطير انتهت باغتياله في 14 شباط 2005، وهو الحدث الذي شكّل زلزالاً سياسياً ما زال لبنان يدفع من تردداته إلى اليوم، وأوقف التجربة الرائدة في لحظتها المفصلية.
بعد الاغتيال، تحوّلت "الرفيقية" من مشروع يستند الى تيار عابر للطوائف يقوده مؤسِّس ذو رؤية واضحة إلى تيار سياسي يحمل اسمه ويستند إلى إرثه. تولّى سعد الحريري القيادة في ظروف استثنائية، لم يكن مستعداً لها، ولا كان يملك قدرات تعينه على التماس طريقه وسط ضغط الشارع المصدوم من هول الجريمة، وتوازنات داخلية كلها خلل وتلاعب وتحالفات هجينة، وصراع إقليمي مفتوح على أرض الساحة اللبنانية.
دخل تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري في سلسلة تسويات سياسية فرضتها موازين القوى، بعضها سعى إلى تجنّب الانفجار الداخلي، وبعضها الآخر أضعف صورة المشروع في عيون مؤيديه. ومع مرور الوقت، برزت وجوه داخل الحلقة القيادية لم تمتلك عمقاً وفهماً حقيقياً لإرث رفيق الحريري، ولا الرؤية الاستراتيجية التي تميّز بها، فغابت المبادرة والأولويات، وحلّ محلّها منطق إدارة الأزمات، والدخول سراً وجهراً في مسارات أقل ما يُقال فيها أنها كانت غامضة ومشوّشة.
أخطر التحولات التي شهدها التيار كان تخليه نسبياً عن مشروع وطني يتخطى الفوارق والخلافات الداخلية ويسعى إلى تكريس السيادة وبناء الدولة، وانتقاله للعب دور أقرب إلى تمثيل واحتواء البيئة السنّية وحصر إدارة توازناتها الداخلية بنفسه. هذا التحوّل أفقده زخمه الوطني، وأدّى إلى انفضاض شريحة واسعة من اللبنانيين الذين كانوا يرون في "الرفيقية" أفقاً سيادياً شاملاً لا إطاراً فئوياً ضيقاً.
ما عاشه اللبنانيون في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية لم يكن "حريرية سياسية" بالمعنى التجميعي والمنهجي، بل كان "رفيقية" رائعة وحالمة ارتبطت بفكر رفيق الحريري ورؤيته واندفاعه الشخصي. كانت مشروع نهوض حقيقي للبنان ودوره ووجوده في هذا الشرق.
ما جرى بعد عام 2005، كان فقط مساراً مختلفاً في الأداء والنتائج، وربما حقّق لمن اغتال رفيق الحريري ما يريده؛ فوضى وانهيار وتراجع في كل مقومات الدولة، وتجدد الانقسامات الداخلية وتصلّب الكراهية والأحقاد. إن استخدام اسم رفيق الحريري وصورته الآن، لا يكفي لاستعادة نهجٍ قام على الجرأة في القرار والقدرة على المبادرة. وإذا أراد تيار المستقبل العودة إلى الجذور الحقيقية، فإن المرحلة اللاحقة تحتاج إلى مراجعة نقدية صريحة تعترف بالأخطاء كلها، وتعيد تعريف الأولويات، وترسم المسارات بوضوح، وتُحيّد الوجوه التي ارهقت التيار وأساءت إلى دوره وريادته، وأبعدته عن جمهوره الحقيقي، وحاضنته الأساسية، بدلاً من الاكتفاء باستدعاء الرمزية لتغطية العثرات والارتكابات المرفوضة.
الرفيقية كانت مشروع دولة حمله رجل ومضى معه. وما لم تُستعاد روحه الفكرية والعملية، لا مجرد اسمه وصورته، سيبقى الفارق واضحاً بين تجربة صنعت أملاً وطنياً، ومسارٍ لاحق لم ينجح في إعادة إنتاج ذلك الأفق واستعادة الأمل.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook