إيران: العمامة المذهبية حين تُخفي الوجه الفارسي

إيران: العمامة المذهبية حين تُخفي الوجه الفارسي

 

 

 

زياد سامي عيتاني - بينما كانت تتصاعد أعمدة الدخان فوق طهران إثر ضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة أودت بحياة المرشد علي خامنئي، تتجلى الحقيقة كاملة؛ مشروع بُني على الوهم انتهى بالوهم. لم يكن نظام “الولي الفقيه” في طهران يوماً مشروعاً دينياً عابراً للحدود، بل هو في جوهره انبعاث قومي فارسي يرتدي عباءةً مذهبية لاختراق الجسد العربي.

على مدار خمسة وأربعين عاماً، أثبتت التجربة أن طهران لا ترى في جيرانها العرب شركاءَ في العقيدة أو الجغرافيا، بل “مجالاً حيوياً” لاستعادة أمجاد إمبراطورية بائدة، وأدواتٍ بشرية لحماية العمق الفارسي على حساب الدم والسيادة العربية. هذا السلوك ليس صدفةً سياسية عابرة، بل هو تعبير صريح عن استعلاء عرقي يرى في العروبة عدواً تاريخياً يجب تفتيته وتطويعه.

الفخ الأيديولوجي: “تصدير الثورة” أداةً لاحتلال الوعي

حين رفع الخميني شعارَ “تصدير الثورة” عام 1979، لم يكن يهدف إلى نشر قيم العدالة أو نصرة المستضعفين كما زعم، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع الهيمنة الفارسية عبر تفخيخ المجتمعات العربية من الداخل. أدرك العقل الاستراتيجي في طهران أن المواجهة المباشرة مع العرب ككتلة واحدة ستكون مكلفة، فاعتمد بدلاً منها استراتيجية النخر الداخلي.

نجحت إيران في تحويل المذهب من مساحة روحية إلى أداة سياسية وعسكرية لضرب العروبة في عمقها. عبر ميليشيات عابرة للحدود تدين بالولاء المطلق للمرشد، تمكنت طهران من تمزيق النسيج الاجتماعي في العراق ولبنان واليمن وسوريا. ولا يستهدف هذا المشروع الأنظمةَ السياسية وحدها، بل يطال الهوية العربية في صميمها؛ إذ يُضعف اللغة العربية، ويُمجد الرموز الفارسية، ويربط المصير العربي بقرارات تصدر من طهران لا من ضفاف دجلة والفرات أو بردى.

الاستعلاء العرقي كعقيدة عسكرية: الصواريخ والرسائل المشفرة

المتابع للاستراتيجية العسكرية الإيرانية يكتشف حقيقة كاشفة؛ في كل لحظات التأزم مع القوى الدولية، كانت الطعنات الإيرانية توجَّه حصراً نحو الصدر العربي. إيران المحاطة بالقواعد الأمريكية من كل جانب، من “إنجرليك” شمالاً إلى قواعد أذربيجان وأرمينيا، لم تُطلق رصاصة واحدة تجاه تلك المنشآت رغم خطابات “الموت لأمريكا”.

في المقابل، اختارت الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية أهدافها بعناية في العمق العربي: استهداف المنشآت النفطية السعودية في بقيق وخريص، وضرب مطار أبوظبي، وزعزعة أمن الكويت عبر خلايا تجسس وتهريب أسلحة. المنطق واضح: تركيا قوة إقليمية قومية، فيُخطَب ودها وتُتجنب استفزازاتها. أما العرب، فهم في القاموس الشعوبي الإيراني “ساحة مفتوحة” لتصفية الحسابات.

وما كشفته الردود الانتقامية الإيرانية في أعقاب مقتل خامنئي يُجسّد هذا المنطق بجلاء لا يقبل الجدل؛ فبدلاً من حصر ردّها على إسرائيل والولايات المتحدة اللتين وجّهتا إليها الضربة، أطلقت طهران صواريخها ومسيّراتها نحو السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت. وكأن العربي هو الهدف الأسهل والأقل كلفةً دائماً، في تأكيد دامغ على أن البوصلة الإيرانية الحقيقية تشير نحو الجنوب العربي لا نحو عدوّها المُعلَن.

الأحواز العربية: الجرح النازف وكاشف العنصرية

الجريمة الكبرى التي تكشف وجه العنصرية الفارسية بلا رتوش هي قضية الأحواز العربية. هذا الإقليم الذي يُمدّ ميزانية طهران بنحو ثمانين بالمئة من عائدات النفط وتسعين بالمئة من الغاز، يعيش أبناؤه تحت وطأة احتلال يجمع بين النهب الاقتصادي الممنهج والمحو الثقافي القسري.

السياسة الإيرانية في الأحواز هي المختبر الذي تطبق فيه طهران رؤيتها في التعامل مع العروبة، وتتجلى في ثلاثة محاور:

-أولاً- الاستلاب الثقافي واللغوي: إذ يُحرم العرب الأحوازيون من التعليم بلغتهم الأم، وتُبدَّل أسماء مدنهم التاريخية فالمحمرة باتت “خرمشهر”، في محاولة لقطع صلة الأرض بجذورها العربية الضاربة في عمق التاريخ.

-ثانياً- التغيير الديموغرافي الممنهج: إذ تُقام مستوطنات فارسية في قلب المناطق العربية وتُحوَّل مجاري الأنهار لتفريغ الأرض من هويتها. -ثالثاً- القمع القومي الممنهج: فكل شاب أحوازي يُعلن انتماءه القومي يُصنَّف عدواً للدولة.

المتاجرة بالقضية الفلسطينية: القدس طريقاً إلى بغداد وبيروت

استُخدم شعار “تحرير فلسطين” كأكبر عملية خداع استراتيجي في العصر الحديث. لم تدعم إيران المقاومة يوماً حباً بالقدس، بل وظّفت القضية الفلسطينية “حصانَ طروادة” لاختراق المجتمعات العربية وشرعنة وجود ميليشياتها. والحصيلة بعد خمسة وأربعين عاماً واضحة؛ لم يتحرر شبر واحد من فلسطين، بينما تدمرت أربع حواضر عربية كبرى.

تحولت فلسطين في اليد الإيرانية إلى ورقة مقايضة في البازار الدولي لتحسين شروط المفاوضات النووية. والدليل الأبلغ أن الشعب الإيراني نفسه بات يرفض هذه المسرحية، حين صرخ في تظاهراته: “لا غزة ولا لبنان، روحي فداء لإيران”. هذه الصرخة تؤكد أن النظام كان يسرق مقدرات شعبه ليشتري نفوذاً استعمارياً في بلاد العرب، بينما يرزح الداخل الإيراني تحت الفقر والتضخم.

التغلغل التاريخي: من الشعوبية القديمة إلى ولاية الفقيه

العداء الفارسي للعروبة ليس وليد اليوم، بل هو امتداد للشعوبية التاريخية التي سعت دوماً إلى الانتقاص من العرب وحضارتهم. ونظام الولي الفقيه ليس سوى النسخة العصرية من ذلك الفكر، حيث يُوظَّف الدين في خدمة القومية. يتجلى ذلك في رفع عيد النيروز فوق المناسبات الدينية، وتمجيد الأكاسرة في الأدب السياسي الإيراني المعاصر، وفي تصريحات مسؤولين إيرانيين وصفوا بغداد بأنها “عاصمة الإمبراطورية الإيرانية الجديدة”.

يسعى هذا المشروع إلى فرض التبعية الثقافية بأساليب ناعمة وخشنة معاً؛ ففي لبنان والعراق وسوريا تُرفع صور المرشد في الشوارع والميادين، وتُدرَّس مناهج تمجد التاريخ الفارسي وتُسيء إلى التاريخ العربي الإسلامي. إنها عملية اجتثاث ممنهج للهوية العربية تسير بخطى متسارعة — أو كانت كذلك حتى اللحظة الفارقة التي يشهدها العالم اليوم.

لحظة التحوّل: اليقظة العربية أمام مرحلة ما بعد خامنئي

لسنا أمام خلاف دبلوماسي يُحَل باتفاقيات أمنية أو حسن نوايا، بل نواجه مشروعاً إمبراطورياً شعوبياً كان يرى بقاءَه رهيناً بتفتيت المحيط العربي. إيران التي تحتل الجزر الإماراتية الثلاث منذ عام 1971، وانتهكت السيادة في العراق ولبنان واليمن، ثم ردّت على الضربات التي تلقّتها بإطلاق صواريخها على دول الخليج العربي لا على من ضربها. هذه الإيران كشفت وجهها الحقيقي للجميع.

اليوم، وقد سقط “الولي الفقيه” في قلب طهران، يقف العرب أمام لحظة فارقة لن تتكرر؛ إما أن تُوظَّف هذه اللحظة لاستعادة الدور والقرار وتحرير المحتل من أراضيهم وهويتهم، أو أن تضيع في ضجيج المشهد وتبقى المنطقة رهينة مشاريع الآخرين.

الدفاع عن العروبة اليوم هو دفاع عن الوجود في مواجهة مشروع لا يرى في الدول العربية إلا ساحات، ولا يرى في دماء العرب إلا وقوداً لطموحاته. ومشروع يُصدّر الموت باسم الدين، ويستعمر باسم المقاومة، ويُفتت الأوطان باسم الوحدة، لن يجد في نهاية المطاف إلا ما زرعه: رفضاً عربياً لا تفاوض عليه.