سقوط "إل منشو" وتصاعد الحرب العالمية على المخدرات
نبيل شحاده - شكّل مقتل زعيم الكارتل المكسيكي الشهير "إل منشو" منعطفاً بارزاً في الحرب الدولية على شبكات المخدرات، إذ لم يكن الرجل مجرد قائد عصابة، بل أحد أبرز مهندسي منظومة تعمل في مجال التهريب عبر الحدود، وامتد تأثيرها إلى أكثر من قارة. وبرزت أهمية هذا الحدث في أنه أتى بعد أسابيع على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني /يناير 2026، والذي كانت الولايات المتحدة اتهمته بدعم شبكات تهريب المخدرات في أميركا اللاتينية، ما يعكس اتجاهاً متصاعداً نحو استهداف الرؤوس الكبيرة في هذه التجارة الخطيرة، سواء كانوا زعماء كارتلات أو شخصيات سياسية متهمة بتوفير الغطاء لها.
"نيميسيو روبين أوسيجويرا سيرفانتس"، الذي اشتهر باسم "إل مينشو"، لم يكن مهرباً عادياً، بل قائد أحد أقوى التنظيمات الإجرامية ويُسمّى كارتل "خاليسكو الجيل الجديد". وتحت قيادته، تحولت الشبكة إلى إمبراطورية واسعة ومتخصصة بالتهريب الدولي لمواد المخدرات مثل الكوكايين والفنتانيل والميثامفيتامين، إلى أستراليا وكندا وأوروبا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، ما يعكس مدى اتساع شبكتها اللوجستية وقدرتها على اختراق أسواق بعيدة وكبيرة. واعتمدت "خاليسكو الجيل الجديد" هيكلاً تنظيمياً شبه عسكري، واستندت إلى الاغتيالات والتفجيرات والترهيب المنهجي لكسر وسحق منافسيها، وإخضاع مناطق كاملة لسيطرتها، كما قامت إضافة إلى إنتاج وبيع المخدرات، بابتزاز الشركات المحلية، وترويع المجتمعات في جميع أنحاء البلاد.
نفوذ "إل مينشو" لم يقم على المال فقط، بل على منظومة تمارس جميع أنواع العنف، حتى أصبحت في بعض المناطق كسلطة موازية للدولة وأقوى منها في بعض الأحيان. ولهذا تصدّر اسمه قوائم المطلوبين عالمياً ورُصدت مكافآت ضخمة مقابل أية معلومات تقود إليه، ومنها المكافأة المالية التي عرضتها الولايات المتحدة بقيمة خمسة عشر مليون دولار. وفي تعليق يعكس حجم وقوة هذا الرجل، قال مايك فيجيل، الرئيس السابق للعمليات الدولية في إدارة مكافحة المخدرات الأميركية، إن المكسيك وجّهت "رسالة قوية إلى إدارة دونالد ترامب بأنها تقاتل بقوة وفعالية" ضد أقوى كارتلات المخدرات، مضيفاً أن "إل مينشو كان يسيطر على كل شيء. لقد كان مثل ديكتاتور في دولة ما".
مقتل "إل مينشو" في عملية أمنية أثار جماعاته المسلحة، فاندلعت موجة عنف في عدة ولايات مكسيكية، وشملت حرق مركبات ومؤسسات تجارية ومبان ومصارف وقطع طرق وإطلاق نار واسع. ويعكس الرد العنيف القدرة الضخمة التي تمتلكها هذه الجماعات وحقيقة قوتها، وتحدّيها للدولة، وهذا ما يفسر حجم القلق الرسمي من أن تتحول مرحلة ما بعد الزعيم إلى مرحلة أكثر خطورة أمنياً. ويخشى خبراء أمنيون أن يؤدي غياب القيادة المركزية للكارتل إلى تفكك هرمي يحوّل التنظيم إلى خلايا أصغر وأكثر عنفاً يصعب احتواؤها.
وفي السياق ذاته، علّق السفير الأميركي السابق لدى المكسيك ونائب وزير الخارجية، كريستوفر لاندو، قائلاً إن مقتل "إل مينشو" يمثل "انتصاراً كبيراً للمكسيك والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والعالم"، في إشارة واضحة إلى البعد الدولي للعملية. كما أعلنت السفارة المكسيكية في واشنطن أن الولايات المتحدة قدمت معلومات استخبارية تكميلية في إطار التنسيق والتعاون الثنائي، في دلالة على أن العملية وإن نُفّذت محلياً، إلا أنها جاءت نتيجة تنسيق أمني واستخباراتي مشترك بين البلدين.
وجاء التحرك المكسيكي بعد أشهر من ضغوط مارستها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم منذ بداية عام 2026، في إطار تنسيق أمني مشترك يستهدف تقويض نفوذ الكارتلات التي وسّعت نشاطها بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مختصون في الجريمة المنظمة أن سقوط زعيم بهذا الحجم قد يفتح صراعاً داخلياً على الزعامة، ما قد يؤدي إلى تصاعد العنف بدلاً من انحساره، وانقسام العصابات وتحوّلها إلى مجموعات أكثر شراسة. وكانت التجارب السابقة قد أشارت إلى أن القضاء على زعيم أو اعتقال شخصية نافذة لا ينهي عادة تجارة المخدرات، بل يغيّر شكلها وأساليبها، وهي غالباً ما تعيد تنظيم نفسها أو تنقسم إلى خلايا أصغر يصعب تعقبها، مما يضع المؤسسات الأمنية أمام تحديات أكبر في مواجهتها.
ما يجري اليوم يدل على أن الحرب على المخدرات دخلت مرحلة جديدة عنوانها التنسيق الدولي والعمليات الاستخباراتية الدقيقة العابرة للحدود لاستهداف الرؤوس الكبيرة أولاً، لأنها تُمثّل مراكز اتخاذ القرار وحركة التمويل. غير أن الحسم في هذا الملف لا يتحقق بالعمليات الأمنية وحدها، لأن اقتصاد المخدرات يستند إلى بنية معقدة من العرض والطلب والتمويل المشبوه، والمطلوب هو بذل جهد عالمي متكامل وفاعل يعمل وفق استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الضغط الأمني المتواصل، وملاحقة وتجفيف منابع التمويل وحركته، وخفض الطلب عبر سياسات الوقاية والعلاج، إلى جانب خلق بدائل تنموية واقتصادية للمجتمعات التي تعتمد على إنتاج المخدرات أو تهريبها.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook