حسابات القوة الأميركية واحتمالات الفوضى في المشهد الإيراني
نستراك - تدخل إيران هذه المرحلة وهي تواجه عاملين شديدي الخطورة على تماسك نظامها. اتساع التظاهرات اجتماعيًا وجغرافيًا، وتحوّل أسلوب الأجهزة الأمنية من طريقة "الاحتواء" إلى "كسر العظم" عبر ممارسة العنف والاعتقالات وقطع الاتصالات وخدمات الانترنت. مناخ كهذا، يُفقد النظام تدريجيًا القدرة على إنتاج رواية جامعة، ويستعيض عنها بمنطق الأمن الخالص؛ وهذه نقطة قوة قصيرة المدى، لكنها نقطة ضعف على المدى المتوسط لأنها تُراكم أحقادًا داخل المجتمع وتُعمّق الشروخ داخل النخب. وفي الوقت نفسه، تبقى الصورة ضبابية لأن تقديرات الضحايا والأحداث داخل إيران متضاربة، وبعض الأرقام المتداولة يصعب التحقق منها بسبب القيود المعلوماتية.
على هذا الأساس يأتي تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالضربة، كأداة ردع ورسالة سياسية مركّبة. في الحساب الأميركي، إظهار الجاهزية العسكرية مثل تحريك مجموعة بحرية وإسنادها بطائرات نقل وتزويد وقود، يخدم ثلاثة أهداف متزامنة؛ الضغط على طهران لوقف التصعيد الداخلي الذي يرفع كلفة الصمت الدولي، ورفع سقف الردع لمنع إيران من توسيع المواجهة خارجيًا عبر الوكلاء أو استهداف خطوط الملاحة وخاصة مضيق هرمز، وترك باب المناورة مفتوحًا بين ضربة محدودة وبين حملة أشمل حسب ردة الفعل الإيرانية، وتقضي على لائحة أسماء من كبار القياديين في إيران وفي طليعتهم المرشد علي خامنئي. هذه بالضبط الفلسفة الجديدة التي يُمكنُ تسميتها بالحشد للردع. أي أن تُقنع الخصم أن الخيارات كلها على الطاولة من دون أن تُلزم نفسك بأي منها.
أما إسرائيل، فدورها بحسب منطقها الأمني التقليدي يتمحور حول عامل واحد وهو منع إيران من الاقتراب من "العتبة النووية"، أو إعادة بناء ما ترى فيه إسرائيل تهديداً استراتيجياً لكيانها. لذلك تميل تل أبيب عادة إلى الدفع نحو تسريع قرار الضربة وتوسيع نطاقها، لأنها تعتبرُ الزمن عدواً خطيراً: كل يوم يمرّ يمنح إيران فرصة لمزيد من التماسك، وإعادة التموضع، وتحصين المنشآت، وتفعيل شبكات الردّ غير المباشر، ومنها الأدوات الميليشياوية المنتشرة في لبنان والعراق واليمن.
إسرائيل في الوقت نفسه، تدرك أن أي ضربة واسعة لإيران، قد تفتح عليها جبهات متعددة أو موجات صاروخية يصاحبها مسيّرات انتحارية، وهي لذلك، تُكثّف التنسيق مع واشنطن وترفع الجاهزية الدفاعية، بانتظار ما ستؤول إليه الأوضاع، وقرارات ترامب الحاسمة.
مراقبون يرون أن إسقاط نظام متجذّر أمنيًا ومؤسساتيًا داخل دولة كبيرة وتركيبة معقّدة لا يتحقق بالقصف والضربات الجوية وحدها، بل عبر مزيج من تفكك داخلي في مركز القرار، وانقسام داخل الأجهزة الأمنية المتعددة، وظهور بديل موثوق يحظى بشعبية واسعة، ويقدر على الإمساك بالمؤسسات، ويليه توافق دولي وإقليمي على الاعتراف بالمتغيرات وإظهار الدعم الكامل له، ولاحقاً وضع خطة اقتصادية شاملة، تمنع انهيار الدولة وانتشار الفوضى. من دون هذه العناصر، فالضربة قد تنتج شيئاً معاكساً. ربما نوع من التوحّد القسري الداخلي خلف القيادة تحت عنوان مواجهة العدوان الخارجي، فيطول عمر النظام بدل أن يسقط.
الطريقة الأقل فوضى بحسب بعض المراقبين وبمنطق استراتيجي بارد، ليست هدم الدولة، بل تفكيك القبضة الصلبة، مع إبقاء مؤسسات الدولة تعمل. معنى ذلك، أن يكون الضغط العسكري، إن وقع، محدودًا ومصممًا لتقليص قدرة الحلقة الأمنية العسكرية على القمع والتمدد الخارجي، لا لتدمير البنى المدنية التي يحتاجها أي انتقال في السلطة: كهرباء، مياه، اتصالات، مرافئ، مطارات، مصارف، وإدارة عامة. كلما انهارت البنية التحتية، اتسعت الفوضى، وهذا ينعكس فورًا على المحيط اقتصاديًا وأمنيًا عبر الطاقة والملاحة وأفواج اللاجئين وتهديد الأسواق.
ثم تأتي عقدة البديل الموالي للغرب. الغرب لا يستطيع زرع نظام موالٍ بقرار خارجي، لكنه يستطيع ترجيح كفة مسار سياسي معيّن إذا توافرت ثلاثة شروط داخلية:
أولًا، وجود كتلة سياسية اجتماعية داخل إيران قادرة على تقديم نفسها كبديل شرعي.
ثانيًا، قدرة هذه الكتلة على طمأنة مؤسسات الدولة بأن الانتقال لن يكون انتقامًا شاملًا ولا تفكيكًا للدولة.
ثالثًا، تقديم حزمة إنقاذ اقتصادية فورية مشروطة، لأن الفراغ الاقتصادي هو الوقود الأسرع اشعالاً للفوضى ولصعود شبكات الجريمة والاقتصاد الأسود.
الولايات المتحدة هنا يظهر دورها كقائد لمرحلة جديدة، أكثر من كونها قائد لضربة عسكرية، وهي تحتاج إلى تحويل الساحات المحيطة إلى مناطق احتواء مثل حماية الملاحة والطاقة، رفع الدفاعات الجوية للدول المعنية، وإنشاء قنوات اتصال خلفية لوقف الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة. لأن إيران حين تُضرب غالبًا لا تردّ بالتماثل، بل بالانتشارعبر الوكلاء، والتخريب، والضغط على خطوط الطاقة والتجارة.
يبقى عنصر حاسم قد يغفل عنه كثيرون، وهو مسار استبدال النظام بلا فوضى. وهذا يتطلب سياسة ذكية تجاه الأجهزة الأمنية والعسكرية القائمة. وهذا يحتاج إلى مزيج من مساءلة قانونية مركزة على من تلطخت أيديهم بجرائم كبيرة، مع ضمانات إدارية واقتصادية تمنع انهيار المؤسسات. هذا ما يُمكن وصفه بأنه انتقال بلا فراغ.
خلاصة المنطق الاستراتيجي الذي نتحدث به: الحديث عن ضربة لإسقاط النظام وتنصيب بديل موالٍ ممكن نظريًا، لكنه عمليًا لا ينجح إلا إذا سبقته أو رافقته إجراءات داخلية، مثل انقسام في قمة الهرم الحاكم، وتآكل في شرعية أجهزة القمع، أو ارهابها وتحييدها، وظهور بديل مقبول وقادر على إدارة الدولة، إضافة إلى توافق دولي إقليمي يمنع الانهيار الاقتصادي ويضبط ارتدادات وتداعيات أي رد إيراني. وإلا فما يحصل أن تكون الضربة اذا وقعت، هي أداة لتعديل السلوك أو تعطيل قدرات محددة، لا تغييراً سياسياً مضمون النتائج.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook