لبنان: أزمة سلاح بلا أفق وسيادة معطّلة
نبيل أحمد شحاده - الحديث عن سيادة الدولة في لبنان لا يُمكنُ اعتبارها ترفًا فكريًا، ولا استعادةً لشعارات قديمة ومستهلكة في الخطاب السياسي. هذا الموضوع هو سؤال وجودي يمسّ جوهر الكيان اللبناني نفسه الذي نشأ في عام 1920، كدولة مستقلة وأُريدَ لها أن تكون ذات نظام دستوري ومؤسساتي، لكنه مع الوقت وتكاثر الأزمات الداخلية وفي المنطقة، بات لبنان يعيش في حالة التباس مخيف وضياع واضح بين أن يكون دولة ذات سيادة، أو ساحة مفتوحة يتبارى فيها الآخرون على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم ويتصارعون بلا رحمة مستفيدين من دماء وأرزاق اللبنانيين المستباحة لأجل تصفية حسابات إقليمية ودولية لا يملك قرارها لبنان، ولا يتحمّل نتائجها الكارثية.
والبداية ستكون طبعاً من أسئلة توضّح المشكلة وربما تُحدّدُ مسارات الحلول لها. كيف وصل لبنان إلى هذا الموقع الهش؟، ولماذا عجزت دولته عن احتكار قرار الحرب والسلم، وفي حصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية؟، وكيف تداخلت العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية لتُنتج واقعاً خطيراً؟
والأهم: كيف يمكن للبنان أن يخرج من منطق الساحة إلى منطق الدولة، بعد معالجة الهواجس، وفهم الوقائع.
لبنان لم يكن في أية مرحلة من تاريخه الحديث، دولة معزولة عن محيطها ولا بعيدة عن التفاعل مع القضايا الدولية بمختلف أنواعها. موقعه الجغرافي وحدوده، وتركيبته الاجتماعية، جعلته دائماً عرضة للتأثر سلباً وإيجاباً بالتحولات الإقليمية، وهذا أمر طبيعي يحدث مع غالبية دول العالم، ولكن التأثر شيء، وأن يتحوّل على ساحة صراع هو شيء آخر.
منذ الصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأ في عام 1948، شكّلت الحدود الجنوبية للبنان نقطة تماس رخوة وجعلت كل لبنان عرضة للحروب والاعتداءات. ومع تعاقب الأزمات والعهود، لم تُبنَ سياسة دفاعية وطنية قادرة على حماية البلاد ضمن إطار الدولة وأدواتها، بل تُرك الجنوب، ساحة مفتوحة للرسائل المتبادلة، يتحمّل الداخل اللبناني أثمانها البشرية والاقتصادية. كما ارتكبت الدولة اللبنانية خطيئة وجودية عندما شرّعت في اتفاق القاهرة في عام 1969، العمل المسلح للمنظمات الفلسطينية على أرضها، وهذا ساهم بقوة في تأسيس ثقافة "المربعات الأمنية" وخروج مساحات واسعة جنوباً وشرقاً وشمالاً عن سيادة الدولة.
ثم جاءت الحرب الأهلية في عام 1975، فأدخلت لبنان في مرحلة تفكك الدولة، ونشؤ وتعدّد مراكز القوة، وتحولت الأرض اللبنانية إلى مسرح كبير لتدخلات إقليمية ودولية مباشرة وبأدوات لبنانية في أغلب الأحيان. ومع أن اتفاق الطائف في عام 1989، أنهى الحرب رسميًا، إلا أن القوى التي شاركت في مراحل الحرب ثم زرعت نفسها داخل السلطة اعتمدت خطوات تقوم على تأمين وحفظ مصالحها، وأرست تسوية سياسية شكلية أنهت القتال، ولكنها أبقت النظام السياسي الطائفي، وأفشلت استكمال بناء الدولة القادرة، وعطّلت تفكيك مجاميع الميليشيات، ولم تسمح بإنتاج وتسيّد مفهوم الدولة المحتكرة للقوة.
إلى جانب ذلك، كرّست هذه القوى في الدولة حالة هشاشة سياسية، وجعلت كل القرارات، صغيرها وكبيرها، رهينة التوافقات والتسويات والترتيبات خارج إطار المؤسسات والأصول الدستورية والقانونية.
لماذا لم تتمكن الدولة من احتكار القوة لوحدها؟
جوهر الدولة الحديثة يستند إلى مبدأ بسيط وواضح، وهو احتكار القوة الشرعية. وأي دولة تفقد هذا الاحتكار، تفشل وتفقد جزءًا أساسيًا من تعريفها. وفي الحالة اللبنانية، لم يكن العجز عن احتكار السلاح ناتجًا عن سبب واحد، بل تراكمت عدة عوامل سياسية وأمنية واجتماعية، فأدت إلى نشوء ما يصحّ تسميتهُ بالشرعية المزدوجة؛ شرعية الدولة من جهة، وشرعية لقوى الأمر الواقع من جهة أخرى. فالسلاح الخارج عن إطار الدولة والذي مُنحَ صفة دينية ووظيفة غيبية، ورغم إعلان أصحابه أنه مرتبط بدولة إقليمية، لم يتم التعاملُ معه على أنه عمالة وخروج عن القوانين وتمرّد خطير على الدولة، بل أُعتبر كتعويض عن ضعفها، وضرورة "وطنية" فرضتها التهديدات الخارجية. ومع مرور الوقت، تحوّلت هذه الذريعة وسط انقسام كبير بين اللبنانيين، إلى واقع أمني وسياسي واجتماعي يصعب تجاوزه. وتمكّن هذا السلاح من التأثير على الدولة نفسها ورجالاتها وقراراتها ومؤسساتها، من وراء الستائر، أو مباشرة بالريموت كونترول.
هذه الدولة "الصورية" المحكومة من سلاح خارج إطارها الشرعي، خسرت قدرتها التنفيذية، وأصبحت عاجزة بنسبة كبيرة عن الالتزام بتعهداتها، نتيجة ضعف السياسيين والمؤسسات، وتسييس القضاء، وتداخل الأمن بالسياسة، وغياب أي إرادة جدية للإصلاح.
وكيف الخروج من هذا المأزق؟
إن النقاش حول قيام الدولة القوية في لبنان لا يمكن أن يبقى أسير عموميات ودعوات فضفاضة، لا سيّما وأن الإطار القانوني والسيادي للدولة اللبنانية موجود أصلاً، وهو ليس موضع اجتهاد أو خلاف في التفسير. فالدستور اللبناني واضح في تكريس مبدأ حصر ممارسة السلطة والقوة بالمؤسسات الشرعية. ووثيقة الوفاق الوطني نصّت صراحة على حلّ جميع الميليشيات ونزع سلاحها وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما أن القرارات الدولية، ولا سيما 1559 و1701، أعادت التأكيد بشكل لا لبس فيه على حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ومنع أي وجود مسلح خارج إطارها، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة اشتباك خارج قرار الدولة.
من هنا، فإن المشكلة التي يحاول البعض في لبنان تضخيمها واعطائها أبعاداً واهية، ليست نقصًا في النصوص، ولا غموضًا في المرجعيات، بل تكمن أولاً وآخراً، في منهجية مريبة في التراخي والمماطلة والتباطؤ المتعمّد في تنفيذ هذه الالتزامات، سواء بدافع الحسابات الداخلية أو المصالح الشخصية، أو الخشية من الاقتتال الطائفي، أو نتيجة توازنات سياسية أجج مفاعيلها سقوط نظام الأسد في سوريا حسب بعض المراقبين، وهذا جعل البعض في الدولة رهينة للأمر الواقع بانتظار ما ستؤول إليه التطورات المرتقبة وخاصة في إيران، مربط هذا السلاح كله.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار السلاح خارج الدولة لم يحم لا الاستقرار، ولم ينجح في إنشاء توازن رعب مع اسرائيل، بل جلّ ما فعله أنه رسّخ منطق الدويلة، وقوّض هيبة المؤسسات الشرعية، وأبقى البلاد في أجواء الحرب المفتوحة، والانفجار المتوقّع في أي لحظة. كما أنه ما زال إلى اليوم، يعرقل قيام دولة حرّة وقادرة فعلًا على الإمساك بكل مفاصلها الأمنية، وفرض سلطتها على كامل التراب الوطني دون استثناء أو امتيازات.
إن قيام الدولة القوية لا يتحقق بالتعايش الدائم مع واقع استثنائي، بل هو بإنهاء هذا الاستثناء نفسه، وسحب السلاح من حزب الله ومن سائر الميليشيات، ضمن مسار واضح وجدّي ومسؤول، وهذا ليس استهدافًا لفئة ولا مقامرة بالاستقرار، بل هو شرط جوهري وأساسي لقيام الدولة التي يكون فيها جميع اللبنانيين سواسية أمام القانون، لا مواطنين من درجات متفاوتة، ولا مناطق محمية وأخرى مكشوفة، ولا قوى فوق المساءلة وأخرى خاضعة لها.
إما دولة واحدة بسلاح واحد وقرار واحد وقانون واحد، أو سيبقى لبنان متأرجحاً بين الدولة واللا دولة، بين السيادة الشكلية والساحة المفتوحة. والتاريخ القريب يثبت أن كلفة الحسم والحزم، مهما بدت صعبة، تبقى أقل بكثير من كلفة استمرار المقامرة بمستقبل بلد وأجيال قادمة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook