كيف يمكن للبنان تفكيك حزب الله دون تدمير نفسه؟

كيف يمكن للبنان تفكيك حزب الله دون تدمير نفسه؟

 

مكرم رباح - يُطرَح على لبنان، مرةً جديدة، السؤال الخاطئ. فالنقاش، كما في كل مرة، يُصاغ حول ما إذا كان يمكن نزع سلاح حزب الله، وكأن المسألة تقنية أو عسكرية أو لوجستية بحتة. لكنها ليست كذلك. السؤال الحقيقي هو: هل لبنان مستعد لأن يتصرف كدولة؟ لأن قوة حزب الله لا تنبع من تطور أسلحته، بل من ضعف الدولة اللبنانية نفسها، بل ومن تواطؤها أيضاً.

اللحظة الراهنة مختلفة. للمرة الأولى منذ سنوات، تغيّرت قواعد الاشتباك الضمنية. منذ وقف إطلاق النار، جرى تجنيب بيروت إلى حد كبير الاستهداف الإسرائيلي المباشر: لا طائرات مسيّرة تحوم فوق العاصمة، ولا اغتيالات في ضاحيتها الجنوبية. هذا ليس صدفة، بل رسالة. ساحة المعركة الآن ليست بيروت، بل فكرة الدولة اللبنانية.

وحزب الله يدرك ذلك تماماً.

ولهذا صعّد خطابه، ليس ضد إسرائيل، بل ضد رئاسة الجمهورية اللبنانية. وعندما يستحضر الحزب اغتيالات أنور السادات ورفيق الحريري، فهذا ليس تعليقاً سياسياً، بل تهديد واضح. إنه محاولة متعمدة لترهيب الرئيس جوزاف عون وكل من يجرؤ على الحديث عن سيادة الدولة. هذه ليست لغة مقاومة، بل أسلوب تواصل يشبه ما تعتمده شبكات الجريمة المنظمة.

لكن المفارقة هنا أن حزب الله، حين يستهدف الرئيس، لا يهاجم خصماً سياسياً، بل يهاجم آخر رمز متبقٍ للدولة اللبنانية. وبذلك يكشف عن ضعفه الأكبر: عدم قدرته على التعايش مع دولة فاعلة.

فكيف يمكن تفكيك بنية كهذه؟

ليس عبر اقتحام الأحياء، ولا بإرسال الجيش اللبناني من باب إلى باب بحثاً عن أسلحة مخبأة. هذه هي الوصفة التي يريدها حزب الله لخصومه، لأنها تقود حتماً إلى حرب أهلية، وهي بوليصة التأمين الأخيرة لديه.

بدلاً من ذلك، على لبنان أن يتعلم كيف “يأكل الفيل”.

كما يقول المثل الأفريقي: يُؤكل الفيل جزءاً جزءاً. وحزب الله هو ذلك الفيل: كبير، متجذّر، وخطر بحيث لا يمكن مواجهته مباشرة، لكنه ليس بمنأى عن التآكل التدريجي المنهجي.

المرحلة الأولى: مؤسساتية

أخطر سلاح لدى حزب الله ليس ترسانته، بل تغلغله داخل الدولة. من الأجهزة الأمنية إلى المعابر الحدودية، ومن جوازات السفر المزوّرة إلى الثغرات الأمنية، فإن نفوذه داخل المؤسسات هو ما يتيح له العمل بلا مساءلة. تنظيف هذه المؤسسات ليس خطوة ثانوية، بل هو الأساس لأي استراتيجية جدية. يجب إقصاء الضباط الموالين للحزب، أو الأسوأ، المرتبطين بالحرس الثوري الإيراني، بشكل حاسم لا رمزي.

المرحلة الثانية: سياسية

لسنوات، استفاد حزب الله من غطاء سياسي، أبرز تجلياته عبر رئيس مجلس النواب نبيه بري. فقد كان دوره يتمثل في “تطبيع” الحزب، وتقديمه كفاعل سياسي عادي، لا كقوة مسلحة خارج إطار الدولة. هذه الازدواجية يجب أن تنتهي. وعلى القوى السياسية اللبنانية، خاصة تلك التي تدّعي معارضة الحزب، أن تتوقف عن التهرّب من المسؤولية. فالصمت تواطؤ، والغموض استسلام.

المرحلة الثالثة: وطنية

أقوى درع يحتمي به حزب الله ليس عسكرياً، بل طائفياً. إذ يقوم على سردية أنه يمثل ويحمي الطائفة الشيعية في لبنان. كسر هذه المعادلة أمر أساسي. على الدولة اللبنانية أن تستعيد دورها كضامن وحيد لجميع المواطنين، بمن فيهم الشيعة، بل خصوصاً الشيعة. المسألة ليست مواجهة، بل احتواء. فعندما يشعر المواطن بالحماية من الدولة، لا يعود بحاجة إلى حماية الميليشيات.

المرحلة الرابعة: استراتيجية

على الجيش اللبناني أن يقوم بما تجنبه طويلاً: الانتشار الواضح والمستمر في كل أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق التي عمل فيها حزب الله دون منازع. الهدف ليس المواجهة، بل الحضور. فالدولة الغائبة لا يمكنها ادعاء السيادة، والدولة المترددة تفتح الباب للبدائل.

لن تُثمر هذه الخطوات نتائج فورية، وهذا هو جوهرها.

لا توجد لحظة واحدة “يسقط” فيها حزب الله. لا مشهد نزع سلاح درامي، ولا انتقال سياسي نظيف. لكن ما يمكن تحقيقه هو تفكيك تدريجي لقوته، وشرعيته، وغطائه، ونفوذه، حتى تصبح أسلحته بلا جدوى سياسياً، ثم غير قابلة للاستدامة عملياً.

البديل أسوأ بكثير.

لقد أوضح حزب الله استعداده للتهديد بالعنف الداخلي لحماية ترسانته. وهو يراهن على أن لبنان، المنهك والمنقسم، سيختار الشلل بدلاً من المواجهة، وأن الخوف سيتغلب مرة أخرى على المسؤولية.

لكن هذه اللحظة تفتح نافذة ضيقة.

فالضغط الدولي يتجه نحو مطلب واضح: دولة لبنانية تسيطر على أراضيها. وحتى شخصيات مثيرة للجدل مثل دونالد ترامب طرحت المسألة بهذه الصيغة: سيادة الدولة، احتكار السلاح، واحترام الدستور. وإذا جرى تجاوز الضجيج، فالمغزى واضح: لبنان أمام خيار.

إما أن يبقى ساحة صراع للآخرين، أو أن يتحول إلى دولة.

أكل الفيل” ليس مهمة سهلة. يتطلب صبراً وانضباطاً، وقبل كل شيء شجاعة سياسية. لكنه الطريق الوحيد الذي يتجنب الاستسلام من جهة، والانهيار الذاتي من جهة أخرى.

لبنان لا يحتاج إلى حرب جديدة للتخلص من حزب اللهبل يحتاج إلى دولة تقرر، أخيراً، أن تكون موجودة.

 

نُشرت في موقع العربية