أوراق لبنان التفاوضية المبددة: من رهان الردع والسيادة إلى شروط "الاتفاق الثلاثي"
عبد الفتاح خطاب - يكشف التدقيق المقارن بين الطروحات النظرية التي سبقت المفاوضات وبين بنود "الاتفاق بين لبنان وإسرائيل" المبرم برعاية أمريكية، عن تباين واضح بين السقوف التي اعتقد لبنان الرسمي أنه يمتلكها بوصفها عناصر قوة تفاوضية، وبين الالتزامات والتنازلات التي انتهى إليها مسار التفاوض.
فقد تراجعت معظم الأوراق التي كان يُنظر إليها باعتبارها مصادر قوة، بمجرد انتقال النقاش من الطروحات السياسية إلى نص اتفاق يتضمن التزامات تنفيذية ملزمة، لتكشف الحصيلة عن محدودية قدرة لبنان على توظيف تلك الأوراق لانتزاع مكاسب موازية.
وهكذا، تفاوضت الدبلوماسية اللبنانية في نهاية المطاف من موقع الساعي إلى الحد من الخسائر في ظل اختلال موازين القوى الميدانية والإقليمية.
وتستند هذه القراءة إلى مقارنة مباشرة بين بنود النص المبدئي للاتفاق والمرجعيات التي استند إليها الخطاب اللبناني الرسمي خلال مرحلة التفاوض.
تراجع القرار 1701 لحساب "الإطار الثلاثي"
تأتي في مقدمة الأوراق التي تراجعت فاعليتها، ورقة القرار الدولي رقم 1701 بوصفه المرجعية الأساسية والضمانة الأممية لإدارة النزاع. فبينما استند لبنان طوال سنوات إلى القرار للمطالبة بوقف الانتهاكات الإسرائيلية والانسحاب تحت إشراف قوات "اليونيفيل"، تجاوز الاتفاق الجديد هذه المرجعية عملياً عبر إنشاء إطار ثلاثي تقوده وتنسقه الولايات المتحدة. وبدلاً من الآليات الدولية التقليدية، منح الاتفاق واشنطن دوراً محورياً في إدارة الجوانب الأمنية والعسكرية من خلال "مجموعة تنسيق عسكرية" واللجان الفنية والملحق الأمني، لتصبح آليات التنفيذ مرتبطة بدرجة كبيرة بالإشراف والشروط الأمريكية، بدلاً من المرجعية الأممية التي شكلت سابقاً أساس الموقف اللبناني.
رهن الانسحاب الإسرائيلي بالاختبارات الأمنية
كما تراجعت ورقة السيادة البرية والمطالبة بالانسحاب من النقاط المتنازع عليها، وفي مقدمتها مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. فلم يتضمن الاتفاق أي مكاسب سيادية فورية أو اعترافاً بالمطالب اللبنانية في هذه المناطق، بل ربط الانسحاب الإسرائيلي بمسار تدريجي مشروط بتنفيذ برنامج أمني يبدأ بنزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك بنيتها التحتية داخل "مناطق تجريبية" محددة.
وبذلك، تراجع عملياً تمسك لبنان بالمطالبة بانسحاب غير مشروط استناداً إلى المرجعيات الدولية، ليصبح إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي مرتبطاً بمدى التقدم في تنفيذ الالتزامات الأمنية. وفي المقابل، لم يتضمن الاتفاق التزاماً إسرائيلياً بانسحاب فوري أو تسوية نهائية للنقاط المتنازع عليها، واكتفى بتأكيد عدم وجود مطالب إقليمية إضافية.
تفكيك منظومة الردع واحتكار السلاح
أما ورقة القوة العسكرية ومعادلات الردع التي كان يفرضها حزب الله، والربط بين أمن الجبهة الشمالية واستقرار حقول الغاز، فقد فقدت قيمتها التفاوضية ضمن النص المقترح. إذ حوّل الاتفاق هذه المسألة إلى التزام قانوني مباشر على الدولة اللبنانية، من خلال النص على ممارسة سيادتها الكاملة عبر نزع السلاح الكامل والمتحقق منه لجميع الجماعات غير التابعة لها، وحصر السلاح بيد الدولة، وتنفيذ برنامج مرحلي قائم على مؤشرات أداء قابلة للتحقق. كما نص على منع تدفق الأموال إلى الكيانات المرتبطة بهذه الجماعات تحت رقابة مستمرة، بما يعكس انتقال معادلة الردع من ورقة ضغط تفاوضية إلى التزام رسمي يقع على عاتق الدولة اللبنانية.
المساعدات المشروطة والرقابة المالية
ولم تبقَ ورقة الإعمار والمساعدات الاقتصادية بمنأى عن هذا التحول. فقد ربط الاتفاق حشد المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ مراحل قابلة للتحقق، واعتماد معايير صارمة للشفافية والرقابة، وضمان عدم وصول أي أموال إلى الجماعات المسلحة. وبهذا، تحولت المساعدات من فرصة لدعم التعافي الاقتصادي إلى أداة ترتبط بشروط تنفيذية ورقابة دولية على مسار الإنفاق والإصلاح.
تقييد الملاحقات الدبلوماسية والقانونية
كما تراجعت فاعلية ورقة الغطاء الدبلوماسي والقانوني الدولي. فقد ألزم الاتفاق الطرفين باتخاذ "تدابير بحسن نية" تشمل وقف الأعمال السلبية في المحافل السياسية والقانونية الدولية، وهو ما قد يقيّد قدرة لبنان على مواصلة بعض مسارات الملاحقة القانونية أو الدبلوماسية المتعلقة بالنزاع، تبعاً لكيفية تفسير هذا الالتزام وتطبيقه. وفي الوقت نفسه، يضع الاتفاق الطرفين على مسار يستهدف التوصل إلى اتفاق سلام وأمن شامل ينهي حالة الحرب رسمياً.
من أوراق القوة إلى عهد الالتزامات المشروطة
في المحصلة، تشير المقارنة بين الخطاب التفاوضي السابق وبنود الاتفاق إلى انتقال معظم الأوراق التي عُدّت سابقاً عناصر قوة تفاوضية إلى التزامات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، تخضع لمراحل تنفيذ ورقابة مستمرة.
وبهذا، ينتقل لبنان من موقع الساعي إلى توظيف أوراق الردع والشرعية الدولية لتعزيز موقعه التفاوضي، إلى موقع يواجه فيه استحقاقات تنفيذية واسعة في ظل إشراف دولي مكثف. ويجد نفسه أمام مرحلة يصبح فيها نجاح التنفيذ مرهوناً بالوفاء بسلسلة طويلة من الالتزامات، في وقت تراجع فيه هامش المناورة الذي كان يستند إلى تلك الأوراق خلال المفاوضات، الأمر الذي قد ينعكس على موقعه في أي تسوية شاملة مقبلة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook