الدكتور محمد مصطفى منصور: هكذا بدأت رحلتي في البحث عن حقيقة جغرافيا التوراة

الدكتور محمد مصطفى منصور: هكذا بدأت رحلتي في البحث عن حقيقة جغرافيا التوراة

 

أجرى اللقاء نبيل شحاده
يحتاج فك رموز الماضي وخفايا صفحات كتب التاريخ إلى عقل استثنائي يجمع بين الصبر والعمل المنهجي والشجاعة الفكرية. كرّس الباحث والمفكر الطبيب الدكتور محمد مصطفى منصور أربعة عقود ونيف من البحث المضني والتحليل العميق لقراءة الذاكرة التاريخية واللغوية للجزيرة العربية، مستندًا إلى خلفيته العلمية ومعارفه الواسعة منذ دراسته في مدارس المقاصد وتخرجه في الجامعة الأمريكية في بيروت.

تنطلق هذه الرحلة الفكرية من أسئلة تقاطعت فيها قراءة النصوص التاريخية القديمة مع المنطق والواقع، لا سيما بعد الاطلاع على طروحات الدكتور كمال الصليبي في قراءة جغرافية التوراة، والتعمق في مكتبات الظهران بأرامكو السعودية وما حوته من كتب تتعلق بتاريخ وجغرافيا الجزيرة العربية، لتنضج قناعة راسخة بأن الحدث التوراتي لم يكن على أرض فلسطين، بل في بيئة مختلفة تمامًا تتطلب بحثًا مكثفًا لاستجلاء حقائقها.

 

1- دكتور محمد، ما هو السؤال الخاطف أو الحدث الأول الذي أشعل بداخلك، كطبيب جراح، رغبة المواءمة بين العمل في العيادات والمستشفيات والغوص طوال عقود في بحوث تخص التوراة والتاريخ القديم؟

 

جواب: أنا من خريجي مدارس المقاصد، وأمضيت فيها أربعة عشر عامًا، وتخرّجت في سنة 1971. وفي تلك الأيام كان معروفًا مستوى هذه المدارس، وكان الطالب يتخرّج فيها ممتلكًا معارف وكأنه نصف أستاذ عربي، ونصف أستاذ تاريخ، ونصف أستاذ دين.

وفي السنوات الأخيرة، كان أستاذنا الكبير الدكتور عمر فروخ – يرحمه الله – يسألنا عن توجهاتنا، فأعربت له عن حبي للغة العربية وللتاريخ العربي وتاريخ الأديان. فقال لي: «أنت متفوق بالعلوم الطبيعية والإنسانية، لكن الأخيرة هذه الأيام لا تسمن ولا تغني من جوع. حافظ على شغفك فيها؛ إنما ادرس العلوم التطبيقية مثل الطب أو الصيدلة لتعيش منها، ولا شيء يمنع بقاء الاثنين معًا»، فعملت بنصيحته، وهكذا كان.

ثم انتسبت إلى الجامعة الأمريكية في بيروت في عام 1971، وفي الفصل الأول، وضمن برنامج الدراسات الثقافية، درسنا ملحمة جلجامش، وبعدها التوراة العبرية، حيث كانت المرة الأولى التي أطلع فيها على التوراة بنسختها الإنكليزية. ومن خلال قراءتها على أنها كتاب تاريخ ونصوص دينية، وجدت فيها أشياء لا تنطبق مع المنطق والواقع.

 

وأتذكر أنني سألت الأستاذ، وكان لبنانيًا درس في الولايات المتحدة: كيف يُعقل أن جيوش سنحريب الأشورية الرهيبة تصل إلى فلسطين، وتحاصر تلة الدوير، التي هي تلة بسيطة، ولا تستطيع احتلالها بسهولة، ثم ترتد عن القدس التي تبعد عنها مسافة نحو اثني عشر كيلومترًا؟ مع العلم أنه تاريخيًا سقطت القدس أمام جيوش أقل شأنًا من جيوش سنحريب.

فأجابني بما معناه أن التوراة هي كتاب مبادئ وأخلاق، وليست مرجعًا في العلوم التاريخية يُعتدّ به. تقبّلت الجواب معتقدًا أنهم أدرى بشؤون كتابهم، وانتهى الأمر بذلك.

 

مضت الأيام ودخلت إلى كلية الطب، ثم سافرت إلى كندا، وخلال عام 1982، وفي وقت كنت أستعد للعودة، حصل الاجتياح الإسرائيلي للبنان، مما اضطرني إلى تغيير خططي والتوجه إلى المملكة العربية السعودية، وبدعم من أهل زوجتي في المنطقة الشرقية هناك حصلت على عمل مناسب في مستشفى راقية تتبع شركة أرامكو، وفيها أطباء واختصاصيون من كل أنحاء العالم.

 

وفي عام 1984، وصلتني نسخة مصورة عن مسودة كتاب بالإنكليزية للدكتور كمال الصليبي، الذي كان رئيسًا لدائرة التاريخ في الجامعة الأمريكية ببيروت، عنوانه The Bible Came from Arabia، الذي صدر بدايةً عن دار دَر شبيغل بالألمانية، ثم في عام 1986 بالعربية.

وتشجعت للخوض في الموضوع لأنه يدور حول تاريخ العرب والجزيرة العربية، وهو شغفي كما ذكرت سابقًا. وعاد إلى ذاكرتي الجواب السلبي لأستاذي في الجامعة الأمريكية حول مصداقية مواد التوراة التاريخية، في حين أنه بالنسبة للدكتور الصليبي، الذي درّس جيلين من خريجي التاريخ، فإن الأمور لم تكن كذلك، بل خاض فيها ودرسها وخرج بنتائج مغايرة.

ولما قيّض لي أن أجتمع مع الدكتور كمال الصليبي في العام 2010، سألته عن سبب اختلافه عن أساطين معروفين مثل قسطنطين زريق، ونقولا زيادة، وأنيس فريحة، وفؤاد أفرام البستاني، ونبيه أمين فارس.

فقال: «هؤلاء روم أو موارنة، هم يدرسون غالبًا الإنجيل/العهد الجديد، بينما نحن إنجيليون بروتستانت، وعندنا فالكتاب المقدس هو العهدان القديم والجديد معًا، ونحن الطائفة العربية الوحيدة التي تعتبر التوراة العبرية كتابها المقدس».

 

وأعود إلى ذكريات عملي في أرامكو، حيث كان دوام عملنا يبدأ في الساعة السابعة صباحًا وينتهي في الساعة الثالثة والنصف عصرًا. وكان الموظفون السعوديون يعملون مساءً في أشغال ثانية، بينما نحن – الأجانب – لم يكن يحق لنا ذلك. وهذا شكّل دافعًا لي للتفرغ للبحث حول موضوع كتاب الدكتور كمال الصليبي، ووجدت ضالتي في مكتبات أرامكو القائمة منذ الأربعينات، وفيها أعداد كبيرة من المراجع عن تاريخ وجغرافية الجزيرة العربية.

وفي عام 1992، ومع انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، بدأت التفكير الجدي بالعودة إلى لبنان، وتحقق ذلك في عام 1995، بعد نحو اثنتي عشرة سنة قضيتها في السعودية، واستفدت خلال إقامتي فيها من قراءة عشرات المراجع التي أوصلتني إلى قناعة تامة حول ما قاله الدكتور الصليبي، على أن مسرح الأحداث التوراتية لم يكن فلسطين، بل الجزيرة العربية، وذلك بالاستناد إلى المراجع الغربية واليهودية.

وقررت أن أستعين بالمراجع الإسلامية والعربية التي لم يأخذ بها الصليبي كثيرًا، ومع الوقت تجذرت لديّ قناعة مماثلة بأن الحدث التوراتي لم يكن على أرض فلسطين، فزاد عندي الفضول والشغف للبحث والوصول إلى الميدان البديل.