كيف تعيد الحروب تشكيل مستقبل الطاقة في الخليج؟

كيف تعيد الحروب تشكيل مستقبل الطاقة في الخليج؟

 

عبد الفتاح خطاب - دخلت اقتصادات الخليج مرحلة يمكن وصفها بـ"اقتصاد الأزمات"، حيث أصبحت المخاطر عاملاً دائماً في معادلة الإنتاج والتصدير والاستثمار. وفي ظل تصعيد إقليمي غير مسبوق، بلغ التعطيل الاقتصادي منذ أواخر فبراير 2026 مستويات شبه شاملة، ما عمّق التقلبات التي تواجهها أسواق الطاقة، وأعاد تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية نتيجة الصدمة الهيكلية الناجمة عن تعطّل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إضافة إلى نسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المُسال.

 

النفط بوصفه مؤشراً للأمن

لم يعد النفط والغاز مجرد سلعتين استراتيجيتين، بل تحولا إلى معيار مباشر للاستقرار الإقليمي، بحيث أصبحت التداعيات الجغرافية السياسية تُقاس بحركة الناقلات، وكلفة الشحن والتأمين، واتجاهات الاستثمار. وفي وقت وصفت فيه وكالة الطاقة الدولية الاضطرابات في المضيق بأنها "أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ الحديث"، تواجه دول الخليج معادلة معقدة تقوم على ثلاثة عناصر: ضمان استمرارية الإنتاج، واحتواء كلفة المخاطر، والحفاظ على سلاسل الإمداد.

 

ورغم نجاح هذه الدول في الحدّ من بعض الأضرار المباشرة التي أصابت البنية التحتية، فإن قدرتها على الاحتواء ما تزال محدودة، إذ تكفي ضربة نوعية واحدة لمضاعفة الخسائر خلال ساعات. فقد كشفت الهجمات على منشآت أرامكو السعودية هشاشة مرافق المعالجة المركزية، بعدما تسببت بتراجع مؤقت في الطاقة الإنتاجية وتعطّل جزئي لمسارات التصدير. وفي الإمارات، أسهمت منظومات الحماية المتطورة التي تديرها "أدنوك" في تقليص حجم الأضرار، رغم الاضطرابات التي أصابت موانئ التصدير وخطوط الشحن. أما قطر، فقد أدى التعطّل الجزئي لبعض منشآتها الرئيسية إلى ضغوط على الإمدادات العالمية، بحكم موقعها المحوري في سوق الغاز. وفي بقية دول الخليج، انعكست الصدمة بشكل أساسي عبر القفزات غير المسبوقة في تكاليف الشحن والتأمين.

 

الخسارة غير المرئية

لم تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود الإنتاج، بل امتدت إلى تعطيل المشاريع الاستثمارية التي كانت تشكل رافعة للنمو طويل الأجل. فالتوترات في المنطقة، وخصوصاً مع انسداد مضيق هرمز، قد تؤدي إلى اقتطاع نحو 3.9 ملايين برميل يومياً خلال عام 2026 نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالحرب. وفي السيناريوهات الأكثر حدة، قد تتجاوز الخسائر هذه الأرقام إذا تعطلت صادرات دول رئيسية. ومع تراجع الإنتاج الخليجي الجماعي، مضافاً إليه العراق، بما يقارب 6.7 ملايين برميل يومياً، تبدو دول الخليج مضطرة إلى خفض إنتاجها النفطي بنحو 10 ملايين برميل يومياً.

 

هذا الانكماش المؤقت يترك آثاراً مضاعفة تتمثل في انخفاض الإيرادات الحكومية، وتباطؤ الإنفاق العام، وتراجع النمو الاقتصادي، فضلاً عن خفض توقعات نمو دول مجلس التعاون إلى 3.1% خلال عام 2026، وتوقع نمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عند حدود 1.1%.

 

في الوقت نفسه، تبدو الضربة الأعمق في تأجيل أو إلغاء الاستثمارات الأجنبية والمحلية، مع إعادة المستثمرين تقييم حساباتهم تجاه مشاريع الطاقة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية والسياحة وخطط التنويع الاقتصادي. هذه الخسائر غير المرئية تندرج ضمن ما يُعرف اقتصادياً بـ"الندوب طويلة الأمد"، أي الآثار التي تستمر حتى بعد انتهاء الأزمة، من خلال تباطؤ النمو، وتعثر مسارات التنويع، وتراجع الثقة الاستثمارية.

 

ومع ذلك، تشير تقارير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن الأوضاع المتوترة لم تؤدِّ بالضرورة إلى هروب واسع لرؤوس الأموال من الخليج، بل دفعت إلى إعادة تسعير المخاطر الاستثمارية، وهو ما انعكس في ارتفاع كلفة التأمين والتمويل، وتزايد الاعتماد على أدوات التحوط ضد المخاطر السياسية، مع بقاء الالتزامات الاستثمارية طويلة الأجل قائمة.

 

ورغم قدرة دول الخليج على امتصاص الصدمات بفضل الطاقات الاحتياطية، ومسارات التصدير البديلة، والإدارة الأكثر مرونة للإنتاج، فإن هذه القدرة تأتي بكلفة متصاعدة، إذ أصبحت كل شحنة طاقة مرتبطة بعلاوة مخاطر حرب، ما يضغط على الهوامش الربحية ويرفع تكلفة الإمدادات عالمياً. ومن هنا يبرز التحول التدريجي من منطق الكفاءة القصوى إلى منطق "اقتصاد الصمود"، حيث تتقدم أولوية الاستمرارية تحت الضغط على هدف تعظيم الأرباح قصيرة الأجل.

 

مرونة وطنية أم تصدع خليجي؟

في خضم هذا الاضطراب، أعلنت دولة الإمارات في 28 أبريل 2026 انسحابها من تحالف "أوبك+"، على أن يدخل القرار حيّز التنفيذ رسمياً في الأول من مايو/أيار من العام نفسه. ويستند هذا القرار إلى اعتبارات اقتصادية واستراتيجية، إذ تسعى الإمارات، التي استثمرت بكثافة في توسيع طاقتها الإنتاجية، إلى التحرر من قيود الحصص بما يسمح لها بالتجاوب بسرعة أكبر مع تحولات السوق.

 

وعلى المدى القصير، يبدو تأثير الخطوة محدوداً نتيجة تعطل الإمدادات الإقليمية. أما على المدى المتوسط، فقد تسهم في تعزيز مرونة العرض، لكن مقابل تراجع قدرة "أوبك+" على ضبط السوق، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تقلبات سعرية أكبر، خاصة إذا اتجهت دول أخرى إلى تبني الخيار نفسه.

 

سياسياً، يعكس القرار اتجاهاً متزايداً نحو استقلالية القرار الاقتصادي داخل الخليج، من دون أن يعني ذلك بالضرورة القطيعة مع منطق التنسيق الجماعي. لكنه يكشف في الوقت ذاته عن تآكل تدريجي في نموذج الإدارة المشتركة للسوق، وصعود نموذج أكثر براغماتية تتقدم فيه الحسابات الوطنية على الاعتبارات التحالفية.

 

أمن الطاقة أولوية قصوى

بالتوازي مع هذه التحولات، أصبح أمن الطاقة محوراً رئيسياً في السياسات الاقتصادية والأمنية لدول الخليج. فقد ارتفع الإنفاق على أنظمة الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وتوسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي في إدارة شبكات الطاقة، وحماية البنية التحتية، وتأمين الممرات البحرية. ولم يعد التركيز منصباً على حماية منشأة بعينها، بل على تأمين منظومة متكاملة رقمياً ومادياً تضمن استمرارية التدفقات.

 

ويمكن تصور مستقبل أمن الطاقة في المنطقة عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول، وهو الأكثر تفاؤلاً، يقوم على عودة الاستثمارات بسرعة، واستعادة الإنتاج زخمه، واستقرار الأسعار ضمن مستويات مريحة. أما السيناريو الثاني، فيفترض استمرار الحذر والتعافي التدريجي وسط تقلبات سعرية ومنافسة متزايدة على الحصص السوقية. في المقابل، يتمثل السيناريو الأكثر تشاؤماً في استمرار التوترات، بما يؤدي إلى إبطاء الاستثمارات وتسريع التحول العالمي بعيداً عن الوقود الأحفوري، وهو ما قد يفرض ضغوطاً هيكلية طويلة الأمد على الاقتصادات النفطية، بالتزامن مع توقعات صندوق النقد الدولي بانخفاض النمو العالمي إلى 3.1%.

 

اقتصاد يتشكّل تحت الضغط

لا تزال دول الخليج تمتلك مقومات قوية تتمثل في فوائضها المالية، وخبرتها التشغيلية، وبنيتها التحتية المتطورة، ما يمنحها القدرة على الانتقال من نموذج "اقتصاد النفط" إلى "اقتصاد الطاقة"، الذي يشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأزرق. وقد أظهرت بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن منطقة الشرق الأوسط سجلت واحدة من أعلى نسب النمو في الطاقة المتجددة خلال عام 2025 بمعدل بلغ 28.9%، مدفوعة بصورة أساسية بالمشاريع السعودية، ضمن موجة توسع عالمية غير مسبوقة في القدرات الإنتاجية. كما تشير البيانات إلى أن تكلفة إنتاج الكهرباء الشمسية في السعودية انخفضت إلى مستويات تنافسية عالمياً تقل عن 1.1 سنت لكل كيلووات/ساعة، ما يعزز فرص المنطقة في التحول إلى مركز عالمي لإنتاج الهيدروجين الأخضر وتصديره.

 

يقف الخليج اليوم أمام لحظة مفصلية تعيد رسم ملامح نموذجه الاقتصادي. فمع استمرار الضغوط الأمنية وارتفاع كلفة المخاطر، يتراجع وزن نموذج الجبهة النفطية الموحدة لصالح مقاربات أكثر مرونة تقودها الحسابات الوطنية. وفي المقابل، تتسارع مسارات التنويع والاستثمار في مصادر الطاقة الجديدة باعتبارها خياراً استراتيجياً لا ترفاً اقتصادياً. ولم تعد المعادلة تقتصر على حماية تدفقات النفط، بل باتت تتمحور حول بناء منظومة طاقة متكاملة قادرة على العمل تحت الضغط والاستمرار بعده. وفي هذا التحول، لن يُقاس النجاح بقدرة الدول على الصمود فحسب، بل بقدرتها أيضاً على تحويل الأزمات إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.