قراءة في مظاهر الانحراف الأميركي عن جوهر وأولويات الصراع مع إيران
نستراك - لا يمكن تفكيك دوافع السياسة الأمريكية المعاصرة تجاه إيران، ولا قراءة السياسات التي انتهجتها الإدارات المتعاقبة، وعلى رأسها إدارة الرئيس دونالد ترامب، بمعزل عن فهم طبيعة الصراع الممتد منذ انتصار الثورة في طهران عام 1979، حيث تحولت إيران بين ليلة وضحاها من الحليف الاستراتيجي الموثوق في عهد الشاه محمد رضا بهلوي إلى نقيض أيديولوجي وسياسي يرفع شعار محاربة النفوذ الغربي ومناهضة الولايات المتحدة أو كما تسميها الأدبيات الإيرانية "الشيطان الأكبر".
تكرست القطيعة العميقة بين البلدين، وتأسس معها عداء كبير عبر سلسلة من المحطات المفصلية؛ بدءاً من حادثة اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الدبلوماسيين رهائن لأكثر من أربعمئة وأربعة وأربعين يوماً، وهذا ما رسّخ في الوجدان السياسي الأمريكي عقدة عدم الثقة، وثبتت توصيف النظام الإيراني الجديد بالخروج عن القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية. زادت الأمور سوءاً مع انخراط طهران في استراتيجية تصدير الثورة واستقطاب الشيعة في كل أماكن تواجدهم، ودعم الحركات المسلحة، وتطورت الأوضاع إلى الضلوع في تفجيرات بيروت في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ثم اشتعال حرب الناقلات في مياه الخليج إبان الحرب العراقية الإيرانية، مما دفع الإدارة الأميركية إلى تطبيق سياسات متدرجة لاحتواء طهران، بلغت ذروتها في تسعينيات القرن الماضي لخنق إيران والعراق معاً اقتصادياً وسياسياً.
ومع مطلع الألفية الجديدة، أحدث الغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001 ثم العراق في عام 2003 انقلاباً في ميزان القوى الإقليمي. فقد تخلصت طهران بواسطة الآلة العسكرية الأمريكية من ألد خصمين إقليميين لها، حركة طالبان شرقاً في أفغانستان، ونظام صدام حسين غرباً في العراق. الوضع المستجد فتح المجال الجغرافي والسياسي واسعاً أمام تمدد النفوذ الإيراني في المشرق العربي تحت مسمى "محور المقاومة"، الممتد من طهران مروراً ببغداد ودمشق وبيروت وصولاً إلى صنعاء، ورافق هذا التمدد الإقليمي تسارع غير مسبوق في البرنامج النووي الإيراني، وتطوير منظومات الصواريخ الباليستية، وهو ما فرض على واشنطن إعادة صياغة أدوات التعامل ومعالجة هذا التحدي ذو الأبعاد المتعددة.
جاءت إدارة الرئيس باراك أوباما بمقاربة تفكيك الأزمات بالتجزئة، واستندت إلى أولوية الدبلوماسية ونزع فتيل الخطر النووي أولاً، وتُوّج هذا المسار في صيف عام 2015 بإبرام اتفاق نووي باسم "خطة العمل الشاملة المشتركة" بين إيران والقوى الدولية الكبرى. غير أن هذا الاتفاق، رغم نجاحه في تجميد جوانب حساسة من الأنشطة النووية الإيرانية وفرض رقابة دولية صارمة عليها، إلا أنه أغفل عمداً معالجة ملفين رئيسيين وهما: المخزون الصاروخي الباليستي المتطور، والسياسات الإقليمية وشبكات الفصائل المسلحة الموالية لطهران. كما أتاح هذا الاتفاق رفع العقوبات وإطلاق الأموال المجمدة لطهران ، ما منحها هوامش مالية وسياسية عززت بها تموضعها الإقليمي، الأمر الذي أوجد معارضة شرسة داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية والدوائر المحافظة، ولدى حلفاء واشنطن التقليديين في منطقة الشرق الأوسط، وهي المعارضة الصلبة التي انطلق منها الرئيس دونالد ترامب في صياغة مقاربته الجذرية – إن صح التعبير - تجاه الملف الإيراني.
استراتيجية الضغوط القصوى: الأهداف المعلنة والمضمرة لإدارة ترامب
مع وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأمريكية في يناير 2017، شرعت إدارته في انقلاب صريح على تركة سلفه باراك أوباما، مستنداً إلى شعار "أميركا أولاً", وتفضيل الصفقات الثنائية على الاتفاقيات متعددة الأطراف التي اعتبرتها إدارة ترامب "صفقات معيبة وغير متكافئة". وفي أيار/ مايو 2018، أعلن ترامب الانسحاب من جهة واحدة لبلاده من الاتفاق النووي، وأعاد فرض كافة العقوبات الاقتصادية التي عُلقت بموجبه، وأطلق حملة شاملة حملت اسم "استراتيجية الضغوط القصوى".
الأهداف الاستراتيجية لإدارة ترامب في تلك المرحلة حُددت عبر مستويين متداخلين: الأهداف الدبلوماسية والسياسية، والأهداف الكامنة وراء استخدام القوة الاقتصادية والردع العسكري.
الشروط التفاوضية والمطالب الاثنا عشر
أوجز وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو الموقف الرسمي للإدارة في أيار/ مايو 2018 في طرح اثني عشر مطلباً صارماً كشرط لأي اتفاق جديد وشامل، ومثّلت هذه الشروط سقفاً تفاوضياً غير مسبوق استهدف تفكيك المرتكزات الاستراتيجية للدولة الإيرانية:
1- الإفصاح الكامل للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن كافة المسارات العسكرية السابقة للبرنامج النووي الإيراني والتخلي دون شروط عن تلك الأنشطة.
2- الوقف التام والدائم لعمليات تخصيب اليورانيوم، وإغلاق مفاعل الماء الثقيل وتفكيك منشآت التخصيب في موقعي نطنز وفوردو.
3- منح مفتشي الوكالة الدولية وصولاً غير مقيد وشاملاً إلى كافة المواقع في جميع أنحاء الأراضي الإيرانية، بما فيها المنشآت العسكرية المشتبه بها.
4- إنهاء تطوير واختبار الصواريخ الباليستية التي تحمل رؤوسا نووية، ووقف نشر وتطوير المنظومات الصاروخية بعيدة ومتوسطة المدى.
5- الإفراج الفوري عن جميع المواطنين الأمريكيين ورعايا الدول الحليفة المحتجزين في السجون الإيرانية.
6- إنهاء الدعم الإيراني للمنظمات المصنفة كحركات متطرفة ومسلحة في الشرق الأوسط، بما في ذلك حزب الله في لبنان، وحركتا حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.
7- احترام سيادة الحكومة العراقية والسماح بنزع سلاح الفصائل المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري ودمجها أو حلها.
8- سحب كافة القوات الاستشارية والعسكرية التابعة للحرس الثوري والميليشيات الموالية لإيران من الأراضي السورية بشكل كامل.
9- وقف الدعم المالي والعسكري لمليشيا الحوثيين في اليمن والعمل نحو تسوية سياسية سلمية تفكك التهديد الموجه للملاحة والجوار.
10- إنهاء استضافة وإيواء قادة تنظيم القاعدة ووقف تقديم أي ملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية.
11- وقف دعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري لشبكات الوكلاء في الخارج وتفكيك شبكات العمليات الخارجية.
12- الكف عن السلوك العدائي وتهديد دول الجوار وحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز ومياه الخليج والبحر الأحمر.
التنازع الداخلي بين منطق الصفقة وتغيير النظام
كشفت الكواليس عن تباين جوهري بين جناحين رئيسيين داخل إدارة ترامب في فهم الغاية النهائية من سياسة "الضغوط القصوى":
الجناح التفاوضي: ومثّله الرئيس ترامب شخصياً، وكان يرى في العقوبات الاقتصادية الخانقة أداة ضغط قصوى لإجبار القيادة الإيرانية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات وتوقيع "اتفاق جديد وأكبر" يحمل اسمه، ويحقق مكاسب سياسية وانتخابية تعزز صورته كصانع صفقات تاريخية، بعيداً عن خوض حروب طويلة أو إسقاط النظام بالقوة العسكرية.
جناح الصقور وحماية الأمن القومي: وقاده مستشار الأمن القومي الأسبق جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو، ورأى أن النظام في طهران غير قابل للإصلاح أو التغيير السلوكي من الداخل، وأن الهدف الحقيقي من خنق الاقتصاد الإيراني ووقف صادراته النفطية كاملاً هو إحداث انهيار داخلي واقتصادي يقود إلى تقويض أركان النظام وإسقاطه، أو إضعافه وجعله عاجزاً عن الاستمرار في ممارسة نفوذه الخارجي.
حزمة العقوبات وتعطيل الموارد المالية
تمثلت الأدوات التنفيذية لهذه الاستراتيجية في فرض عقوبات شاملة طالت مفاصل الدولة الإيرانية، والتي يمكن سردها كالآتي:
- حظر تصدير النفط الخام والغاز والمشتقات البتروكيماوية وسحب الإعفاءات الممنوحة لكبار المستوردين (مثل الصين والهند واليابان وتركيا) بهدف الوصول بالصادرات إلى نقطة الصفر.
- عزل النظام المصرفي الإيراني والبنك المركزي عن شبكة التراسل المالي العالمية وتجفيف مصادر النقد الأجنبي.
- إدراج الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس رسمياً على اللائحة الأمريكية للمنظمات الإرهابية الأجنبية وهي سابقة اعتبرها المراقبون أنها الأولى من نوعها لتصنيف جزء من مؤسسة عسكرية رسمية لدولة ذات سيادة.
- فرض عقوبات مشددة على قطاعات المعادن (الحديد والصلب والألمنيوم والنحاس)، ومؤسسات الملاحة البحرية، وشبكات الطيران، بالإضافة إلى فرض عقوبات شخصية على كبار مسؤولي الدولة، بما في ذلك المرشد الأعلى ومكتبه ورئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية.
في الميزان: ما تحقق وما أخفق من أهداف الإدارة الأمريكية
عند إخضاع أهداف إدارة ترامب للتقييم السياسي والتحليل بعد سنوات من تطبيقها، يتضح وجود تباين صارخ بين النجاحات المحدودة والإخفاقات الاستراتيجية الكبرى في معالجة جوهر الأزمة.
في المجال الاقتصادي، نجحت العقوبات بلا شك في توجيه ضربات قاصمة للاقتصاد الإيراني التقليدي؛ إذ تراجعت صادرات النفط الإيراني في بعض الفترات من نحو مليونين ونصف المليون برميل يومياً إلى أقل من أربعمئة ألف برميل، وفقدت العملة المحلية الإيرانية (الريال) أكثر من ثمانين في المئة من قيمتها الشرائية أمام العملات الصعبة، وتجاوزت معدلات التضخم حاجز الأربعين في المئة سنوياً، مصحوبة بارتفاع قياسي في البطالة وغلاء المعيشة إضافة إلى انقطاعات في خدمات المياه والكهرباء وغيرها.
غير أن هذا الاختناق المالي لم يؤد سياسياً إلى تنازل من قبل النظام أو قبول بالشروط الأمريكية. بل على العكس، دفع النظام الإيراني إلى تطوير ما أسماه "اقتصاد المقاومة"، من خلال توسيع شبكات التهريب والالتفاف على العقوبات عبر شركات وسيطة في دول الجوار وآسيا، واستخدام أساطيل ناقلات الظل لنقل النفط بأسعار مخفضة وتفريغه عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، والتحول نحو زيادة التبادل التجاري غير النفطي، وتعميق العلاقات التجارية والمالية مع قوى منافسة للولايات المتحدة كروسيا والصين.
في المجال النووي: مثّل الملف النووي أكبر انتكاسة استراتيجية لمقاربة ترامب. فبدلاً من إجبار إيران على التخلي عن منشآتها النووية وقبول اتفاق أكثر صرامة، ردت طهران بعد عام من "الصبر الاستراتيجي" بتطبيق خطوات تصعيدية مدروسة هدفها خفض الالتزامات النووية، فتخطت طهران السقوف المحددة لنسب التخصيب، وارتفعت من النسبة المقررة في اتفاق 2015 (3.67%) إلى 20%، ثم قفزت إلى 60%، وهي نسبة فائقة النقاء تقترب تقنياً من درجة التخصيب المطلوبة لصناعة السلاح النووي (90%).
كما راكمت إيران مخزونات ضخمة من اليورانيوم المخصب أكثر من المسموح بها سابقاً، وشغّلت ونشرت سلاسل متطورة من أجهزة الطرد المركزي السريعة في منشآت شديدة التحصين تحت الأرض (مثل فوردو ونطنز)، معطلّة كاميرات المراقبة، ومقلّصةً بشكل كبير وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
والنتيجة هي أن "زمن الاختراق النووي" اللازم لإنتاج كمية كافية من المواد الانشطارية لصنع قنبلة نووية تراجع من نحو عام كامل تحت مظلة اتفاق 2015 إلى ربما أسابيع قليلة، مما جعل إيران دولة "عتبة نووية" بحكم الأمر الواقع، وهو نقيض ما كانت تستهدفه الاستراتيجية الأمريكية تماماً.
أمنياً، وعلى صعيد السلوك الإقليمي، لم تتراجع طهران شبراً واحداً عن نفوذها في العواصم والساحات العربية، بل ردت على الضغوط الاقتصادية بنقل المعركة إلى الساحات الإقليمية والممرات المائية الاستراتيجية لفرض تكلفة باهظة على الولايات المتحدة وحلفائها:
- استهداف ناقلات النفط والملاحة التجارية في مياه الخليج وبحر عُمان ومضيق هرمز.
- إسقاط طائرة استطلاع أمريكية مسيرة متطورة وباهظة التكلفة فوق مياه الخليج في يونيو 2019، دون أن ترد واشنطن بضربة عسكرية مباشرة، مما بعث برسائل تردد أضعفت الردع الأمريكي.
- شن هجوم دقيق بالطائرات المسيرة وصواريخ كروز على منشآت النفط التابعة لشركة أرامكو في بقيق وخريص بالمملكة العربية السعودية في سبتمبر 2019، مما عطل جزءاً كبيراً من إنتاج المملكة من النفط وهزّ أسواق الطاقة العالمية.
- تكثيف الفصائل المسلحة في العراق وسوريا هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيرة على القواعد العسكرية الأمريكية ومقرات التحالف الدولي، وصولاً إلى استهداف مبنى السفارة الأمريكية في بغداد.
شكّل استهداف قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس، بضربة جوية موجهة قرب مطار بغداد في الثالث من حزيران/ يناير 2020، ذروة التصعيد والعمليات النوعية لإدارة ترامب، وحققت هذه العملية صدمة تكتيكية وأمنية كبرى أفقدت المنظومة الإيرانية مهندس شبكات النفوذ الإقليمي وشخصية عسكرية تمتلك علاقات قيادية استثنائية مع الحلفاء.
ومع ذلك، أثبتت التطورات اللاحقة أن اغتيال سليماني لم يكسر الهيكل التنظيمي؛ إذ ردت إيران بقصف صاروخي مباشر وباليستي – صوتي- استهدف قاعدة "عين الأسد" التي تستضيف قوات أمريكية في العراق، دون الانزلاق لحرب شاملة. كما أن الحرس الثوري أعاد ترتيب صفوفه ونقل المسؤوليات لقيادات بديلة، واستمرت شبكات الدعم والتسليح للفصائل الحليفة في اليمن ولبنان وسوريا والعراق دون انقطاع.
الانحراف الاستراتيجي الأمريكي
تُظهر المراجعة النقدية العميقة للسياسات الأمريكية مساراً واضحاً من "الانحراف الاستراتيجي"؛ حيث تحولت الولايات المتحدة تدريجياً من التركيز على معالجة الجذور والأسباب الأساسية للأزمة مع إيران إلى التورط في تفاصيل وإدارة معارك ظرفية فرعية أبعدت واشنطن عن تحقيق غاياتها الكبرى.
كانت الغاية الاستراتيجية الكبرى المعلنة للولايات المتحدة هي إعادة صياغة موقع إيران الإقليمي ونزع "مخالبها" النووية والصاروخية عبر إطار تفاوضي أو انهيار سياسي شامل. غير أن السياسة الأمريكية تحولت عملياً على الأرض إلى:
- الغرق في تأمين مرافقة ناقلات النفط وإنشاء تحالفات أمنية بحرية لحماية المضائق من ألغام وقوارب الحرس الثوري السريعة.
- التموضع الدفاعي حول القواعد العسكرية في العراق وسوريا ونصب منظومات الدفاع الجوي لصد هجمات الطائرات المسيرة رخيصة التكلفة التي تطلقها فصائل محلية، مما وضع القوات الأمريكية في موقع الدفاع ورد الفعل المستمر.
- الانشغال بتعقب ناقلات النفط الفردية ومصادرة شحناتها وملاحقة شبكات الصرافة والشركات الوهمية الصغيرة، وهي معارك تكتيكية استنزفت الجهد الاستخباري والدبلوماسي دون التأثير على البنية الكبرى للنظام.
كما وقعت السياسة الأمريكية في فخ في العلاقات الدولية يتعلق بالتباين في التكاليف والالتزام. وهذا يعني أن إيران كانت تدير حرباً بأدوات بسيطة وغير متماثلة وتعتمد على وكلاء محليين وصواريخ غير معقدة وطائرات مسيّرة زهيدة الثمن تحقق قدراً كبيراً من الإرباك بأقل تكلفة، كانت واشنطن وحلفاؤها يضطرون لتحريك أساطيل حاملات الطائرات وقاذفات القنابل الاستراتيجية ونشر بطاريات الدفاع الصاروخي باهظة الثمن للرد على كل تهديد موضعي. هذا التباين أدى إلى استنزاف مالي وعسكري مستمر دون حسم جذري.
في المقابل، تجلى أحد أبرز مظاهر الانحراف الاستراتيجي في تناقض أمرين داخل عقل الإدارة الأمريكية، فمن جهة، كان رفع سقف الخطاب والتهديد والضغط إلى أقصى حد وإعلان الرغبة في خنق طهران وإخضاعها، ومن جهة أخرى، كان الرئيس ترامب يعلن تكراراً عن رغبته في إنهاء "الحروب"، وسحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان والعراق، وتقليص الحضور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط للتركيز على المنافسة الاستراتيجية مع الصين وروسيا.
هذا التناقض ولّد فراغاً استراتيجياً وبعث بإشارة واضحة للقيادة الإيرانية مفادها أن واشنطن غير مستعدة عسكرياً لدفع ثمن مواجهة كبرى، مما شجع طهران على رفع وتيرة التحدي وفرض معادلات اشتباك جديدة في عدة جبهات، وهي تدرك تماماً الحدود التي وضعها الأميركيون لأنفسهم كي لا يغرقوا أكثر في التورط الميداني.
تصدع الإجماع الدولي
أدى النهج الأحادي الصارم لإدارة الرئيس دونالد ترامب ورفضها التنسيق مع الحلفاء الأوروبيين والشركاء الدوليين إلى نوع من العزل للموقف الأمريكي على المستويين الديبلوماسي والقانوني، فواجهت واشنطن انتكاسات متتالية في مجلس الأمن الدولي، حيث رفضت الأغلبية الساحقة من الدول، بما فيها الحلفاء الأوروبيون المقربون (بريطانيا وفرنسا وألمانيا)، المساعي الأمريكية لتفعيل آلية "الزناد" لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على طهران، أو تمديد حظر السلاح التقليدي الدولي عليها في خريف عام 2020.
أما إيران، فدفعها الحصار الاقتصادي إلى انفتاح غير المحدود نحو المعسكر الشرقي، فوقعت "وثيقة التعاون الاستراتيجي" لمدة خمس وعشرين سنة مع الصين، والتي تضمنت استثمارات صينية بمليارات الدولارات وتدفقاً ثابتاً للنفط الإيراني إلى بكين، فضلاً عن التحالف العسكري والأمني والتقني مع روسيا (والذي تجلى لاحقاً في تزويد موسكو بالطائرات المسيرة والتقنيات العسكرية). وبذلك، أسهمت السياسة الأمريكية في تسريع اندماج إيران داخل شبكات النفوذ الدولية المناهضة للهيمنة الغربية.
مع تولي إدارة جو بايدن في مطلع عام 2021، سعت واشنطن لإحياء الاتفاق النووي لعام 2015 عبر محادثات فيينا غير المباشرة، لكن المسار اصطدم بتعقيدات الإرث الترامبي وهو «الضغوط القصوى». تمسكت واشنطن بالعقوبات كورقة ضغط تفاوضية، في حين اشترطت طهران ضمانات ملزمة بعدم الانسحاب مجدداً ورفعاً عملياً للعقوبات؛ وهو ما عجزت عنه الإدارة الأمريكية لغياب الغطاء الدستوري ومعارضة الكونغرس. وتزامن ذلك مع تحولات شملت حرب أوكرانيا والتصعيد الإقليمي في غزة ولبنان والبحر الأحمر، ومخاوف من قدرات نووية لطهران، ما جعل شروط اتفاق 2015 شبه ساقطة تكنولوجياً وزمنياً، وحوّل الدبلوماسية إلى مسار صعب يصعب التنبؤ به.
تقديرات استراتيجية لصناع القرار والباحثين
تتيح المراجعة الشاملة لمسار الأزمة واستراتيجية إدارة ترامب تجاه إيران استنتاج مجموعة من الدروس بالغة الأهمية لصياغة السياسات المستقبلية وهي على الشكل الآتي:
أولاً: أوهام القوة الاقتصادية المنفصلة عن المسار السياسي المتكامل
أثبتت التجربة أن العقوبات الاقتصادية، مهما بلغت درجة قسوتها وشموليتها، تبقى أداة إجبار وليست استراتيجية متكاملة بحد ذاتها. فعندما تُفرض العقوبات دون اقترانها بأهداف سياسية واقعية وقابلة للتحقيق، ودون فتح مسارات تفاوضية توفر للطرف الآخر مخارج تحفظ ماء الوجه وتضمن مصالحه الحيوية، فإنها تؤدي إلى تصلب المواقف وتدفع النظام المستهدف إلى التصعيد الميداني والمغامرة ونقل الأزمة إلى الجوار بدلاً من الاستسلام أو الانكسار.
ثانياً: معضلة الفصل بين النووي والإقليمي
كشفت العقود الماضية عن فشل المقاربتين الأمريكيتين المتناقضتين:
- مقاربة أوباما التي ركزت حصرياً على تجميد الملف النووي وعزلت الملفات الإقليمية والصاروخية، فأنتجت اتفاقاً منقوصاً عزز الموارد المالية لطهران دون لجم تمددها الإقليمي.
- مقاربة ترامب التي جمعت كل الملفات دفعة واحدة في حزمة مطالب تعجيزية وشاملة، فأدت إلى خسارة المكاسب النووية وإشعال التوترات الإقليمية في آن واحد.
إن أي استراتيجية مستقبلية قابلة للحياة تقتضي صياغة نموذج أمني إقليمي تشارك فيه أطراف متعددة ويربط الترتيبات النووية بتفاهمات أمنية وهيكلية تخص الاستقرار الإقليمي وتوازن القوى في الخليج والمشرق العربي.
ثالثاً: خطورة الانزلاق إلى مستنقع الاستنزاف الرمادي
إن غياب الحسم الاستراتيجي والتردد بين خياري الحرب الشاملة والدبلوماسية الواقعية يحكم على السياسة الأمريكية بالبقاء في موقع رد الفعل داخل "المناطق الرمادية"، مما يستنزف المصداقية والقدرات العسكرية ويفقد حلفاء واشنطن الثقة في مظلة الحماية التقليدية، ويدفع الفاعلين الإقليميين إلى البحث عن بدائل وتنويع شراكاتهم الاستراتيجية مع قوى دولية صاعدة.
رابعاً: توجهات الانغلاق وخيارات المستقبل
يقف الصراع الأمريكي الإيراني اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فبينما يشاع أن إيران قد تجد طريقاً للتعافي النووي، وتسرّع تقنياً للتحول إلى دولة نووية مكتملة الأركان بالتوازي مع امتلاكها ترسانات صاروخية وفرط صوتية وطائرات مسيرة متطورة وشبكة حلفاء متجذرة في الإقليم، لم يعد مجدياً تكرار سياسات الضغوط القصوى بذات الأدوات القديمة. إن الخيارات المتاحة أمام واشنطن تضيق لتنحصر بين مسارين حرجين: إما الانزلاق الحتمي نحو مواجهة عسكرية كبرى غير محسوبة العواقب وذات تكلفة عالمية مدمرة، أو صياغة إطار تفاوضي واقعي جديد يقر بموازين القوى القائمة ويعالج المخاوف الجوهرية لكافة الأطراف ضمن معادلة أمنية مستدامة تحول دون الانفجار الشامل.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook