قصة محطة الضخ التي أُنفق عليها ملايين الدولارات وأكلها الصمت

قصة محطة الضخ التي أُنفق عليها ملايين الدولارات وأكلها الصمت

 

عبد الفتاح خطاب - على شاطئ الرملة البيضاء، آخر متنفس مجاني تملكه بيروت على البحر، يقف كل شيء معلقاً بانتظار «كبسة زر». زرٌّ واحد كفيلٌ بأن يُعيد للحياة ألقها، ويصون ما تبقى من بيئة العاصمة اللبنانية الشاطئية. لكن هذه الضغطة البسيطة لم تأتِ منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

 

هناك، عند أطراف الشاطئ، تقبع محطة الضخ المعروفة باسم "بي أس 1"؛ جدارٌ رمادي، ومعدات هيدروليكية جاهزة، وهيكل هندسي اكتمل نضوجه نحو عام 2010، ضمن مشروع ضخم عرف باسم «منظومة كارلتون – الغدير». خطةٌ طموحة رسمها مجلس الإنماء والإعمار ورُصدت لها عشرات ملايين الدولارات (من بينها نحو 14.4 مليون دولار لعقد إنشاء محطتي الضخ "بي أس 1" و "بي أس 2" وحدهما، بتمويل جزئي من قروض دولية كالبنك الإسلامي للتنمية). كان الحلم يبدو بسيطاً ومستحقاً: تجميع مياه الصرف الصحي القادمة من أحياء بيروت، وضخها عبر أنفاق عميقة بعيداً عن الشاطئ العام نحو محطة المعالجة في الغدير جنوب العاصمة.

غير أن الحلم توقف في منتصف الطريق، وتحولت المنشأة التقنية المكتملة إلى جثة صامتة تسكنها الرطوبة.

 

حلقة مفقودة في سلسلة مفككة

كيف لمنشأة كلف إنشاؤها وتأهيلها الملايين أن تظل خارج الخدمة طوال هذه السنوات؟

الجواب لا يكمن في الآلات المتوقفة، بل في فلسفة «المنظومة المفككة». لم تُصمم المحطة "بي أس 1" لتكون جزيرة مستقلة؛ بل هي مجرد قلب يُفترض به أن يضخ الدماء في جسد كامل. وعندما تفحص باقي أجزاء الجسد، تكتشف المعضلة: المحطة النهائية في الغدير لا تزال، منذ عقود، تعمل ببدائية شديدة تقتصر على المعالجة التمهيدية والأولية - إزالة النفايات الصلبة الكبيرة والزيوت فقط - دون الوصول إلى المعالجة البيولوجية والثانوية الشاملة.

 

تشغيل "بي أس 1" بكامل طاقتها كان يعني ببساطة: نقل تلوث الرملة البيضاء بضخ هائل ليفيض على شواطئ الأوزاعي وكوستا برافا. وهكذا دخل المشروع في حلقة مفرغة من اللوم المتبادل.

 

صراع الصلاحيات وغبار الأزمات

خلف كواليس الجدران المغلقة، تحولت المحطة إلى ساحة نزاع مؤسساتي كشفت عنه تقارير ديوان المحاسبة. اتهامات متبادلة وتضارب في الصلاحيات بين مجلس الإنماء والإعمار المنفذ، ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان المُستلم المُفترض، وبلدية بيروت، واتحاد بلديات الضاحية الجنوبية. الأخير رفض بوضوح استقبال مياه بيروت العادمة عبر المحطة قبل توسعة خطوط الغدير، خشية أن تطوف شوارع الضاحية بالمياه وتختنق شبكاتها في مواسم الشتاء.

 

وعندما انجلت العواصف الإدارية قليلاً، داهمت البلادَ أزمةُ الانهيار المالي الكبير عام 2019. تحولت كلفة التشغيل لشراء المازوت وتأمين الكهرباء لآلات ضخ بهذا الحجم إلى ارقام خيالية بالليرة اللبنانية المتهاوية، ليتجمد ملف المحطة نهائياً، وتُطوى الوعود التي تبخرت سابقاً مع تعثر إصلاحات مؤتمر «سيدر» عام 2018.

 

مأساة وطن في قطرة ماء

ليست قصة محطة "بي أس 1" إلا فصلاً من رواية أوسع يرويها البحر اللبناني كل يوم.

منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2018، أنفق لبنان أكثر من 1.1 مليار دولار على قطاع الصرف الصحي والمياه بحسب تقارير البنك الدولي. غير أن المفارقة المؤلمة هي أن نسبة المياه التي تخضع لمعالجة فعلية كانت تدور حول 20% إلى 25% فقط، قبل أن تهبط إلى أدنى مستوياتها عقب الأزمة الاقتصادية وتوقف معظم محطات البلاد.

وفي هذه الأثناء، تشير الأرقام الدورية الصادرة عن المجلس الوطني للبحوث العلمية ووزارة البيئة إلى ارتقاء نسب البكتيريا القولونية والملوثات في مياه الرملة البيضاء إلى مستويات حادة، في صريح المخالفة لقانون حماية البيئة اللبناني رقم 444 لسنة 2002 والاتفاقيات الدولية لحماية البحر المتوسط.

 

النهاية التي تنتظر قراراً

ويرى خبراء بيئيون أن المحطة لا تحتاج إلى معجزة بقدر ما تحتاج إلى استكمال الحلقة: تطوير محطة الغدير، تأمين طاقة مستدامة لتشغيل المضخات، وتوحيد القرار السياسي والإداري.

 

تبقى محطة "بي أس 1" قائمة على رمل الشاطئ؛ هيكلاً هندسياً بملايين الدولارات، يحرسه الصمت من الداخل، ويحيط به صخب الأمواج من الخارج. وفي كل يوم يستمر فيه هذا الصمت، يظل البحر يستقبل آلاف الأمتار المكعبة من الملوثات، ويبقى أهالي بيروت يدفعون من صحتهم وجمال شاطئهم ثمن «زر» لم يجرؤ أحدٌ على ضغطه بعد.