أكراد سوريا من الانعزال والكانتونات إلى مسار الاندماج في الدولة
نستراك - تُعد المسألة الكردية في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً في التاريخ السياسي الحديث للبلاد؛ إذ تقاطعت فيها الاعتبارات الديموغرافية مع السياسات الأمنية والتشريعية التي انتهجتها السلطات المتعاقبة على إدارة الدولة. وهذا الملف تأثر تاريخياً بصورة مباشرة بالتحولات والصراعات الإقليمية والدولية، وطبيعة وتشابك التوازنات الحدودية مع دول الجوار.
إن القراءة الاستراتيجية المتجردة لهذا الملف تقتضي تجنب المقاربات العاطفية أو السرديات الأيديولوجية المنحازة، والتركيز على الوقائع والحسابات الميدانية، والمناطق الجغرافية التي تحكم مستقبل المكون الكردي بوصفه جزءاً أصيلاً من النسيج السكاني السوري. وفي ضوء التحولات التاريخية الكبرى التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، وتولي الرئيس أحمد الشرع رئاسة الجمهورية، وبدء مرحلة إعادة بناء الدولة الوطنية، تبرز ضرورة صياغة مقاربة شاملة تحسم مصير هذا الملف وفق مبادئ السيادة، ووحدة الأراضي، والمواطنة القانونية الكاملة.
التطور التاريخي والسياسات الرسمية عبر الحقب الرئاسية المتعاقبة
شهدت معالجة قضايا الأكراد في سوريا محطات تشريعية وأمنية متباينة عبر الحقب السياسية المختلفة منذ مرحلة ما بعد الاستقلال، عكست في مجملها رؤية السلطة المركزية لضبط الحدود وإدارة التوازنات الديموغرافية في المحافظات الشمالية والشرقية، ومن هذه المحطات، الآتي:
عهد الرئيس ناظم القدسي (1961 - 1963): الإحصاء الاستثنائي
شكّل صدور المرسوم التشريعي رقم 93 بتاريخ 23 آب/أغسطس 1962، في عهد الرئيس ناظم القدسي، محطة مفصلية ترتبت عليها آثار إدارية وقانونية عميقة، حيث قضى المرسوم بإجراء إحصاء استثنائي لسكان محافظة الحسكة في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته، وكان الهدف منه أمنيا لضبط قيود السجلات المدنية، ومراقبة حركة الهجرات غير الشرعية عبر الحدود التركية والسورية.
أدت الآليات التنفيذية الصارمة التي رافقت الإحصاء إلى تصنيف ما يقارب 120 ألف كردي في قيود خاصة خارج السجل المدني العام، حيث قُسموا إلى فئتين: فئة "الأجانب" المسجلين في قيود مؤقتة، وفئة "مكتومي القيد" غير المسجلين رسمياً. أحدث هذا الإجراء خللاً في البنية القانونية لمعاملات هذه الشريحة من السكان على مدى عقود، وأثّر على ظروف حياتهم في التملك، والتوظيف العام، والمعاملات الإدارية الرسمية.
عهد الرئيس حافظ الأسد (1970 - 2000): إعادة الهيكلة الداخلية والتوظيف الإقليمي
اتسمت السياسة المتبعة في عهد الرئيس حافظ الأسد بالجمع بين الضبط الإداري الصارم في الداخل، واستثمار الورقة الكردية في ملفات السياسة الخارجية:
على المستوى الداخلي: تم في مطلع السبعينيات تنفيذ مشروع إعادة تنظيم الأراضي الزراعية في الشريط الحدودي لمحافظة الحسكة، والمعروف بمشروع القرى النموذجية (أراضي الغمر)، إثر إنشاء سد الفرات وإعادة توطين مزارعين من محافظتي الرقة وحلب في أراضٍ حدودية منظمة حديثاً. وترافق ذلك مع حظر النشاط السياسي الحزبي غير المرخص، وتقييد المبادرات الثقافية واللغوية غير الناطقة بالعربية تأكيداً على مركزية مؤسسات الدولة.
على المستوى الإقليمي: سمحت دمشق ابتداءً من عام 1979 لقيادة وكوادر حزب العمال الكردستاني وزعيمه عبد الله أوجلان بالوجود والنشاط العسكري والتدريبي انطلاقاً من الأراضي السورية وسهل البقاع اللبناني. استُخدم هذا الوجود كأداة ضغط استراتيجي في إدارة الخلافات مع تركيا حول المياه وأمن الحدود، وظل هذا الترتيب قائماً حتى تصاعد التهديد العسكري المباشر من أنقرة عام 1998، والذي أفضى إلى توقيع "اتفاقية أضنة" الأمنية، وخروج قيادة الحزب من سوريا، وتصنيف أنشطته ضمن الأعمال المحظورة.
عهد الرئيس بشار الأسد (2000 - 2024): من الصدام الأمني إلى الفراغ العسكري
اتسمت هذه الفترة بمسارين متناقضين حركا الواقع السياسي والأمني في مناطق الشمال:
أحداث القامشلي (آذار/مارس 2004): اندلعت مواجهات دامية في الملعب البلدي بالقامشلي على خلفية مباراة لكرة القدم، وسرعان ما امتدت الاضطرابات والاشتباكات إلى مدن الجزيرة وحلب ودمشق، وتعاملت الأجهزة الأمنية بعنف وحزم عسكري مع تلك الاحتجاجات، وهذا أدى إلى تصدع في إدارة التوازنات الأهلية في المنطقة الشرقية.
إعادة التموضع والانسحاب (2011 - 2012): عقب اندلاع أحداث 2011، أصدرت السلطة المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 2011 لمنح الجنسية لفئة "أجانب الحسكة". ومع تراجع قدرة الجيش النظامي على تغطية الجبهات وتصاعد المعارك في المدن الكبرى كحلب ودمشق وحمص، نفذ النظام صيف عام 2012 انسحاباً عسكرياً وأمنياً منظماً من مساحات واسعة في الشمال والشمال الشرقي، تاركاً المقار الحكومية والبنية التحتية لحزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري "وحدات حماية الشعب"، في خطوة ضرورية لتخفيف العبء عنه وتحييد الحدود الشمالية عبر قوى محلية موالية للنظام أو معارضة للتشكيلات الثورية الأخرى.
تأسيس "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد): السياق العملياتي والتحالف الدولي
شكّل اجتياح تنظيم "داعش" لمناطق واسعة في شمال وشرق سوريا والعراق خلال عام 2014 نقطة تحول كبرى أعادت رسم الخرائط الميدانية والتحالفات العسكرية؛ فجاء حصار التنظيم لمدينة عين العرب (كوباني) في خريف عام 2014 ليشكل منطلقاً للتعاون العملي المباشر بين المقاتلين الأكراد والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث وفر الغطاء الجوي المكثف مع الدعم اللوجستي عاملاً حاسماً في صد الهجوم واستعادة المدينة.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2015، أُعلن رسمياً عن تأسيس "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) كتحالف عسكري ضم أساساً وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، إلى جانب فصائل مسلحة من العشائر العربية وقوات أخرى محلية سريانية وآشورية. وكان الهدف المعلن من هذا التشكيل هو محاربة تنظيم داعش واستعادة الأراضي الواقعة التي سيطر عليها، بينما مثّل من المنظور الأميركي إطاراً شرعياً لتقديم الدعم العسكري والتقني لقوة محلية حليفة على الأرض، ودون التصادم مع الدول المجاورة.
خاضت قوات قسد سلسلة معارك واسعة، فاستعادت السيطرة على مدن كبرى مثل منبج والرقة، وصولاً إلى بلدة الباغوز، آخر معقل لداعش بريف دير الزور في آذار/مارس 2019، وبسطت قسد نفوذها على مساحة تعادل نحو ربع الأراضي السورية بما فيها حقول النفط والغاز في الرميلان والعمر والتنك، وسدود الفرات الاستراتيجية، وسلة المحاصيل الزراعية الرئيسية للبلاد، وأسست كياناً إدارياً باسم "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا".
الظروف الجغرافية والسياسية ومآزق مشاريع الكانتونات المنفصلة
على الرغم من اتساع رقعة السيطرة الميدانية لقوات قسد، إلا أن محاولة تحويل سلطة الأمر الواقع إلى كيان سياسي أو إداري مستقل أو شبه مستقل واجهت مآزق عقبات ومصاعب كثيرة جعلت من استدامتها أمراً مستحيلاً. ومن هذه العوامل:
الفيتو الإقليمي والمحدد التركي
تفتقر المناطق ذات الكثافة السكانية الكردية في سوريا إلى التواصل الجغرافي الطبيعي فيما بينها، وتتوزع على ثلاثة جيوب متباعدة (الجزيرة، وعين العرب/كوباني، وعفرين). كما اصطدمت هذه الإدارة برفض تركي قاطع اعتبر الهيمنة العسكرية والسياسية للكوادر المرتبطة بحزب العمال الكردستاني تهديداً مباشراً للأمن القومي لتركيا. تُرجم هذا الموقف عبر عمليات عسكرية برية وجوية متتالية قطعت خطوط الاتصال الجغرافي وفرضت حصاراً أمنياً واقتصادياً مستمراً أرهق المنطقة واستنزف إمكاناتها.
التعقيد الديموغرافي والنسيج المجتمعي
أدى تمدد "قسد" إلى محافظات ومناطق ذات أغلبية سكانية عربية مطلقة في الرقة ودير الزور وريف منبج وأجزاء واسعة من الحسكة إلى إحداث اختلالات اجتماعية وإدارية عميقة. كما إن محاولة فرض نمط إدارة سياسي عقائدي أحادي، وسياسات التجنيد الإجباري، والمناهج الحزبية على مجتمعات عشائرية ومحلية محافظة ولّد حالة من التوتر الأهلي المستمر والاحتجاجات الشعبية، ما أثبت أن أي ترتيبات إدارية لا تستند إلى التوافق الشامل تحت كنف دولة موحدة ومحايدة مصيرها التصدع والفشل.
طبيعة التحالفات الخارجية المؤقتة
أكدت الوقائع الاستراتيجية أن الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف الدولي لم يكن في جوهره تحالفاً سياسياً مفتوحاً، بل ارتبط بأداء مهمة وظيفية محددة عنوانها هزيمة دائمة لتنظيم داعش. ولم تقدم واشنطن أو أية قوى دولية أخرى أي ضمانات دستورية أو قانونية لدعم قيام كيان منفصل. وكان واضحاً لصناع القرار والمحللين الاستراتيجيين أن رهن مصير منطقة كاملة بوجود قواعد عسكرية خارجية خاضعة لتقلبات السياسة الداخلية في واشنطن يمثل خياراً عالي المخاطر ولا يؤسس لمستقبل مستقركما أرادت بعض القيادات الكردية.
سقوط النظام وتولي أحمد الشرع وإعادة بناء الدولة والاندماج الكامل
أحدث سقوط نظام بشار الأسد تغييراً جذرياً في البيئة السورية، ما أفسح المجال لإنهاء حالة التفتت العسكري والإداري، والشروع في بناء نظام سياسي جديد يستند إلى سيادة القانون ووحدة الأراضي السورية.
ومع تولي الرئيس أحمد الشرع رئاسة الجمهورية، وضعت القيادة السورية الجديدة استراتيجية شاملة لمعالجة القضايا الوطنية العالقة وفي مقدمتها الملف الكردي، وفق رؤية تقوم على معالجة المشكلات التاريخية وتفكيك القرارات الإدارية السابقة، مقابل الالتزام التام بوحدة الدولة وحل التشكيلات العسكرية الموازية.
الركائز التشريعية والسياسية للمرحلة الجديدة
المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026: أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً تاريخياً وضع حداً نهائياً لكافة الآثار الناجمة عن إحصاء عام 1962، حيث نص على منح الجنسية السورية الكاملة لكافة المواطنين من الأصول الكردية المقيمين داخل الأراضي السورية بمن فيهم فئة "مكتومي القيد"، وتثبيت حقوقهم المدنية والسياسية في السجلات الرسمية للدولة دون استثناء.
صون الهوية الثقافية واللغوية: أقر المرسوم اعتبار المكون الكردي جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، ونص صراحة على تدريس اللغة الكردية في المدارس العامة والخاصة بواقع حصتين أسبوعياً في المناطق التي تشكل فيها كثافة سكانية ملحوظة، كما اعتمد يوم 21 آذار (عيد النوروز) عطلة وطنية رسمية مدفوعة الأجر في عموم المؤسسات والدوائر السورية.
الاتفاق العسكري والاندماج المؤسساتي: أفضت المباحثات الرسمية التي عُقدت في قصر الشعب بدمشق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في آب/أغسطس 2026 إلى إعلان تاريخي تمثل في:
-
- حل "قوات سوريا الديمقراطية" بصورة نهائية كقوة عسكرية وأمنية مستقلة.
- دمج المقاتلين والضباط المؤهلين ضمن ألوية وفصائل الجيش السوري وقوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية.
- تسليم السيطرة على المعابر الحدودية، وحقول النفط والغاز، والسدود، والمنشآت الحيوية للحكومة السورية المركزية.
- تفكيك مؤسسات الإدارة الذاتية لصالح تفعيل دوائر الإدارة المحلية التابعة للوزارات السورية المختصة.
الخاتمة الاستراتيجية: المواطنة المتساوية كخيار حتمي وأوحد
تُظهر دراسة التحولات السورية أن محاولات تأسيس إدارات أمر واقع أو كانتونات عرقية مسلحة كانت انعكاساً لغياب الدولة العادلة وانهيار المؤسسات المركزية، ولم تكن يوماً مشروعاً قابلاً للبقاء في بيئة الشرق الأوسط المعقدة.
تقود هذه القراءة إلى نتائج قطعية تشكل خريطة طريق لصناع القرار والمراقبين:
حتمية الاندماج في الدولة السورية: إن الأكراد في سوريا ليس لهم ولا للدولة السورية إلا أن يكونوا مواطنين كاملي الأهلية والحقوق في إطار الجمهورية السورية الواحدة. إن الضمانة الحقيقية للأكراد لا تكمن في حمل السلاح المستقل أو المراهنة على الحمايات الخارجية المتقلبة، بل في المشاركة السياسية الفاعلة، والانخراط في صياغة الدستور الدائم، وشغل المواقع القيادية في البرلمان والحكومة ومؤسسات الدولة الرسمية.
التكامل بين الحقوق والواجبات: تقوم الدولة الحديثة على ميزان دقيق يتساوى فيه المواطنون أمام القانون؛ فبقدر ما تكفل الدولة صون الهوية الثقافية واللغوية وحرية تعلم اللغة الكردية والتعبير الثقافي وحماية الملكيات الفردية، يقع على عاتق المواطنين الأكراد واجب الولاء للدولة، واحترام سيادتها واستقلالها، والمساهمة الفاعلة في حماية أمنها القومي وجهود إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي.
تطوير نموذج الإدارة المحلية: يمثل تطبيق اللامركزية الإدارية التنموية وتمكين المجالس البلدية والمحلية المنتخبة من إدارة الشؤون الخدمية والتعليمية والاقتصادية للمحافظات – في إطار السيادة المركزية الكاملة للدولة على السياسة الخارجية والدفاع والثروات الطبيعية – الإطار التنفيذي الأمثل لمعالجة هواجس التهميش الإداري، وتعزيز الكفاءة التنموية في عموم المحافظات السورية.
إن الانتقال بسوريا من مرحلة التمزق والاستبداد إلى مرحلة الدولة الديمقراطية التعددية يتطلب ترسيخ عقد اجتماعي وطني يتجاوز التصنيفات الإثنية والطائفية، ويؤسس لمفهوم المواطن السوري الذي تحميه مؤسسات دولة قوية وقضاء عادل، لتكون سوريا وطناً موحداً ومستقراً لكل أبنائه دون تمييز.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook