عايدة صبرا: نظام التفاهة يحاصر الفن، ومسؤوليتنا صناعة الذوق لا تغذية الابتذال

عايدة صبرا: نظام التفاهة يحاصر الفن، ومسؤوليتنا صناعة الذوق لا تغذية الابتذال

 

أجرى الحوار: نبيل شحاده

 عندما نتحدث عن عايدة صبرا، فنحن لسنا أمام ممثلة قديرة فحسب، بل أمام حالة فنية وإبداعية متكاملة يصعب التهاون بمستواها. هي الفنانة والمخرجة والكاتبة والأستاذة التي برعت في فن الإيماء والتعبير الحركي لتقول ما تعجز عنه الكلمات. تنوّعت تجاربها بين خشبة المسرح الأصيل بأبعاده الإنسانية والوجدانية، وشاشة التلفزيون التي طبعت فيها شخصيات كوميدية ساخرة لا تُنسى، وسحر السينما، وصولاً إلى حضورها وتجربتها الفنية في الخارج.

نلتقي بها اليوم لنفتح معاً ملف الفن الجاد في مواجهة فوضى "الترند" والابتذال؛ لنشخّص واقع الدراما اللبنانية ومعايير الإنتاج اليوم، ونستكشف رؤيتها لموقِع المبدع الحقيقي وسط هوس الشهرة الرقمية، وكيف يمكن حماية ذوقنا الفني من هذا الانحدار.

 

المحور الأول

السؤال الأول: قدمتِ على خشبة المسرح أدواراً إنسانية ووجدانية حُفرت في ذاكرة المتابعين للعمل المسرحي الجاد. كيف يستطيع المسرح ذو البعد الإنساني العميق أن يحافظ على مكانه وتأثيره اليوم في ظل الانجراف العام نحو العروض السريعة والاستعراضية؟"

 

جواب: أعتقد أن المسرح ذو البعد الإنساني العميق سيحافظ دائماً على مكانته، لأنه يخاطب الإنسان في جوهره ويتناول أسئلة تتجاوز الزمن والموضة والحدود الجغرافية. قد تتغير أشكال العروض وتتنوع اتجاهاتها، لكن الحاجة إلى أعمال تدفع الإنسان إلى التفكير والتأمل ومساءلة ذاته ستبقى موجودة.

صحيح أننا نعيش اليوم في عصر السرعة، حيث تميل شريحة من الجمهور إلى العروض ذات الطابع الترفيهي والمحتوى الخفيف والاستعراضي، إلا أنني لا أرى في ذلك تهديداً للمسرح الإنساني، بل جزءاً من التنوع الذي يجب أن يميز أي مشهد مسرحي حي.

في البلدان التي يحظى فيها المسرح بدعم الدولة والمؤسسات الثقافية، وتكون فيها الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية مستقرة، يمتلك الفنانون مساحة أوسع للبحث والتجريب، وإنتاج أعمال نوعية فيها تجديد من حيث الرؤية الإخراجية إلى جانب إعادة تقديم نصوص كلاسيكية وأعمال خالدة. لذلك نرى تنوعاً كبيراً في التجارب المسرحية، من المسرح الجماهيري إلى المسرح التجريبي، ومن الكوميديا إلى المسرح ذي البعد الفكري والإنساني، ولكل منها جمهوره ومكانته. كما أن ارتياد المسرح في كثير من هذه البلدان يُعد جزءاً من الحياة الثقافية وأسلوب العيش، فيُقبل الجمهور على مختلف أنواع العروض، ويعتبر المسرح مساحة طبيعية للترفيه والتفكير والحوار في آن واحد.

أما في لبنان، فالوضع مختلف إلى حد كبير. فالأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة، إلى جانب غياب الدعم الرسمي، فرضت ضغوطاً كبيرة على القطاع المسرحي. كما أن محدودية الإنتاج الدرامي والسينمائي لا تستوعب جميع خريجي المعاهد الفنية، فيصبح المسرح بالنسبة إلى كثيرين المساحة الأساسية لممارسة مهنتهم وتحقيق أحلامهم. ومن جهة أخرى، لا يزال ارتياد المسرح محصوراً بشريحة من الجمهور، ولم يتحول إلى عادة ثقافية راسخة لدى المجتمع كما هو الحال في بلدان أخرى، مما يجعل المسرحيين

أمام تحدٍ دائم لاستقطاب الجمهور، إضافة إلى مواجهة الصعوبات الإنتاجية والمالية.

ورغم هذه الظروف، لا يمكن التعميم، لأن هناك تجارب مسرحية لبنانية استطاعت أن تحافظ على رسالتها الفنية، وقدمت أعمالاً تلامس هموم الإنسان اللبناني وقضاياه، مؤكدة أن المسرح لا يزال قادراً على أن يكون مساحة للتأمل والنقاش حتى في أصعب الظروف.

لذلك أعتقد أن مسؤولية الحفاظ على المسرح ذي البعد الإنساني لا تقع على الفنان وحده، بل على منظومة ثقافية كاملة، تشمل الدولة، والمؤسسات الثقافية، والجامعات، والمهرجانات، ووسائل الإعلام، لأنها جميعاً تساهم في تكوين جمهور يقدر الفن ويمنحه مكانته.

في النهاية، قد تتغير الأذواق وأساليب التلقي، لكن الإنسان سيبقى يبحث عن قصة تشبهه، وعن شخصيات تعكس مخاوفه وأحلامه وأسئلته. وطالما بقي المسرح قادراً على ملامسة هذا الجوهر الإنساني بصدق، فسيظل فناً حياً ومؤثراً، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت أشكال التعبير. وكما قال بيتر بروك: «المسرح ليس مجرد شكل فني، بل هو وسيلة لفهم الحياة». ولعل هذه هي القيمة التي ستضمن للمسرح ذي البعد الإنساني أن يحافظ دائماً على مكانته، لأنه لا يكتفي بعرض الحياة، بل يساعد الإنسان على فهمها وفهم ذاته.

 

السؤال الثاني: حين انتقلتِ للعمل الكوميدي والشخصيات الساخرة، قدمتِ ما يُعرف بالكوميديا السوداء التي تضحكنا على واقعنا لنغيره. كيف تفرّقين بين هذا النوع من الكوميديا الذكية، وبين المسرحيات والبرامج التي تعتمد على الابتذال لتمرير ضحك مجاني وسطحي؟

 

جواب: أعتقد أن الفرق يبدأ من اختلاف الهدف. أنا عندما أقدم الكوميديا، لا أسأل نفسي: كيف سأحصل على أكبر عدد من المشاهدات؟ بل أسأل ماذا أريد أن أقول؟ وما الفكرة التي ستبقى مع الجمهور بعد انتهاء الضحك؟ بالنسبة لي، الضحك ليس غاية، بل وسيلة لطرح سؤال، أو كشف تناقض، أو نقد واقع، أو فتح باب للتغيير.

في المقابل، هناك من يتعامل مع الكوميديا كمنتج استهلاكي بحت المعيار عنده هو عدد المشاهدات والإعلانات والأرباح، حتى لو كان الثمن هو الابتذال أو الإهانة أو الصدمة. وعندما يصبح الربح هو البوصلة الوحيدة، يصبح أي شيء قابلاً للاستغلال إذا كان سيحقق انتشاراً أكبر.

صحيح أن الإنسان بطبيعته ينجذب إلى كل ما هو صادم أو استثنائي، وهذا أمر مفهوم نفسياً، لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل نحن كصناع محتوى بهذا الميل؟ هل نستغله، أم نحاول أن نرتقي به؟

برأيي الأخطر من الابتذال نفسه هو أنه يساهم في تسطيح الذائقة. فالذائقة ليست أمراً ثابتاً، بل تُصنع. عندما يتكرر أمام الناس محتوى يقوم على الفضائح والإهانة والضحك على أتفه الأشياء، يبدأ هذا النوع من الكوميديا وكأنه هو المعيار، بينما تتراجع الكوميديا التي تعتمد على الفكرة والذكاء والكتابة الجيدة.

أنا لا أعارض أن يحقق العمل الفني نجاحاً وربحاً، فهذا حق مشروع، لكنني أؤمن أن الربح يجب أن يكون نتيجة عمل يحترم عقل الإنسان، لا هدفاً يبرر التضحية بقيمة الفن. مسؤولية الفنان، برأيي ليست أن يغذي أسوأ ما في الإنسان، بل أن يخاطب أفضل ما فيه.

ومن السهل أن تجعل الجمهور يضحك على فضيحة أو على إهانة شخص، لكن الأصعب والأجمل أن تجعله يضحك لأنه اكتشف حقيقة عن نفسه أو عن مجتمعه. هذا هو النوع من الكوميديا الذي أؤمن به وأسعى إلى تقديمه.

 

 السؤال الثالث: أصبحت "الشهرة الرقمية" وسيلة الضغط الأولى في صناعة الفن اليوم؛ كيف ترين تحوّل معايير المنتجين والمخرجين في اختيار النصوص والممثلين بناءً على المتابعين والمبيعات السريعة بدلاً من القيمة الإنسانية والموهبة الفعلية؟

 

جواب: أرى أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج الفني اليوم يُدار بعقلية تجارية أكثر منها فنية. فكثير من المنتجين لم يعودوا يبحثون أولا عن النص الأقوى أو الممثل الأكثر موهبة، بل عن المشروع القادر على تحقيق أعلى نسب مشاهدة وأسرع عائد مادي. لذلك أصبح عدد المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، في كثير من الأحيان، عاملا مؤثرًا في اختيار الممثلين، حتى وإن جاء ذلك على حساب الموهبة والخبرة والقيمة الفنية.

لا أدّعي أن جميع المنتجين يتبعون هذا النهج، فهناك استثناءات مهمة لا تزال تمنح الأولوية للجودة والإبداع. لكن هذا التوجه بات واضحًا في جزء من السوق، حتى أصبح النجاح يُقاس بالأرقام ومعدلات التفاعل أكثر مما يُقاس بالأثر الإنساني أو بالقيمة الفنية للعمل. وينعكس ذلك أيضًا على طبيعة الأعمال التي تنتج، إذ تُفضَّل المشاريع السريعة الاستهلاك والقابلة للانتشار على تلك التي تطرح أسئلة عميقة أو تترك أثرًا طويل الأمد في المتلقي.

ويذكرني هذا بما يطرحه الفيلسوف الكندي آلان دونو في كتابه "نظام التفاهة"، حيث يناقش هيمنة معايير الربحية والانتشار والامتثال على حساب الكفاءة والإبداع. وأعتقد أن الفن ليس بمنأى عن هذه الظاهرة؛ فعندما تصبح الخوارزميات وعدد المتابعين معيارا أساسيًا في اتخاذ القرارات الفنية، فإننا نخاطر بتهميش المواهب الحقيقية وإضعاف الدور الإنساني والثقافي للفن.

 

المحور الثاني

السؤال الأول: كيف تقيّمين واقع الدراما اللبنانية اليوم؟ هل ترين أنها تعكس حقيقة المجتمع وهموم الناس، أم أنها باتت محصورة في أطر تسويقية معينة تبتعد عن القيمة الفنية الحقيقية؟

 

جواب: أعتقد أن الدراما اللبنانية تحاول منذ سنوات، أن تعكس هموم المجتمع وتقترب من واقعه، وهذا يُحسب لها. لكنها، في كثير من الأحيان، تكتفي بطرح القضايا بشكل سطحي، من دون التعمق في جذورها أو تقديم معالجة درامية أكثر قوة. فالمشكلة ليست في المواضيع المطروحة، بل في طريقة تناولها؛ إذ تميل العديد من الأعمال إلى التركيز على التشويق وتسارع الأحداث، وتختزل الحلول غالبا في شخصية البطل أو البطلة، بدل أن تقدم قراءة أعمق للواقع وتعقيداته.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذا الواقع عن ظروف الإنتاج. فالأزمة الاقتصادية التي تعاني منها المحطات وسوق الإعلانات أدت إلى تراجع الإنتاج المحلي وحصره في الموسم الرمضاني، وهذا جعل الرهان في كثير من الأحيان تجاريًا أكثر منه فنيًا، لأن المنتج يسعى إلى عمل يحقق نسب مشاهدة سريعة في موسم واحد، بدل الاستثمار في مشاريع درامية متنوعة وطويلة الأثر.

كما أرى أن الدراما اللبنانية لم تستثمر حتى اليوم الأدب اللبناني بالشكل الذي يستحقه. لدينا روايات غنية يمكن أن تتحول إلى أعمال درامية مميزة، كما فعلت الدراما المصرية مع كثير من الروايات وهذا من شأنه أن يضيف عمقًا فنيًا ويمنح الدراما اللبنانية هوية أكثر خصوصية.

 

السؤال الثاني: نرى اليوم صانعي محتوى ومؤثرين يتصدرون بطولات أعمال درامية ومسرحية فقط لأن لديهم ملايين المتابعين، بغض النظر عن موهبتهم. كيف يؤثر هذا «الاستسهال» على الممثل الحقيقي وعلى مستقبل الدراما؟

 

جواب: سأبدأ جوابي من المسرح، لأنه ما زال إلى حد كبير يحافظ على خصوصيته ومكانته، فهو لا يقوم على عدد المتابعين أو الشهرة الرقمية، بل على الموهبة والتدريب والخبرة والقدرة على مواجهة الجمهور مباشرة. قد نجد أحيانًا بعض المؤثرين في عروض مسرحية، لكن غالبا يكون ذلك ضمن تجارب محددة أو عروض تعتمد على شخصياتهم الجماهيرية، وليس بالضرورة كجزء من منظومة المسرح الاحترافي. وفي النهاية المسرح هو المكان الذي يكشف حقيقة الممثل، لأن النجاح فيه لا يمكن أن يُصنع فقط من خلال الشهرة.

أما في الدراما التلفزيونية، فالموضوع أصبح أكثر تعقيدًا، لأننا نرى أحيانًا إسناد أدوار البطولة لأشخاص يمتلكون ملايين المتابعين، ليس بالضرورة لأنهم الأفضل فنيًا، بل لأنهم يمثلون رهانا تجاريًا للمنتج. وهنا أعتقد أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق شركات الإنتاج، التي عليها أن تحمي المهنة وألا تجعل من الأرقام والشهرة الرقمية المعيار الأول لاختيار الممثلين.

أنا شخصيا أعارض تحويل التمثيل إلى امتداد العالم المؤثرين، لأن ذلك يخلق فوضى داخل المجال وقد يؤدي إلى تهميش ممثلين حقيقيين أمضوا سنوات في الدراسة والتدريب وانتظار الفرص التمثيل ليس مجرد حضور أمام الكاميرا أو امتلاك قاعدة جماهيرية، بل هو حرفة تحتاج إلى أدوات ومعرفة وتجربة.

لا يعني ذلك أن كل شخص يأتي من عالم التواصل الاجتماعي غير قادر على التمثيل، لكن دخول هذا المجال يجب أن يكون من الباب نفسه الذي يدخل منه أي ممثل الموهبة، الاختبار التدريب والاستحقاق. أما أن تصبح الشهرة الرقمية طريقًا مختصرًا إلى البطولة، فهذا يهدد مستقبل الدراما ويحول الفن من مساحة للكفاءة والإبداع إلى مساحة للمنافسة على عدد المتابعين.

وفي النهاية، لا يمكن تحميل الجمهور وحده مسؤولية هذه الظاهرة، فهو يتابع ما يعرض أمامه، لكن المنتج هو من يقرر ما يضعه على الشاشة. والمشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الربح السريع وجذب المشاهدات أهم من الحفاظ على قيمة الفن وجودته.

 

السؤال الثالث: "مع انتشار مقاطع الفيديو القصيرة التي تبحث عن المشاهدات السريعة، هل تعتقدين أن اهتمام الناس قد تغير وأصبح عاجزاً عن الاستمتاع بعرض مسرحي أو عمل فني طويل وعميق؟

 

جواب: لا شك أن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيما مقاطع الفيديو القصيرة، أحدث تأثيرًا واضحًا في عادات المشاهدة لدى الناس. فالإيقاع السريع الذي تفرضه هذه المنصات جعل الكثيرين يميلون إلى المحتوى المختصر الذي يمنحهم جرعة سريعة من الترفيه أو المعلومات. وهذا أمر مفهوم خاصة بعد يوم عمل طويل وضاغط، حيث يبحث الإنسان عن وسيلة سهلة وسريعة للتخفيف من أعباء الحياة اليومية. ويزداد هذا الميل في بلدان تعاني أزمات اقتصادية وأمنية واجتماعية، مثل لبنان، حيث تصبح الحاجة إلى متنفس سريع أكثرإلحاحا. لكنني لا أعتقد أن هذا يعني أن الناس أصبحوا عاجزين عن الاستمتاع بعرض مسرحي أو بعمل فني طويل وعميق. فالمحتوى الرقمي السريع يلبي حاجة معينة، بينما يلبي المسرح حاجة مختلفة تماما. المسرح يمنح المتلقي تجربة إنسانية حية لا يمكن للشاشة أن تعوضها؛ فهو يقوم على اللقاء المباشر بين الممثل والجمهور، وعلى المشاركة الجماعية في لحظة فنية واحدة، وهذا ما يمنحه فرادته.

واللافت في لبنان، رغم كل الظروف الصعبة، أن المسرح عاد في السنوات الأخيرة إلى استقطاب جمهور واسع، بغض النظر عن نوعية الأعمال المقدمة. وهذا مؤشر مهم على أن الجمهور لا يزال يبحث عن مساحة يلتقي فيها بالآخرين، ويتشارك معهم الضحك والتأمل والانفعال. فالمسرح ليس مجرد عرض يُشاهد، بل هو مناسبة اجتماعية وثقافية تعيد للناس شعورهم بالانتماء والتواصل، وهو أمر أصبحت الحاجة إليه أكبر في زمن العزلة الرقمية.

أما في الدول الغربية، فما زال المسرح أيضًا محافظا على حضوره وقيمته الفنية، لأنه جزء أصيل من الحياة الثقافية ومن سلوكيات المجتمع. ورغم التطور التكنولوجي الهائل، لا تزال المسارح تستقطب جمهورًا يقدّر التجربة الفنية الحية، ويبحث عن أعمال تطرح أسئلة عميقة حول الإنسان والمجتمع. وأعتقد أن المسرح، عندما يقدم نصوصًا جيدة ورؤى إخراجية مبتكرة وأداء صادقًا، ينجح في ملامسة الناس أكثر بكثير من البرامج التلفزيونية أو البرامج السياسية أو برامج "التوك شو"، لأنه لا يكتفي بنقل الخبر أو إثارة الجدل، بل يخلق تجربة وجدانية وفكرية تبقى مع المتفرج بعد انتهاء العرض.

لذلك، لا أرى أن المشكلة تكمن في تغيّر قدرة الجمهور على التركيز، بل في قدرة العمل الفني نفسه على جذب المتلقي. فإذا كان العرض المسرحي صادقًا ومتماسكا ويطرح قضية تهم الإنسان، فإن الجمهور سيمنحه وقته واهتمامه وسائل التواصل غيرت عادات الاستهلاك، لكنها لم تلغ حاجة الإنسان إلى الفن العميق، ولا إلى اللقاء الحي الذي يبقى جوهر المسرح وسر استمراره

 

المحور الثالث

السؤال الأول: تواجدكِ وعملكِ خارج لبنان اليوم يمثل محطة مهمة في مسيرتكِ؛ كيف تقيّمين تجربتكِ الفنية في الخارج بالمقارنة مع ما قدّمتِهِ سابقاً في لبنان؟ وما الذي يوفره لكِ هذا التواجد بعيداً عن ضغوط الواقع المحلي؟

 

جواب: بالفعل، أعتبر أن عملي في الخارج يمثل محطة مفصلية ومهمة جداً في مسيرتي الفنية. فقد أتاح لي أن أختبر بيئات عمل تقوم على الاحترافية العالية، وأن أتعرف إلى معايير إنتاج مختلفة تضع الفن في مقدمة الأولويات.

أبدأ بالمسرح، وتحديداً تجربتي في فرنسا مع المخرج العالمي وجدي معوّض، التي أعتبرها نقلة نوعية في مسيرتي. هذه التجربة عرفتني إلى أسلوب عمل يعتمد على الدقة والانضباط، وإلى مستوى عال من المهنية تدعمه إمكانيات إنتاجية كبيرة تسمح بتحويل الرؤية الفنية إلى عرض متكامل من دون تقديم تنازلات بسبب نقص الإمكانات. كما منحتني فرصة الوقوف أمام جمهور غربي ومشاهدة تفاعله مع نص قدّم بالعامية اللبنانية والفرنسية، وكان لافتاً بالنسبة إلي حجم التفاعل مع العمل والأداء، إضافة إلى الترحيب الذي حظي به من قبل الصحافة الأجنبية، وهو ما أكد لي أن العمل الإبداعي المتميز قادر على تجاوز الحدود اللغوية والثقافية.

أما في مونتريال، فقد خضت تجربة مع مخرجين من الصف الأول، وما زلت أواصل العمل في مشاريع أخرى. وما يميز هذه التجارب هو أن الإمكانيات الإنتاجية الكبيرة تفتح المجال أمام التجريب والإبداع وتوفّر كل العناصر التقنية والبشرية اللازمة لتحقيق الرؤية الإخراجية بأفضل صورة ممكنة، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة العمل الفني. ولا يقتصر الأمر على الإنتاج فقط، بل يمتد أيضاً إلى البيئة المهنية التي تحمي الفنان. فالنقابات في الخارج تؤدي دوراً أساسياً في صون حقوق العاملين في المجال الفني، إذ تُنظّم عقود العمل وفق قوانين واضحة تضمن الأجور وشروط العمل وحقوق الفنان. وهذا يمنح الممثل شعوراً بالأمان والطمأنينة، لأنه يعرف أن حقوقه المهنية والمالية محفوظة، فيستطيع أن يكرّس كل تركيزه للإبداع وتقديم أفضل ما لديه.

لذلك، لا أرى أن المقارنة مع لبنان عادلة، لأن الظروف مختلفة جذرياً. ففي الخارج، تحظى المسارح بدعم من الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الثقافية، ما يوفر استقراراً واستمرارية للإنتاج. والأمر نفسه ينطبق على السينما والدراما، حيث تُدار ضمن صناعة متكاملة لها منظومة إنتاج وتمويل وتوزيع، وليس بالاعتماد على جهود فردية أو عدد محدود من المنتجين كما هو الحال في لبنان.

ورغم كل ذلك، يبقى لبنان المكان الذي انطلقت منه وتكونت فيه هويتي الفنية. لكن العمل في الخارج منحني فرصة للنمو، واكتساب خبرات جديدة، والانفتاح على مدارس وأساليب مختلفة، وهو ما أسهم في تطوير أدواتي كممثلة ووسع آفاقي الفنية والمهنية.

 

السؤال الثاني: خلال مسيرتكِ الغنية بين المسرح والسينما والتلفزيون، اخترتِ دائماً الطريق الصعب ولم تساومي على جودة ما تقدمينه. ما هي ضريبة الموقف الجاد في وسط فني تحكمه أحياناً المصلحة والعلاقات الشخصية؟

 

جواب: أعتقد أن اختيار الطريق الصعب لم يكن قراراً بطولياً، بل كان انسجاماً مع قناعتي بأن الفنان مسؤول عن كل عمل يوقع اسمه عليه. في الوسط الفني، من يتمسك بموقفه يدفع ثمناً. بالنسبة لي خسرت الكثير لأنني لم أكن أجيد التملق، ولم أقبل أن أكون جزءاً من لعبة العلاقات والمصالح. وعندما تكون صاحب موقف واضح، قد تتعرض للمحاربة، وإذا رفعت صوتك بالنقد دفاعاً عن مستوى الأعمال والتمثيل، قد يكون نصيبك التهميش والتجاهل، وأحياناً الطعن في الظهر، وهذا ما اختبرته شخصياً.

كنت دائماً من الأصوات التي طالبت بإعطاء الفرصة لخريجي معاهد المسرح والممثلين الذين أمضوا سنوات في دراسة هذه المهنة، ورفضت المشاركة في أعمال تعتمد على أسماء لا تنتمي إلى التمثيل لمجرد شهرتها، سواء كانت ملكات جمال أو شخصيات معروفة من خارج المهنة. هذا الموقف كلفني الاستبعاد من بعض الأعمال، لكنني لم أندم عليه.

بالنسبة لي، المصداقية هي رأس مال الفنان. قد تكون الطريق أطول، لكنها تمنحني راحة الضمير واحترام الجمهور الذي يقدّر الجودة والالتزام. وفي النهاية، ما يبقى ليس عدد الأعمال، بل قيمة الأثر الذي تتركه كل تجربة.

 

السؤال الثالث: لو أردنا أن نأخذ خطوة عملية واحدة اليوم لإعادة الاعتبار للفن الجاد ووقف موجة السطحية على شاشاتنا، من أين نبدأ؟ وما هي رسالتك للشباب الذين يحلمون بتقديم فن حقيقي؟

 

جواب: المسألة ليست في إعادة الاعتبار للفن الجاد، لأن الفن الحقيقي لم يفقد قيمته. التحدي اليوم هو المحافظة على النوعية في خضم موجة التفاهة التي تحاصرنا من كل حدب وصوب. نحن لا نعيش أزمة فن بقدر ما نعيش أزمة معايير. لكل عصر ثقافته ومستواه، وفنانوه، لكن ما نعيشه اليوم هو ما يمكن تسميته ب"نظام التفاهة"، حيث نلاحظ تراجعًا في المستوى في معظم المجالات، وليس في الفن وحده. لذلك، لا يمكن أن نحمل الفنان وحده مسؤولية هذا الواقع، فالأمر مرتبط أيضًا بالتعليم، والإعلام والثقافة، والذائقة العامة.

إذا أردنا أن نبدأ بخطوة عملية، فهي دعم الأعمال الجادة، ومنحها المساحة التي تستحقها، وتشجيع الجمهور على البحث عن المحتوى الذي يحترم عقله، بدل الاستسلام لما تفرضه الخوارزميات أو ما يحقق الانتشار السريع.

أما رسالتي للشباب، فهي لا تجعلوا معيار النجاح هو عدد المشاهدات أو سرعة الشهرة. ابنوا أدواتكم، واقرؤوا، وتعلموا واصبروا على مشروعكم الفني. قد يكون الطريق أطول، لكنه وحده القادر على أن يصنع فنانا يبقى أثره، لا مجرد اسم يلمع ثم يختفي.