حرج بيروت: حين تتحول رئة العاصمة إلى ضحية للفساد والإهمال

حرج بيروت: حين تتحول رئة العاصمة إلى ضحية للفساد والإهمال

 

نستراك - حرج بيروت هو أكبر مساحة خضراء طبيعية متصلة داخل العاصمة اللبنانية، ويمتد على مساحة تقدر بنحو خمسمائة دونم، ويضم آلاف الأشجار المعمرة والصنوبر المثمر. تكمن أهميته الاستثنائية لمدينة بيروت في كونها متنفساً حيوياً ووحيداً تقريباً في عاصمة باتت ترزح تحت وطأة فوضى العمران العشوائي، وتلاصق المباني الإسمنتية الخانقة، والاختناق المروري المستمر؛ مما جعل سكان المدينة محرومين تماماً من أبسط حقوقهم في التنزه والتواصل مع الطبيعة أو إيجاد مساحة مفتوحة وهادئة تستنشق فيها العائلات والأطفال نسيم الهواء النظيف بعيداً عن صخب المدينة وتلوثها.

 

الأثر الصحي والنفسي على أهالي المدينة

لا تقتصر قيمة الحرج على شكله الجميل وضرورته البيئية فحسب، بل هو حاجة ملحّة لصحة الناس النفسية والجسدية في مدينة مليئة بضغوط الحياة والمشاكل. فالمساحات الخضراء تساعد بطبيعتها على تخفيف التوتر والقلق، وتمنح الأطفال مكاناً واسعاً وآمناً للركض واللعب، وتوفر للجميع مكاناً هادئاً للجلوس والترويح عن النفس بغض النظر عن مستواهم المادي أو الاجتماعي. وحرمان الناس من هذه المساحة يعني حرمانهم من أبسط حقوقهم في العيش ببيئة صحية وإنسانية.

 

وعلى عكس الحدائق العالمية أو الإقليمية مثل تلك الموجودة في اسطنبول والتي تحظى برعاية مستدامة، يعاني حرج بيروت من تاريخ طويل من التخبط الإداري والإغلاق المتقطع بحجج واهية، تارة لحمايته وتارة أخرى بدواعٍ أمنية وسياسية، ليتحول من متنزه عام ومفتوح للجميع إلى مساحة مقيدة تخضع لشروط دخول معقدة أفرغتها من غايتها الاجتماعية.

 

النبذة التاريخية والتطور العمراني لحرج بيروت

يمتد حرج بيروت (أو حرج الصنوبر أو الحرش كما يسميه البيارتة) على رقعة جغرافية استراتيجية في القطاع الجنوبي الشرقي للعاصمة، ويُعد أثراً حياً لحزام غابات الصنوبر البيروتي التاريخي الذي كان يحيط بالمدينة لقرون طويلة كمصدٍّ طبيعي للرياح وحاجز بيئي واقٍ من الرمال المتحركة.
وتتداول الذاكرة الشعبية والكثير من الروايات المحلية أن الأمير فخر الدين المعني الثاني هو من أطلق ورشة غرس أشجار الصنوبر في حرج بيروت خلال القرن السابع عشر، بهدف إنشاء حزام أخضر يحمي المدينة من الكثبان الرملية المتحركة ويكون مصدراً للأخشاب. ورغم أن هذا الاعتقاد الشائع يربط اسم الأمير بالهوية البصرية التاريخية للحرج، إلا أن الدراسات التاريخية والوثائق العثمانية تثبت أن الانطلاقة التنظيمية الكبرى لغرس وتوسيع آلاف أشجار الصنوبر بصيغتها المؤسسية حدثت لاحقاً في منتصف القرن التاسع عشر في عهد السلطان عبد المجيد الأول، لتظل بصمة فخر الدين جزءاً من التراث الحكواتي الجميل الذي يسبغ على المكان أبعاداً أسطورية متجذرة في وجدان البيروتيين
.

 

الجذور العثمانية

بدأت الانطلاقة التنظيمية والبيئية الحديثة للحرج في عهد السلطان العثماني عبد المجيد الأول في منتصف القرن التاسع عشر (تحديداً في أربعينيات القرن التاسع عشر)، حيث صدرت المراسيم السلطانية والقرارات المحلية بغرس آلاف أشجار الصنوبر المثمر وتوسيع رقعتها لتشكل درعاً أخضر يحيط بالعاصمة. ولم يكن الهدف بيئياً فحسب، بل كان استراتيجياً لتثبيت الكثبان الرملية المتحركة التي كانت تزحف نحو الأحياء السكنية وموانئ المدينة، ليتحول تدريجياً إلى غابة منظمة ومقصد للتنزه لأعيان بيروت وسكانها.

 

في كتابات الرحالة الأجانب: واحة الشرق المفقودة

لم يكن حرج بيروت مجرد رقعة جغرافية محلية، بل حفر عميقاً في الذاكرة البصرية والأدبية للرحالة والمستشرقين الأوروبيين الذين مرّوا على بيروت خلال القرنين التاسع عشر ومطلع العشرين. فقد وثقت مذكراتهم ورسوماتهم هذا الحرج بوصفه درة التاج الطبيعية لمدينة كانت تميزها خضرة الصنوبر العتيق الممتدة على مد البصر بمحاذاة الشاطئ الأزرق والكثبان الرملية الذهبية. لقد أسهب الرحالة في وصف رائحة صنوبر "الحرج" المميزة التي كانت تستقبل القادمين إلى المدينة قبل الوصول إلى أسوارها، ووصفوه بالفردوس الذي يقصده أعيان المدينة وعامتها للترويح عن النفس. هذه الشهادات التاريخية الحية لأجانب لمسوا قيمة الحرج الفريدة تعكس بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا المعلم لم يكن يوماً مجرد غابة عادية، بل كان الهوية البصرية والبيئية الأصيلة لبيروت التي عبرت القارات قبل أن تطالها معاول الإهمال والتشويه الحديثة.

 

محطة عام 1915: الكازينو وقصر الصنوبر

تعرض الحرج لمحطة تاريخية قاسية خلال الحرب العالمية الأولى في عام 1915، حين جرى اقتطاع جزء أساسي من رقعته في عهد العثمانيين، حيث أُقيم على أرضه مبنى فخم خُصّص ليكون "كازينو". ولكن الكازينو لم يُشغّل أبداً بسبب ظروف الحرب العالمية الأولى، إذ إنّه استُخدم كمستشفى عسكري، وعند إنتهاء الحرب، حُوّل ليكون مقرّ إقامة المفوض الفرنسي وبات يُعرف باسم قصر الصنوبر. هذا الاقتطاع المبكر أدى إلى تحول مساحات واسعة من الغابة لصالح المقرات السياسية والسلطوية لسلطة الانتداب، مما مهّد الطريق لاحقاً لمسلسل الاقتطاعات المتتالية التي قضت على أجزاء واسعة من حرج بيروت.

 

الانتداب الفرنسي وتكريس الوظيفة الترفيهية

مع قيام دولة لبنان الكبير وفترة الانتداب الفرنسي في حقبة العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، شهد الحرج أولى عمليات التنظيم الهندسي الحديث كمتنزه عام (Promenade). شُقّت داخله المسارات الترابية والممرات المرصوفة، وأُحيط بعناية مؤسسية جعلته المقصد الترفيهي الأول لأهالي بيروت في عطلات نهاية الأسبوع، خصوصاً في ظل غياب الحدائق العامة الكبرى بمعاييرها المعاصرة آنذاك. وقد وثقت الأدبيات والرحلات تلك الفترة بوصف الحرج القلب النابض للبيئة الحضرية البيروتية.

 

الفترة الذهبية قبل الحرب (أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات)

قبل أن يقع الحرج فريسة للإهمال والحروب والتخبط الإداري، عرفت بيروت قبيل اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975 فترة ذهبية حقيقية تحول فيها الحرج إلى متنزه حضري متكامل ينافس أرقى حدائق العواصم في ذلك الزمان. فقد قامت الدولة اللبنانية حينها بتأهيل وتجهيز الحرج بعناية هندسية وجمالية فائقة ليكون المتنفس الأول والمفضل لسكان العاصمة وزوارها. كان الزائر للحرج في تلك الأيام يطأ مساحات منظمة بعناية، تضم مسارات وممرات نظيفة وممهدة للمشي والركض بين أشجار الصنوبر العتيقة، ومقاعد مريحة للجلوس والراحة، وزحلقات وألعاب أطفال آمنة ومبهجة غمرت المكان بضحكات الصغار. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان الحرج يزخر بجزر نباتية منسقة بعناية فائقة، تتوزع فيها أشكال وأنواع متنوعة من الورود والزهور والنباتات المزهرة التي تسر الناظرين وتضفي على الغابة لوحة بكر من الألوان والروائح العطرية. تلك الفترة الذهبية تظل محفورة في ذاكرة أبناء بيروت كدليل حي على أن الحرج، لو أُدير برؤية صحيحة وإرادة سليمة، قادر دائماً أن يكون واحة من الجمال والفرح في قلب المدينة.

 

التآكل التدريجي والمحطات المفصلية (ما بعد الاستقلال والحرب الأهلية)

لم يحظَ الحرج بحصانة قانونية صارمة تحميه من أطماع التمدد العمراني، فتعرض على مدار العقود اللاحقة لسلسلة من الاقتطاعات التدريجية تحت مسميات المشاريع المختلفة:

 

  • مشاريع البنى التحتية والتوسعة: شُطبت أجزاء واسعة منه لصالح شق الطرق الرئيسية والاتوتوسترادات التي تربط العاصمة بضواحيها.

 

  • الدمار الحربي (1975 - 1990): خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية، تحول الحرج إلى خط تماس وموقع عسكري وميدان اشتباك، وتكبد ضربات قاسية أبرزها الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982 وما رافقه من قصف مدمر وجوي عنيف أدى إلى تدمير وحرق مئات الأشجار المعمرة. وعلاوة على ذلك، تعرضت باقي أشجاره للقطع الجائر لاستخدامها في التدفئة أو بفعل القصف والحرائق المتاخمة، فضلاً عن تحول أجزاء منه إلى مكبات عشوائية للأنقاض والنفايات.

 

اقتطاع الأراضي: المقابر والمؤسسات تحت مقصلة التوسع

لم يقتصر التعدي على حرج بيروت على الطرقات والمشاريع العسكرية، بل طال تباعاً المساحات الخضراء لصالح إنشاء مقابر ومؤسسات تحت ضغط النمو السكاني وحاجات الطوائف، لا سيما خلال المحطات المفصلية والأزمات:

  • شقّ طريق المطار القديم ومستديرة شاتيلا بالتزامن مع التخطيط والتنفيذ لمشروع مطار بيروت الدولي الجديد في منطقة خلدة، والذي افتُتح رسمياً في عام 1954، في عهد الرئيس كميل شمعون. هذا التطوير كان يهدف إلى تنظيم حركة المرور وربط العاصمة بالضواحي الجنوبية، وأتى على مساحات واسعة من الحرج.
  • اقتطاعات عام 1958: شهد عام 1958 اقتطاع أجزاء من الحرج لتخصيصها مقابر للمسلمين في ظل ضغط الحاجة لدفن الموتى، مما شكل أولى الاقتطاعات المجتمعية الواسعة من جسد الغابة بعد الاستقلال.
  • وفي عام 1969، شيّدت مقبرة شهداء فلسطين على جزء مقتطع أيضاً من حرج بيروت، قرب الجزء المسمى حالياً دوار شاتيلا.
  • الحرب الأهلية وتوسع مقبرة روضة الشهيدين والأراضي التربوية (1975 - 1990): خلال سنوات الحرب الأهلية، ومع تعذر الوصول إلى المقابر التقليدية خارج العاصمة وانقطاع أوصال المدينة، توسعت الاقتطاعات بشكل عشوائي وميداني؛ فتم السيطرة على مساحة من أطراف الحرج لفتح مقبرة "روضة الشهيدين" الخاصة بالطائفة الشيعية، إضافة إلى اقتطاع أراضٍ أخرى لصالح تشييد مؤسسات تربوية وحوزات ومؤسسات.
  • تسعينيات القرن الماضي ومقابر الغبيري: استمر مسلسل الاقتطاعات حتى حقبة التسعينيات، حيث جرى استكمال التمدد الجغرافي عبر إنشاء مقابر جديدة للمسلمين السنة في منطقة الغبيري على حساب ما تبقى من أطراف النطاق الأخضر المتصل للحرج.

هذه الاقتطاعات المتعاقبة، رغم حاجتها الاجتماعية الملحة وقتها، أفرغت الحرج تدريجياً من مساحته الأصلية الهائلة التي كانت تقدر بآلاف الدونمات، وحاصرته ضمن جغرافيا ضيقة ومتقطعة.

 

مشاريع إعادة التأهيل والمنحة الفرنسية (منتصف التسعينيات)

بعد انتهاء الحرب، شهد الحرج محطة إحياء بارزة بتمويل ومنحة فرنسية كريمة (عبر منطقة "إيل دو فرانس") في منتصف التسعينيات، تضمنت إعادة تشجير واسعة، وتنظيم المداخل، وبناء أسوار، ووضع خطة إدارة متكاملة هدفت لإعادة الحرج إلى سابق عهده. غير أن هذه النهضة اصطدمت بقرار سياسي وأمني مفاجئ قضى بإغلاقه حصرياً بوجه عموم اللبنانيين لفترة طويلة، ليقتصر دخوله على فئات محدودة أو بشروط تعجيزية، قبل أن تنجح الضغوط المدنية المتواصلة في انتزاع فتحه جزئياً ومتقطعاً في عام 2015، وسط بقاء البنية الإدارية حبيسة العجز وغياب الرؤية البيئية المستدامة التي تحفظ هذا الإرث التاريخي.


الأوضاع الحالية والتدهور الممنهج (1990 - 2026)

شهد حرج بيروت منذ نهاية الحرب الأهلية في عام 1990 مرحلة طويلة من التعثر والتراجع، متحولاً من مساحة عامة نابضة بالحياة إلى ورقة تساوم عليها البيروقراطية البلدية والتجاذبات السياسية. فبرغم منحة الإحياء الفرنسية في منتصف التسعينيات، اصطدم الحرج بقرار سياسي وأمني قضى بإغلاقه حصرياً بوجه عموم اللبنانيين والمقيمين لفترة امتدت لعقدين من الزمن، بذريعة حمايته وتنظيمه، ليقتصر دخوله على فئات محدودة أو بشروط إدارية تعجيزية. ورغم الضغوط المدنية المستمرة التي نجحت في انتزاع فتحه جزئياً ومتقطعاً عام 2015، إلا أن قيود الدخول وأوقات العمل المقيّدة أفرغته من غايته الاجتماعية الأساسية كمتنزه مفتوح لأهالي المدينة.

وعلى الصعيد الميداني والبيئي، تكالبت على الحرج أزمات بنيوية وآفات مدمرة أدت إلى تآكل غطائه النباتي، أبرزها:

 

  • اجتياح الآفات الزراعية: تعرضت أشجار الصنوبر المثمر المعمرة لهجمات شرسة ومدمرة من حشرات حفار الساق والآفات الفطرية، مما أدى إلى يباس وموت مئات الأشجار وسط عجز رسمي فاضح واكتفاء بمعالجات موسمية متأخرة لا تعدو كونها "رفع عتب".

 

  • تهالك البنى التحتية وغياب الصيانة: تعاني مرافق الحرج الداخلية من تداعٍ مستمر في ممرات المشاة، شبكات الري المتهالكة، الإنارة المعطلة، والمقاعد المكسورة، نتيجة غياب أي خطة صيانة دورية مستدامة تحافظ على سلامة الموقع.

 

  • التراجع المناخي والبيئي: فاقمت موجات الجفاف وشح المياه وضعف العناية الزراعية المتخصصة من هشاشة الأشجار، وجعلتها بيئة حاضنة سهلة للأمراض والحرائق المتاخمة.

 

المعايير العالمية لإدارة الحدائق والمساحات الخضراء

في الوقت الذي تُدار فيه المساحات الخضراء الكبرى في عواصم العالم وفق أصول وقواعد علمية ومؤسسية سليمة، يفتقر حرج بيروت لأبسط هذه القواعد الناظمة. فالمعايير الصحيحة لرعاية الحدائق العامة لا تعتمد على الاجتهادات الموسمية أو المعالجات الارتجالية، بل تستند إلى ركائز أساسية تشمل:

 

  • العناية الزراعية المستمرة: وجود فرق مختصة ومقيمة بشكل دائم لمتابعة صحة الأشجار والتربة، واستخدام نظم ري صحيحة، ومعالجة أي مرض يظهر على الأشجار فوراً وقبل تفاقمه.

 

  • الحماية من التخريب: وضع قواعد واضحة لحماية الأشجار والنباتات من العبث البشري، مع متابعة دقيقة توازن بين راحة الزائر وحماية الطبيعة الحساسة في المكان.

 

  • التخطيط السليم للمستقبل: وضع خطط واضحة وطويلة الأجل للصيانة والتطوير، تضمن استمرار التمويل والاهتمام بالمكان دون الاعتماد على المزاج السياسي أو تقصير البلديات.

 

دروس من تجارب المدن المجاورة:

يمكن الاستفادة من تجارب مدن قريبة استطاعت الاهتمام بحدائقها ومساحاتها الخضراء بطرق ناجحة ومستدامة، حيث تُدار هذه الأماكن بتعاون منظم بين البلديات، والقطاع الخاص، وأهالي المدن. وتعتمد هذه التجارب غالباً على تأمين مداخيل بسيطة للمكان من خلال أنشطة هادئة وصديقة للبيئة (مثل مقاهٍ ثقافية صغيرة أو جولات منظمة)، مما يساعد في تغطية مصاريف الصيانة ونظافة الحرج ودفع رواتب العمال دون أن يشكل ذلك عبئاً مالياً كبيراً على الدولة أو البلدية.

 

أسباب الفوضى، الإهمال، وانهيار الخزائن الخضراء

لا يقتصر ما يعيشه الحرج اليوم على مجرد تراجع طبيعي أو إهمال عابر، بل هو نتاج منظومة متكاملة من العوامل التي أدت إلى انهيار غطائه الأخضر، وتتلخص فيما يلي:

 

  • غياب الإرادة البلدية والقصور الإداري: تعاني بلدية بيروت من بطء شديد في العمل وغياب التخطيط السليم؛ فالمساحات الخضراء لا تُعتبر أولوية بالنسبة للمسؤولين، مما يجعل الحرج منسياً وبدون متابعة أو فرق عمل دائمة تهتم به.

 

  • الفساد المستشري والتنفيعات السياسية: تُدار مرافق الحرج أحياناً بمنطق المحاصصة والمصالح الضيقة بدلاً من الكفاءة. فصفقات التنظيف وتقليم الأشجار تتحول أحياناً إلى وسيلة لتنفيع أشخاص مقربين من القوى النافذة عبر مناقصات شكلية، لتكون النتيجة أعمال صيانة ضعيفة وسطحية لا تصلح شيئاً، وهدفها الوحيد إبقاء الحرج متهالكاً لتبرير صفقات جديدة ومصاريف وهمية.

 

  • عقم الحملات الاستعراضية والتغطية الإعلامية: يترافق هذا الواقع مع حملات دورية تنظمها البلدية ومحافظ بيروت للاهتمام بالحرج، وترافقها ضجة إعلامية وصور تذكارية أمام الكاميرات. لكنها في حقيقتها فعاليات مؤقتة تفتقر لأي استدامة، وتُستخدم كدعاية فارغة لإخفاء الفشل المستمر في حماية الحرج والحفاظ عليه حياً ومتاحاً للناس.

 

  • التضارب في التوجهات العامة: يكشف تتبع المشهد الرسمي والأهلي حيال حرج بيروت عن تناقض واضح؛ فبينما عُقد اجتماع برئاسة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام في التاسع من كانون الثاني 2026 خُصِّص لبحث أوضاع الحرج ووضع رؤية متكاملة تضمن حمايته وتطويره بشكل مستدام، نجد في المقابل إطلاق حملات تطوعية محلية مثل حملة «حرش بيروت لح يرجع» (بالتعاون بين جمعية سيدرز للعناية، هيئة فعاليات بيروت، ومحافظ بيروت ورئيس البلدية إبراهيم زيدان) لأعمال التعشيب والتنظيف البسيطة. هذا التباين بين الوعود الحكومية الكبيرة والتحركات الميدانية المحدودة يعكس انفصاماً بين القرارات الفوقية والواقع الفعلي، حيث يُدار الحرج بردود الفعل لامتصاص غضب الناس بدلاً من وجود خطة شاملة وثابتة.

 

  • خطورة المهرجانات والأنشطة الفنية: من أبرز المخاطر التي تهدد بقاء الحرج واستدامته البيئية هي محاولات تحويله بين الحين والآخر إلى مساحة لاستضافة المهرجانات الفنية الكبرى، الحفلات الجماهيرية، والفعاليات الصاخبة. إن حرج بيروت بطبيعته الحساسة وغطائه النباتي وأشجاره المعمرة ليس ساحة احتفالات مفتوحة، بل هو نظام بيئي هش ودقيق تتأثر تربته وجذوره الدفينة بأدنى ضغط بشري أو حركة آليات وثقالات صوت وإنارة. فإقامة هذه الفعاليات وما ترافقه من حشود هائلة، ونصب للمنصات الضخمة، ومد للكابلات، ورمي للنفايات البلاستيكية، يعرض البيئة الطبيعية لصدمات مدمرة يصعب تداركها، ويؤدي إلى رص التربة وخنق جذور الأشجار واختلال التوازن الإحيائي فيها. إن التعامل مع الحرج كـ "موقع استثماري ترفيهي" لإقامة المهرجانات بدلاً من اعتباره غابة محمية وواحة هادئة للراحة والتنفس، يعكس فهماً خاطئاً لدور المساحات الخضراء، وينذر بالقضاء التام على ما تبقى من رئة المدينة الخضراء تحت غطاء الفن والثقافة.

 

  • شح التمويل المخصص وغياب الدعم المؤسسي: تعتمد أموال الصيانة على عقود ضعيفة، بينما تبقى مبادرات المواطنين التطوعية مشكورة ولكنها غير قادرة لوحدها على تعويض الغياب الرسمي الكبير.

 

  • القصور القانوني وخطر التعديات: لا توجد قوانين صارمة تحمي الحرج وتعتبر الإهمال بحقه جريمة يُحاسب عليها المسؤولون، كما أن وضعه القانوني غير محصّن بشكل كامل.

 

الثغرات القانونية ومخاوف الاستثمار

يفتقر القانون اللبناني إلى نصوص واضحة وصارمة تحمي المساحات الخضراء الكبرى وتمنع المساس بها بحصانة دستورية مطلقة. وبقاء الحرج تابعاً لقرارات إدارية متغيرة (تصدر عن البلدية أو المحافظ) بدلاً من أن يكون محمية بقانون ثابت صادر عن البرلمان، يجعله عرضة للتغيير والعبث. هذا الضعف القانوني هو ما يخلق خوفاً مشروعاً لدى الناس والمجتمع المدني من أن يكون الإهمال المتكرر مقصوداً، لكي يُقال لاحقاً إن البلدية عاجزة عن إدارته، فيتم تمرير استثناءات ومشاريع عقارية تقطع أجزاء منه تحت عناوين "الشراكة" أو التطوير الاستثماري.


 

البديل المؤسسي: نحو إدارة مستدامة خارج عباءة البلدية

أثبتت التجربة الطويلة أن بلدية بيروت، بسجلها الحالي من البيروقراطية وسوء الإدارة، لم تعد صالحة للاهتمام بالحرج وحمايته، ولم يعد مسموحاً ترك هذا المعلم التاريخي رهينة للقرار البلدي والمصالح السياسية. ولإنقاذ الحرج وإعادته إلى الحياة بمعايير صحيحة، باتت الحاجة ملحة لتأسيس شركة مستقلة أو مؤسسة خاصة تتمتع بالشفافية الكاملة والخبرة، وتتولى بشكل حصري الإشراف على الحرج وتأمين مداخيله وصيانته.

 

هذه الشركة المقترحة تستطيع تحويل الحرج إلى متنزه جميل ومزدهر، يضم تنوعاً بيئياً كبيراً من الأشجار والنباتات، وممرات مرتبة للمشي، ومقاعد نظيفة للجلوس، ومناطق هادئة ومقاهي صديقة للبيئة، إضافة إلى أمن ورقابة دائمة تضمن نظافة المكان وسلامة الزوار على مدار الساعة. ولضمان استمرارية هذا العمل بمعزل عن عجز الخزينة البلدية، لا مانع أبداً من استيفاء رسوم دخول رمزية وبسيطة جداً من الزوار، تذهب قيمتها مباشرة لصيانة المكان، وتأمين رواتب العمال والمختصين بالعناية بالأشجار، ليبقى الحرج واحة خضراء حية ومستدامة لكل أجيال المستقبل.

دور المجتمع المدني والرقابة الشعبية

لم يصمد حرج بيروت بوجه كل سنوات الإهمال لولا وقوف النشطاء وأهالي بيروت والمجموعات البيئية بوجه محاولات تشويهه وإغلاقه. لكن هذه الجهود التطوعية تحتاج دائماً إلى إطار ثابت يحميها؛ ولذلك فإن حماية الحرج الحقيقية تبدأ بإنشاء لجنة أو هيئة أهلية مستقلة للرقابة والشفافية، تتابع كيفية إنفاق الأموال وأعمال الصيانة، وتمنع تحويل أي خطة تطويرية إلى باب جديد للفساد أو الاستثمار التجاري الضار بمصلحة أهالي بيروت.